تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
أقامت جمعيّة الرابطة اللبنانيّة الثقافيّة محاضرة بعنوان: (قبس من حياة السيدة خديجة(ع)) التوصيات كلمة فضيلة الشيخ الدكتور علي كريميان: إعلامنا وضرورات التخطيط الواعي تحقيقاً للتحصين والسعادة الأسريّة كلمة الأستاذة جنان واسطي بور: أزمة التواصل بين أفراد الأسرة: وقاية أطفالنا وعلاقاتنا الأسريّة في العصر الرقمي كلمة سماحة السيد سامي خضرة: البرامج التلفزيونيّة ولاأخلاقيّة المضمون: كيف نحصن أسرنا ونرقى بالذوق الاجتماعي كلمة الحاج عبدالله قصير: دور مراكز الدراسات الأسرية في تقديم حلول واقعية لمعضلات الأسرة كلمة سماحة السيد علي الموسوي: مسألة تنظيم النسل في الرؤيّة الإسلاميّة كلمة الدكتورة حنان المصري زعيتر: الاهتمام المتزايد للمنظمات الدوليّة بتنظيم النسل وخلفيات الطرح كلمة الدكتور محسن صالح: تكامل الأدوار في المنظور الإسلامي للأسرة كبديل حضاري عن طروحات التفكيك والفردانيّة الدكتورة طوبى كرماني: المكانة القيميّة للأمومة ودورها في تحقيق الكمال والاستقرار الفردي والاجتماعي
بأقلامكم خدمة RSS صفحة البحث تواصل معنا الصفحة الرئيسة


 

 
فلاشات إخبارية
التصنيفات » جمعية الرابطة اللبنانية الثقافية » مؤتمرات وندوات » مؤتمرات وندوات حول المرأة
كلمة فضيلة الشيخ الدكتور علي كريميان: إعلامنا وضرورات التخطيط الواعي تحقيقاً للتحصين والسعادة الأسريّة
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة
إعلامنا وضرورات التخطيط الواعي تحقيقاً للتحصين والسعادة الأسريّة

كلمة فضيلة الشيخ الدكتور علي كريميان (أمين عام اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية)
بسم الله الرحمن الرحيم 
مقدمة: 
 من النّافل القول أنّ الأسرة تستمدّ أهميتها من كونها البيئة الاجتماعية الأولى التّي تصنع الإنسان، وهي أهم الجماعات الأوليّة وأقواها تأثيراً في التّنشئة الاجتماعية الّتي تشكّل سلوك الفرد وتبني شخصيّته. فالأسرة تهذّب الفرد، وتجعل سلوكه مقبولاً اجتماعياً عبر غرس العقيدة، والأخلاق، والأفكار، والعادات، والتّقاليد، واكسابه المعايير والاتجاهات والقيم السّائدة حوله(1). ما يعني أنّ الأسرة تشكّل العمود الفقري للنّسق الإجتماعيّ، والخليّة الأساسيّة الّتي يتكوّن منها جسم المجتمع البشريّ؛ فإذا صلُحت صلُح المجتمع، وإذا فسُدت فسد(2). لكن ثورة الاتصال نالت من دور المؤسّسات التّقليديّة ووظائفها في التّنشئة، إذ جعلت من وسائل الإعلام شريكاً فاعلاً يسهم بقدر كبير في عمليّة التّنشئة والتّربية؛ وأصبحت تقوم بدور الأب والمعلم؛ وحتّى بدور الإفتاء والإرشاد(3). ما يعني أنّ وسائل الإعلام باتت من المؤسّسات المرجعيّة الّتي تؤثّر في بناء شخصيّة الشّباب وقيمهم وأفكارهم وممارساتهم من خلال موادهّا الإعلاميّة(4). الأمر الّذي وضع الأسرة وأمنها وتماسكها أمّا تحديات من شأنها أنّ تنعكس على المجتمع ككلّ، بما هي الأسرة المؤسّسة، أو النظام الاجتماعي المركزيّ الّذي يحقّق قيام مجتمعاً قويّاً متكاملاً وفق المرسوم في دستورنا القرآنيّ، وسنّة نبيّ الرّحمة محمّد(صلّ الله عليه وآله الأطهار).
من هنا جاءت هذه الكلمة تحت عنوان: "إعلامنا وضرورات التّخطيط الواعي تحقيقاً للتّحصين والسّعادة الأسريّة"، وقد انتظمت في المباحث الآتية:
المبحث الأول- الأسرة في الإسلام.
المبحث الثاني- تأثير وسائل الاتصال والإعلام على الأسرة.
المبحث الثالث- خاتمة وتوصيات لإشراك الإعلام في وظيفة تحصين الأسرة وسعادتها.

المبحث الأول- الأسرة في الإسلام
اهتم الإسلام بالأسرة اهتماماً شديداً، وأولاها عنايةً فائقة، وحرص على تماسكها وحفظها من كل ما يقوّض دعائمها من خلال آيات القرآن الكريم والسّنّة النّبوية الشّريفة، وهو ما نوضحه بعد الوقوف عند مفهوم الأسرة لغة واصطلاحاً.

1- 1- مفهوم الأسرة 
1- الأسرة لغة واصطلاحاً:
يشتق لفظ الأسرة في المعجم الوسيط من الأسر، وهو القيد أو الشّدّ بالإسار، يُقال: أسَرَه أسراً وإساراً، قيَّده وأسَرَه. أي أنّه يتضمّن معنى الإحكام والقوّة، ومعناها أيضاً: الدّرع الحصينة، وأهل الرّجل وعشيرته، والجماعة يربطها أمر مشترك(5).
  قال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ۖ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا(6).
 فالإنسان لا يكون قوياً، وعزيزاً، إلّا إذا كان في أسرة تحصّنه(7).
وهو ما عكسته التّعريفات الاصطلاحية الّتي تعدّت وتنوّعت على أيدي علماء الاجتماع؛ فهي: جماعة اجتماعية أساسيّة ودائمة، وهي مصدر الأخلاق ودعامة ضبط السّلوك الأولى، والإطار الذي يتلقى منه الإنسان أول دروس الحياة الاجتماعية، وهي النظام الاجتماعي الرئيس لوجود المجتمع(8). وهي الجماعة الإنسانية المكلفة بواجب استقرار المجتمع وتطوره(9).
 فالأسرة في اللغة بمثابة الدرع الحصينة، وفي الاصطلاح تشكل الأسرة حماية الإنسان من أي شيء يهدد وجوده، وهو نفسه ما نجده في القرآن والسنة النبوية الشريفة.

1- 2- الأسرة في الإسلام
لقد اهتم الإسلام بالأسرة وتنظيمها عبر سنّ منظومة من الحقوق والواجبات المتكاملة التّي حملتها الآيات القرآنية، إلى جانب مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأسس التي تعنى بتربية الإنسان والمجتمع، وتوجيهه نحو قيم الفضيلة، والأخلاق الحسنة وغيرها...، وبعضها يرتبط بشكل مباشر بأسس الكيان الأسري ومتكزاته، ويهدف إلى بنائه بناءً صحيحًا، وحفظه. وهو ما يتجلّى في تصوير القرآن للرابطة الزوجية بين الرجل والمرأة التي تنشأ منها الأسرة من جهة، ويجب أنّ تقوم على أمتن العلاقات والقيم الإنسانية من السكينة والودّ والحبّ والرّحمة والاحترام. حيث قال تعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أن خلق كلُم مِن أنفُسِكُم أزواجاً لِتسكُنُوا إِليها وجعل بينكُ مودَّةً ورحمةً(10)
﴿هُنَّ لِباسٌ لكُم وأنتُم لِباسٌ لهُنَّ(11).
﴿نِساؤُكُم حرثٌ لكُم فأتُوا حرثكُم أنَّى شِئتُم وقدِّمُوا لأنفُسِكُم واتَّقُوا الله(12)   
ونجد في هذه الرابطة الأسس التي ينبغي أن تحكم علاقة الوالدين بأولادهما حتى تكتمل منظومة الحياة بشقيها الزوجي والأسري، حيث يقول تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّه فِي أولادِكُم(13). فالسكينة الأسرية جعلها الله هدفًا لحفظ القيم(14).
طبعًا كثيرة هي الآيات التي يتحدث فيها القرآن عن الأسرة. وإن اختصت سورة النساء بذكر جملة من التوجيهات التي يقوم عليها شأن الأسرة، والقواعد الأساسية لتنظيمها وضبط شؤونها، وعلاقات أفرادها مع بعضهم والمجتمع لما للعلاقات الأسريّة من دور في توثيق بناء الأسرة وتماسك أعضائها من جهة، والمجتمع من جهة ثانية.
أكّد القرآن مسؤوليّة الإنسان، فقال: (وقفُوهُم إنَّهُم مسؤُولون). كما أكّدت السيرة النبوية شمول هذه المسؤوليّة للرجل والمرأة في محيطهما العائليّ. فعنه صلّ الله عليه وآله: ألا كُلُّكُم راع وكُلُّكُم مسؤول عن رعِيَّتِهِ، الإِمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ راعٍ فِي أهلِهِ وهُو مسؤولٌ عن رعِيَّتِهِ، والمرأةُ راعِية فِي بيتِ زوجِها ومسؤولة عن رعِيَّتِها، والخادِمُ راعٍ فِي مالِ سيِّدِه ومسؤولٌ عن رعِيَّتِهِ. بالإضافة إلى تقسيم العمل وبيان الأدوار في إدارة أمور الأسرة. يروي الإمام الصادق(عليه السلام) عن التعاون وتقسيم العمل بين فاطمة الزّهراء والإمام علي(عليهما السلام): "كان أمير المُؤمنين يحتطبُ ويستقي ويكنسُ، وكانت فاطمة تطحنُ وتعجنُ وتخبزُ"(15) .
وركز أهل البيت(عليهم السلام) على إدامة علاقات الحب والمودة داخل الأسرة، وجاءت توصياتهم موجهة إلى كل من الرجل والمرأة. قال رسول الله(صل الله عليه وآله): "خيرُكُم خيرُكُم لِنِسائِهِ، وأنا خيرُكُم لِنِسائِي". وقال الِإمام جعفر الصادق(عليه السلام): "رحِم اللَّه عبداً أحسن فِي ما بينه وبين زوجتِه...".
وورد في وصايا أمير المؤمنين علي(عليه السلام) التربوية لابنه الإمام الحسن(عليه السلام): "... ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك.." قال(عليه السلام): "إنَّ المرء يحتاج في منزله وعياله إلى ثلاث خلال يتكلفها، وإن لم تكن في طبعه ذلك: معاشرة جميلة، وسعة بتقدير، وغيرة بتحصّن". وعن الإمام زين العابدين(عليه السلام): "إن أرضاكم عند اللَّه أسبغكم على عياله".
 طبعاً، هناك جوانب كثيرة جاء بها التشريع الإسلامي على مستوى قواعد العدالة، والأخلاق، والمثل، والعواطف الإنسانيّة لسنا في وارد الإلمام بها جميعها؛ ونكتفي بهذا القدر الذي أريناه مفيدًا في سياق الورقة.

المبحث الثاني- تأثير وسائل الإتصال والإعلام على الأسرة.
تتمثل أهمية الإعلام في كونها تعيد إنتاج البنى الاجتماعية والثقافيّة لأيّ مجتمع من المجتمعات من خلال الدور المعرفيّ المناط به، والتنشئة الاجتماعيّة باعتبارها مصدر رئيس في إمداد المجتمع بالمعلومات والمعارف والأفكار. وتشكيل توجهات الأفراد ومواقفهم إزاء مختلف القضايا الاجتماعيّة، والتأثير على أذواقهم، ونمط حياتهم(16).
من هنا ركّز الباحثون في علوم الاجتماع والنّفس والإعلام والاتصال على أهمّية دراسة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري كنسق من الأنساق الاجتماعية Social Systems التي تتولى مهمة التنشئة. فوسائل الإعلام والاتصال مؤسسة اجتماعيّة بلحاظ الدور الذي تؤديه بصورة موازية لما تقوم به المؤسسات الأخرى إن لم تتفوّق عليها. وهي مؤسسة تعليمية مستمرة(17) اكتسبت أبعادًا جديدة زادت من قوّة تأثيرها على الأفراد والجماعات لاسيما على المستوى المعرفيّ، حيث يشير عالم الاجتماع أنتوني جيدنز إلى أن أهمية وسائل الإعلام تعادل ما للمدارس والجامعات في إقامة مجتمع المعرفة(18).
وقد تضاعفت أهميّتها مع الثّورة العلميّة التقنيّة المتمثّلة في ما يسمى التكنولوجيا الحديثة من الفضائيّات والإنترنت وتطبيقاتها (مواقع التّواصل الاجتماعي، وغيرها)، إلى الهاتف الجوّال، والتّلفزيون الذّكيّ وغيرها من هذه التّقنيّات الحديثة الّتي أثّرت على حياة الإنسان وسلوكه، وطريقة اتصاله بالآخرين بشكل كبير(19). فهو بات محاصر ببيئة مشبعة بمواد إعلاميّة تتميّز بتعدّدها الهائل، وتنوّع وسائل الإعلام الّتي أصبحت تشمل أنواعًا عدّة من التّلفزيون والقنوات الفضائيّة عبر البثّ الأرضيّ والأقمار الصّناعيّة إلى المحطّات الإذاعيّة الأرضيّ منها والفضائيّ والرقميّ، والصّحف والمجلّات، والإنترنت وليس انتهاءً بالهاتف الجوال. فوسائل الإعلام لا تزال في ازدياد وتنوّع، ونموّ وتضخّم كمّيّاً ونوعيّاً يومًا بعد يوم(20).
وبات الإنسان -الصّغير والكبير على حدّ سواء- يكرّس في عصر الاتصال الرّقميّ الحاليّ وقتًا أطول مّما كرّسه في أيّ عصر مضى لوسائل الاتصال، مرسلا للرّسائل الّتي تتراوح بين رسالة صغيرة مؤلّفة من بضع كلمات في تويتر إلى رسالة مصوّرة مأخوذة بالهاتف الذّكي لتجمّع أو حادث- أو مستقبلا لرسائل مماثلة ترد من معارف، أو مواقع إلكترونيّة(21). عدا عن أجهزة التلفاز، وأشرطة الفيديو، والألعاب، وغيرها من وسائل الإعلام المرئيّة.
لقد أثارت الثورة التقنية وما استتبعته من تطور وسائل الاتصال وتقنياتها من جهة ثانية، وما حملته من كمّ معرفيّ وتقنيّ أثيرت إشكاليّات عدّة حول تأثير وسائل الإعلام على المجتمع جماعات وأفرادًا. لاسيما لجهة "زلزلة الأنساق والقوانين والمبادئ التي تحكم حياتنا الاجتماعية والثقافية، واهتزاز قيم كنا نتوقع لها دوام الخلود والاستمرارية كما كانت في الماضي، وسيادة أنساق قيمية لم نتوقع لها مكانًا في حياتنا"(22).
وبدأت الأبحاث حول تأثيرات المواقع والتطبيقات الجديدة النفسيّة والاجتماعية على مختلف الشرائح العمرية من أطفال ومراهقين وشباب، وحتى الشيوخ(23). لأن وسائل الإعلام احتلت "مكان الوالدين والمدرسين في نقل العلم والمعرفة إلى الأفراد، فأصبح معظم التعليم يتم خارج الفصل الدراسي، وأصبحت كميّة المعلومات الفائقة الّتي تنقلها الصحف والمجلات والأفلام والإذاعة والتلفزيون تفوق بكثير كميّة المعلومات الّتي ينقلها مُدرِّس الفصل". وقد حطّم هذا التحدّي احتكار الكتاب بوصفه مساعداً أساسيّاً في العمليّة التّعليميّة، ما أحدث شرخاً في جدار الفصل الدراسيّ أدّى إلى إرباكنا(24).
وأظهر كثير من الأبحاث وجود آثار اجتماعية عدّة، بينها تقلّص العلاقات الاجتماعية بعدما سهّلت التكنولوجيا الحديثة وما صاحبها من شبكة الإنترنت وتطبيقاتها التّواصل الإلكترونيّ، وفتحت أمام الأفراد آفاقا جديدة لتشكّل شخصيّاتهم وعاداتهم حول ثقافة الشّبكات. ولئن كان لهذه الثّقافة تأثيراتها إيجابيّة كانت أم سلبيّة على طبائعهم وثقافاتهم، وسواء أرادوا حدوث ذلك الأثر أم لا. فإن مجرد انضمامهم إلى مواقع التّواصل يعني انضمامهم ضمنيّاً إلى ثقافة الموقع، أو ذاك المجتمع الإلكترونيّ الّذي صاروا جزءً منه، ما أثّر سلبًا على علاقاتهم مع أعضاء أسرهم(25). كما تراجع دور الأسرة التّنشأويّ، وغابت مؤسّسات أخرى كالمسجد والجمعيّات التّطوعيّة والمكتبات وغيرها، في وقت انتشرت فيه الجرائم الإلكترونيّة، وتفشّت الأخلاقيّات والسّلوكيّات الّتي تتنافى مع التّقاليد المحليّة، وما تقول به العقائد والأديان السماوية(26). كما أننا سجلنا المزيد من التفكّك الأسري، والصراع بين الأجيال في الفكر والثقافة والسّلوك والإحساس بعدم الحاجة الأسرية والترابط الإنساني مع الآخرين، وزادت نسب الطلاق ومعدلات الانحرافات الأخلاقيّة والعنف. ورتّبت مضامين القنوات الفضائيّة والفضائيّات الأجنبية آثاراً سلبية خلخلت منظومة القيم الأسريّة؛ حيث توارت معظم القيم الأخلاقيّة(27). وهذا ما هدد العلاقات الاجتماعية التقليدية من خلال إبراز معتقدات متطايرة غير مستقرة وغير ثابتة أو خلق وضع تصبح فيه المشاعر الذاتية (أيّ الفردانيّة) أكثر أهميّة من الالتزام الاجتماعيّ بأيّ مشروع للنّشاط أو التّنظيم الاجتماعيّ(28).

وفي هذا السّياق، أشير إلى عدد من الدراسات والأبحاث التي حول تأثير وسائل الإعلام والاتصال على الفرد والمجتمع في آن واحد:
1- دراسات وأبحاث
□  لينا حرب، أثر وسائل الاتصالات الحديثة على روابط الأسرة بقسميها المقيم والمهاجر وعلى وظائفها واتجاهاتها، 2010م.
هدفت الدِّراسة إلى فهم ورصد أهم التغيرات التي حصلت في مجال الأسرة جراء استعمال وسائل الاتصال الحديثة المتمثلة في الهاتف الخلوي والإنترنت بشكل رئيسي. وقد اختارت الباحثة العينّة العمديّة المباشرة لمجموعةٍ من الأسر اللبنانية من مناطق متعددة في لبنان، بلغ عددها 50 أسرة، على أن يكون أحدُ أفراد الأسرة أو أكثر مقيماً خارج البلاد. وقد توصلت إلى أنّ الاتصال عبر وسائل الاتصال الحديثة لم يعد فردياً، بل أصبح مناسبة لاجتماع أفراد الأسرة ولمّ الشمل وإعادة اللحمة والحميميّة إليها، وأنّ 48 ٪ من الأسر تتواصل عبر الإنترنت. وأشارت النتائجُ إلى أن وسائل الاتصال الحديثة أتاحت الفرصة لمزيد من التقارب والتعارف بين الجنسين، الأمر الذي كان محظوراً لفترةٍ طويلةٍ بسبب العاداتِ والتقاليد والقيم.
  رولا محمد أسامة عطار، تأثير شبكة الإنترنت على المتابعة الدراسيّة والسلوك الاجتماعي لدى طلاب نهاية المرحلة الثانوية في بيروت، 2006.
هدفت الدِّارسة إلى رصدِ تأثير استعمال طلاب المرحلة الثانوية شبكة الإنترنت على متابعتهم الدراسيّة وسلوكهم الاجتماعي. وقد شملت عيّنة الدِّراسة طلاب المرحلة الثانوية في مدينة بيروت في القطاعين الرسميّ والخاص.
وبيّنت النتائج أنّ 43،33٪ من الذّكور يستعملون شبكة الإنترنت للتّواصل مع الآخرين في لبنان والخارج، مقابل 33،33٪ من الإناث، في حين أنّ 45٪ منهنّ تستعملن الإنترنت للقيامِ بالأبحاث. لكنها أظهرت أيضاً تقدّم هدفِ بناءِ العلاقاتِ والصداقاتِ عبر الإنترنت على غيره من الأهدافِ بنسبة 53،33٪ عند الإناث و45٪ عند الذّكور، بينما تأتي التسلية في المرتبةِ الثانية بنسبة 25 ٪ عند الإناث و20٪ عند الذكور.
  أشرف جلال حسن، أثر شبكات العلاقات الاجتماعية التّفاعليّة بالإنترنت ورسائل الفضائيّات على العلاقات الاجتماعية والاتصالية للأسرة المصريّة والقطريّة: دراسة تشخيصيّة مقارنة على الشباب وأولياء الأمور في ضوء مدخل الإعلام البديل، 2009.
هدف البحثُ إلى تعرّف أثر استعمال الإنترنت على العلاقاتِ الاجتماعية لدى الشباب الجامعيّ في المجتمع الأردنيّ من خلال استطلاع آراء عيّنة تمّ اختيارها بطريقة عشوائيّة من طلبة جامعة مؤتة، وبلغ تعدادها (325) مبحوثاً ومبحوثةً. وبيّنت النّتائج أنّ المبحوثين يعتبرون أصدقاءهم الإفتراضييّن مرجعهم الأوّل في حال تعرّضوا لمشكلة ما.
□ حلمي خضر ساري، تأثير الاتصال عبر الإنترنت في العلاقات الاجتماعية: دراسة ميدانيّة في المجتمع القطري، 2008.
هدفت الدِّراسة إلى معرفة تأثير الاتصال عبر الإنترنت في العلاقاتِ الاجتماعيّة في المجتمع القطريّ. وقد توصّلت إلى أنّ أفراد العيّنة -من كلا الجنسين- يستعملون الإنترنت بنسب متفاوتة، لكنّ تأثير الإنترنت على الإناث كان أكبر، وأنّ الاتصال عبر الإنترنت أثّر في اتّصال أفراد العيّنة الشخصيّ مع أسرهم أو أصدقائهم ومعارفهم. كما أظهرت النّتائج قدرة الإنترنت على توسيع شبكة علاقاتهم، وهو ما ولّد شعور (40.3٪) من أفراد العيّنة بالاغتراب عن مجتمعهم المحليّ.
رضوان بلخيري، منتديات الدردشة الإلكترونية ودورها في إحداث التغيير في المجتمع الجزائري: دراسة في دوافع الاستخدام والإشباعات المتحققة لمنتدى فايسبوك (Facebook)، المؤتمر الدولي الثاني لكلية الآداب والعلوم الاجتماعية في جامعة السلطان قابوس، مسقط، 17/12/2012

أظهرت الدراسة:
- أنّ نصف المبحوثين تقريبا (48.5 %) قابلوا شخصاً تعرفوا عليه عبر منتدى الدردشة الإلكترونية (فيسبوك)، (12%) منهم إناث.
- هناك نسبة معتبرة من الذين يحسون بالألفة والانتماء إلى الجماعة الافتراضية (جماعة المدردشين)، أكثر من جماعتهم الأولية.
- هناك 19% من بين الذين تناقشوا مع شخص غير مسلم، تبيّن أن هذا الشخص حاول استمالتهم لاعتناق ديانته، من خلال القدح والتشكيك في الإسلام، وأغلبيتهم من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و20 سنة.
- أجابت نسبة معتبرة من المبحوثين (24.5%) بأنهم تعرضوا أثناء الدردشة لمحاولة دعوية من طرف جماعات مشبوهة، تنشط في مجال المخدرات، الجنس أو الأنشطة الإرهابية، وقد كان أغلبهم من صغار السن (18 إلى 20 سنة).
أنجيلا أم. آدكنز (Angela M. Adkins). (ماي سبيس) و(الفيسبوك) وقوّة علاقات الإنترنت: الشَّبكات الاجتماعيّة على الإنترنت وسدّ رأس المال الاجتماعي، 2009م.
هدفت الدِّراسة إلى استكشافِ خصائص أعضاء موقعيّ (ماي سبيس) و(الفيسبوك)، ومن ثم التحقق من طبيعةِ العلاقة بين الشَّبكات الاجتماعيّة ورأسِ المال الاجتماعيّ. وقد استعملت الباحثة بياناتِ مسح وزّعته عبر الإنترنت والبريد الإلكترونيّ، وشمل طلّاب وأعضاء هيئة التّدريس في كليات جامعة Midwestern. 
وأظهرت النّتائج أن أعضاء موقع (ماي سبيس) يركزون على تشكيل علاقات اجتماعيّة جديدة عبر الإنترنت، في حين يركز أعضاءُ (الفيسبوك) على الحفاظِ على علاقاتهم القائمة إلى جانب العلاقاتِ الّتي ينسجونها عبر الإنترنت.
كما أشارت النّتائج إلى وجود علاقة إيجابيّة بين التواصل الاجتماعيّ على الإنترنت وسدّ رأسِ المال الاجتماعي، أيّ أنّ استعمال (الفيسبوك) و(ماي سبيس) يعززُ من رأسِ المال الاجتماعيّ ويُقلِّصُ الفوارق الاقتصاديّة والعرقيّة.

2- تأثير المواقع على العلاقات الأسريّة
يحذّر خبراء وباحثون مهتمون من تأثير تلك المواقع على العلاقات داخل الأسرة والمجتمع على اعتبار أنّ إدمان مواقع التواصل الاجتماعيّ والدردشة مع آخرين في العالم الافتراضي أفضى إلى الخيانة الزوجيّة، وتفكّك العلاقات الأسريّة، وصولاً إلى الطلاق. فـ(الفيسبوك) مثلًا سبب من أسباب دعاوى الطلاق في المحاكم في أوساط الشباب المتزوجين حديثًا، ويليه رسائل برنامج "الواتس آب" التي تسببت بـ 40% من حالات الطلاق في إيطاليا، وفقًا لتقديرات جمعيّة محاميّي الزواج الإيطاليين.
وكشفت دراسة مسحية أجراها موقع "ديفورس أون لين" Divorce on line المعنيّ بشؤون الطّلاق في بريطانيا أن ثلث حالات الطّلاق في العام 2011  كانت بسبب موقع (الفيسبوك). فيما نشرت جامعة بوسطن الأميركيّة دراسة أشارت إلى أن 32 % من مستخدمي موقع "فيس بوك" بشكل شره يفكرون جددّا في الابتعاد، أو هجر شريك حياتهم. مضيفة أنّ "(الفيسبوك) سجّل أعلى المؤشّرات تأثيراً في زيادة نسبة الطّلاق والمشاكل الزّوجيّة"(29).
وفي السعوديّة أظهرت دراسة بعنوان: "التّأثير السّلبي للإنترنت على مشاكل النّزاع الأسريّ الّذي يؤدّي إلى الطّلاق" أنّ معدّلات الطّلاق زادت بشكل ملحوظ خلال السّنوات الأخيرة، لاسيّما في العاصمة الرّياض، وأنّ حوالي 24 % من حالات الطّلاق كانت بسبب استعمال أحد الشريكين للإنترنت بشكل سيء من خلال الدّخول إلى مواقع الدّردشة والتّعارف. ذلك أنّ إدمان أحد الزوجين على ارتياد هذا النّوع من المواقع يقلّل من فرص التّفاعل، النّمو الاجتماعيّ, الانفعالي والصحّي بين الزّوجين، الأمر الّذي يتسبّب بنزاع أسريّ يؤدي في غالب الأحيان إلى الطّلاق. وأشارت نتائج الدراسة إلى أنّ 57،4 ٪ من عينة الذكور (الأزواج المطلقون) و63%  من عينة الإناث (الزّوجات المطلّقات) كان ارتيادهم لغرف الدّردشة السّبب الرّئيس في حدوث النّزاع الأسري الذي أدى إلى الطّلاق، تلتها المواقع الإباحيّة.
وأفاد 46،5٪ من العينة أنّ سبب ارتيادهم لهذه المواقع يرجع إلى ضعف الوازع الدّينيّ، في حين أفاد 20٪ من أفراد العيّنة أن السبب الرئيس لارتيادهم هذه المواقع يرجع إلى الملل من الحياة الزّوجيّة، تلاها 16،1٪ من العينة كان غياب الزّوج والزّوجة لفترات طويلة خارج المنزل، ثمّ نسبة 5،2٪، و2،6٪ بسبب صعوبة التّفاهم مع الطرف الآخر، وفتور العاطفة على التوالي(30).
وبيّنت دراسات إدارة التوثيق الشّرعيّ في وزارة العدل الكويتيّة أن 33 % من حالات الطّلاق بين الأزواج تعود لأسباب متعلّقة بشبكات التّواصل الاجتماعيّ الحديثة، وإدمان استعمال الهواتف الذّكية. كما ساهمت مواقع التّواصل الاجتماعيّ في ضعف العلاقات الأسريّة، وظهور مشاكل اجتماعيّة أكثر من السّابق في الكويت. وأظهرت نتائج دراسة عن أثر استعمال تقنيّات الاتصال الحديثة على الأسرة الكويتيّة تأكيد 62.5% من أفراد العينة تأثير التقنيّات في زيادة السّلوكيّات غير الأخلاقيّة على المجتمع، وعزلة أفراد الأسرة عن بعضهم البعض، وانعدام الإشباع العاطفي، وإتاحة فرصة الإطلاع على الثّقافة الغربيّة وتقليدها(31). في مصر، ذكرت دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعيّة والجنائيّة في القاهرة أنّ 20% من حالات الطّلاق تعود إلى الفيسبوك، سواء كان للغيرة، أو اكتشاف الشّريك علاقة إلكترونيّة مع طرف آخر. كما أظهرت دراسة صادرة عن جهاز التعبئة والإحصاء أنّ أكثر من 75 ألف حالة طلاق وقعت في العام 2012، بينها حوالي 40 ألف حالة منها حصلت بسبب هوس الزّوج بالإنترنت، وانشغاله عن أسرته وانغماسه في مواقع التّواصل الاجتماعيّ، أو مواقع أخرى غير أخلاقيّة.
وبحسب آخر الإحصائيّات الإماراتيّة، فإن مواقع التّواصل الاجتماعيّ أصبحت من أسباب الطّلاق لانشغال الزّوجين بها طوال اليوم، وإهمال كلّ منهما الآخر. وساعدت في ذلك الهواتف الذكية، إلى جانب أسباب أخرى حيث أن إنشاء العلاقات وتطورها مع أشخاص غير الشركاء باستعمال وسائل الاتصال المتاحة، مثل شبكات الدردشة والواتس آب والفيسبوك سجّل أعلى نسبة من مجموع الأسباب الّتي أدّت إلى المشاكل والنّزاعات بين الأزواج خلال العام 2015 (32).
في العراق، أعلنت السّلطة القضائيّة الاتحادية عن ارتفاع حالات الطّلاق بنسبة 70% في السنوات العشر الأخيرة. وكشفت دراسة مجتمعيّة سبباً جديداً هو المسلسلات التركيّة الّتي تُظهر الصّورة الورديّة للأزواج، ما يؤدي إلى سخط الأزواج في العراق على حالهم. وكانت مؤسّسة العراق لمنظّمات المجتمع المدنيّ كشفت في دراسة لها أنّ موقع Facebook والإنترنت والهواتف المحمولة من أسباب الطلاق، خاصة أن تواصل الأزواج مع آخرين عبر الإنترنت يثير الغيرة والشكوك التي تؤدي إلى المشاكل الأسريّة في نهاية المطاف(33).
والأمر نفسه ينطبق على المسلسلات الهنديّة الرّومانسية الّتي تصوّر الزّواج بصورة مثاليّة مفرطة من الكمال، بالإضافة إلى جمال البطل أو البطلة، ما يجعل الأزواج ينظرون إلى بعضهم نظرة مأساوية، أو يسعون لا إرادياً للاحتذاء برومانسيّة المسلسلات الخياليّة. فتقع المشاكل بين الزّوجين، ويؤدّي في بعض الأحيان إلى الطّلاق. والأدهى أنّ العلاقات غير الشرعيّة الّتي يشاهدها الأزواج في أحداث المسلسل يمكن أن تشكّل مثلًا يقتدون به في حياتهما العادية(34).
وأظهرت دراسة جامعيّة لبنانيّة حول تقليد الشباب للمسلسلات التّركيّة أنّ 76 في المئة من المبحوثين يقلدون المسلسلات التّركيّة من حيث الجانب العاطفيّ، 29 في المئة يقلّدونها من حيث الألفاظ والكلمات، 33 في المئة يقلّدونها من حيث الحركات والإشارات، وأنّ 72 في المئة لا يمانعون تقليدها من حيث الملبس والمشرب(35).
ويشير بعض الدراسات إلى أّنّ الدراما التّلفزيونيّة الفضائيّة تعزّز الصّراع بين الزّوجين، وتنمّي الشّعور بالفرديّة، حيث تبثّ الفضائيّات الأنماط الغربيّة المستوردة وأغلبها أفكار تتّسم بالتفاهة والسّطحيّة، وهو ما يؤدي إلى حدوث نوع من اغتراب الشخصيّة العربيّة وتسطيح عقل المشاهد(36).

3- القنوات الفضائيّة والمواقع الإباحيّة
يكشف الدراسات خطورة عن إنفاق 57 مليار دولار سنوياً في ترويج المواد الإباحيّة عبر وسائل الإعلام. حيث أشارت دراسة مصريّة إلى أنّ عدد الفضائيّات الإباحية عبر العالم يتجاوز الـ"خمسة" آلف فضائية، منها 3212 غير مشفرّة، وبينها 520 تبثّ باللّغة العربيّة، ويشكّل المراهقون الّذين تتاروح أعمارهم ما بين 14 و 20 عامًا 38% من نسبة المراهقين في دول مجلس التّعاون الخليجيّ الّذين يشاهدون القنوات الإباحيّة، وأصبح كثير من المراهقين من عمر 16 سنة مدمنين للجنس الإلكتروني. 
وتكشف الأرقام أنّ عدد المواقع الإباحيّة المنتشرة على الشّبكة العنكبوتيّة يصل إلى 4.2 ملايين موقع. فيما يقدر إجماليّ عدد الصّفحات الإباحيّة 420 مليون صفحة، وعدد مرات البحث عن تلك المواقع بمحركات البحث 68 مليون طلب يوميًا. أما عدد الرسائل الإلكترونيّة الإباحيّة فهي2.5 مليار رسالة يوميًا، ونسبة زوّار المواقع الإباحيّة من مستخدمي الإنترنت 42.7% من إجماليّ زوار الشبكة وعدد الزّوار الشهري لتلك المواقع أكثر 72 مليون زائر. بينما تبلغ نسبة المواد الإباحيّة المحمّلة عبر الإنترنت 35% من إجماليّ المواد المحمّلة(37).
ومن إجمالي 24 دولة الّتي تأتي في الصّدارة، توجد 14 دولة عربيّة، أي ما نسبته 60% من القائمة، وهذه الدول على الترتيب هي: الإمارات العربيّة المتّحدة (3)، مصر (4)، البحرين (5)، الكويت (7)، قطر (10)، السعودية (11)، السودان (12)، فلسطين (15)، الأردن (17)، سوريا (19)، المغرب (20)، عمّان (21)، اليمن (22)، الجزائر (23)(38).

المبحث الثالث خاتمة ومقترحات لإشراك الإعلام في وظيفة تحصين الأسرة وسعادتها.
1- خاتمة
باختصار، ووفقًا لما مرّ، تبرز أهميّة الحفاظ أو في الحدّ الأدنى إعادة التّوازن إلى العلاقاتِ الأسريّة أولويّة من الأولويّات لاسيّما مع ما تقدّم من تأثير سلبيّ لوسائل الاتصال والإعلام عليها، خاصة أن العلاقات الاجتماعيّة من أهمِّ مصادر السّعادة والصّحة. إذ تشير الدِّراسات إلى أنّ افتقار الأفراد لشبكةِ العلاقات يؤدي إلى شعورهم بالقلقِ والاكتئاب وفقدانِ الدّعم الاجتماعيّ الّذي يمكن تعريفه بإحساس الفرد بأنّ هناك من يهتمّ به ويُقدره، وباندماجه الشديدِ مع الآخرين(39). وهذا يعني أنّ التّواصل الاجتماعي يقوم بوظائفِ الاندماج وخلقِ التّضامن بين الأفراد ومن زاوية التّنشئة فإنّه يقومُ بدورِ تشكيل الهويّاتِ الفرديّة(40). لذا فإنَّ اضطراب التفاعل الاجتماعي بين الفردِ والآخرين يؤدّي إلى العلاقات السّالبة الّتي تثيرُ الانقلابات والثورات وانتشار التيارات المخرّبة في المجتمع، وتُعزى الصراعاتُ الناشئة بين أفراد المجتمع إلى تشوّهٍ في التواصل، سوءِ التفاهم والفهم(41). وهذا كله من شأنه ضرب التّماسك المجتمعيّ المرتبط بزيادة العلاقاتِ الموجبة التي تدور في محيط الجماعة الداخلي، فكلّ ما ازدادت هذه العلاقات ازداد تماسك الجماعة، وكلّ ما تشتّتت هذه العلاقات واتّجهت نحو الجماعة الخارجيّة ضعف التماسك الداخليّ(42).
وتصبح مسألة طرح عنوان: "إعلامنا وضرورات للتّحصين والسّعادة الأسريّة" ضرورة من ضروريات إعادة النّظر في دور وسائل الإعلام والاتصال، وكيفيّة التعاطي معه، وتحديد مجموعة من سبل تحصين الأسرة وسعادة أفرادها.
2- مقترحات من شأنها أن تعظم دور الإعلام في للتّحصين والسّعادة الأسريّة وهي:
في ظلّ العصر الرقميّ علينا بالتّخطيط الإعلاميّ الاستراتيجيّ لتحديد مكامن الضّعف والقوّة والتّهديدات والفرص المتاحة لدعم الأسرة الّتي تواجه اليوم أكثر من أي وقت مضى تهديداً كبيراً في ظلّ عوامل عدّة:
- العولمة بمختلف مستوياتها الثقافيّة والفكريّة والسّياسيّة والاقتصادية.
- العولمة الإعلاميّة الّتي وظّفت ثورة الاتصال والمعلومات فبات الإعلام كالأخطبوط المتنامي الأذرع.
- مواجهة هذا الإنفلات والتفلّت من القيم التربويّة والثّقافيّة والاجتماعيّة تحت وطأة ما يتعرض له الأفراد صغيراً شاباً وكهلًا على حدّ سواء من برامج ومعلومات ومعرفة تتعارض مع قيمنا الدّينيّة والاجتماعية .إضافة إلى الثقافات الجديدة عن الدّين والحبّ والتّربية والأكل والشّرب. هذا كله يؤثر في متابعة الأسرة لأبنائها عند استعمال وسائل الإعلام، وعدم قدرتها على توجيه وهندسة المعارف والاتجاهات والقيم بين أفرادها. إذ أنّ الإعلام ليس المتهم الوحيد في ما تشهده المجتمعات من تراجع في دور الأسرة.

في ضوء ما تقدّم نقترح الآتي:
أولاً- وضع إستراتيجيّة إعلاميّة تلتزم بها كلّ المؤسّسات المهتمّة، على أن تلحظ التالي:
1- إيجاد آليّة تنسيق مشترك بين مختلف المؤسّسات الإعلاميّة.
2- إنتاج برامجي ودرامي ومسرحيّ:
- يرسّخ قيم المودّة والسكينة والمحبة داخل الأسرة.
- يسلّط الضّوء على مبدأ التّواصل والحوار بين الأبناء والآباء.
- يركز على دور الأم في الرّعاية والتّنشئة.
- يعزّز الوازع الدّينيّ والأخلاقي، وتعيد تكريس المفاهيم الإسلاميّة.
- يركز على العادات والتّقاليد الإيجابيّة.
- يعالج المشاكل الأسريّة القائمة.
- توجّه الأطفال والشباب نحو الاهتمام بوقت الفراغ ومواهبهم.
- يصحّح المفاهيم والسّلوكيّات داخل الأسرة.
3- توظيف الصّحافة المكتوبة: من خلال إعداد الأبحاث والدّراسات والمقالات والرّسوم والّلوحات والقصص القصيرة الّتي تُعنى بقضايا الأسرة وتعالج مشاكلها ونشرها.
4- الاهتمام بالتّربية الإعلاميّة، لأنّها تفيد في تطوير قدرة الأفراد على تحليل ونقد المّادة الإعلاميّة، سواء تلك الّتي يقدّمها المحلي، الإعلام العربيّ أو الأجنبيّ الوافد، وبذلك يكون قادراً على الحكم على الغثّ والسمين منها.
5- ضرورة إشراك مؤسّسات المجتمع المدني والمؤسّسات الدّينيّة والتّربويّة في عمليّة تنفيذ الإستراتيجيّة الإعلاميّة حول قضايا الأسرة، وكيفيّة معالجتها من خلال الإعلام.




______________________
1- محمد شفيق، الإنسان والمجتمع، الإسكندريّة: المكتب الجامعي الحديث، 1997 ص27.
2- خيري خليل الجميلي وآخرون، المدخل للممارسة المهنيّة في مجال الأسرة والطفولة، مصر: المكتب الجامعي للكمبيوتر والنّشر والتّوزيع، 1997، ص 5.
3- وجدي محمّد بركات، محمد منصور حسن، نحو استراتيجيّة عربيّة لمواجهة تأثير الإعلام المعاصر على الأسرة والشباب، مؤتمر الأسرة والشباب في دول مجلس التعاون الخليجي، المجلس الأعلى للأسرة، جامعة الشارقة، 22- 24/1/2008.
4- عبدالله الفردي، الوعي السّياسي في الإعلام، الرّياض: دار طويق للنّشر والتّوزيع، 2010، ص 136.
5- إبراهيم أنيس. وآخرون، المعجم الوسيط، مجمع اللّغة العربية. الطّبعة الثّانية، الجزء الأول، ص 17.
6- سورة الإنسان: الآية 29.
7- السيد أحمد فرج، الأسرة في ضوء الكتاب والسّنة، الطبعة الأولى، مصر المنصورة: دار الوفاء للطباعة والنشر، 1987، ص: 6.
8- صلاح بن ردود الحارثي، دور التربية الإسلاميّة في مواجهة التحديات الثقافيّة للعولمة، جدة: مكتبة السوادي، 1424، ص 250.
9- مصطفى الخشّاب، علم الاجتماع العائليّ، دار النهضة العربيّة، بيروت ص 43.
10- سورة الروم: الآية 21.
11- سورة البقرة: الآية 187.
12- سورة البقرة: الآية 223.
13- سورة النساء: الآية 11.
14- مركز نون للتأليف والترجمة، التربية الأسرية: دروس في ثقافة التربية الزوجيّة والأسرية، بيروت: جمعيّة المعارف الإسلاميّة الثقافيّة، الطبعة الأولى، 2013، ص 5.
15- عباس الذهبي، الأسرة في المجتمع الإسلامي، مركز الرسالة، ص 54 ص 56.
16- شيرين الضاني، دور وسائل الاتصال الجماهيري في تنمية الوعي الاجتماعي: دراسة في أنثروبولوجيا الاتصال، الحوار المتمدن، العدد: 4444، 5\5\2014، على الرابط: 413578http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=، الدخول: 5/8/2015.
17- وعد إبراهيم الأمير، دور التلفزيون في قيم الأسرة، الطبعة الأولى، عمان: دار غيداء للنشر والتوزيع، 2013، ص 77. 
18- أنطوني جيدنز، علم الاجتماع، ترجمة: فايز الصياغ، الطبعة الرابعة، المنظمة العربيّة للتّرجمة، مركز دراسات الوحدة العربيّة، ص. 503.
19- Peter Bajan,New Communities, New Social Norms, Stadia-Psychological Journal, Vol: 40, no:4, 1998, pp 361– 366, p:361.
20- فهد بن عبد الرحمن الشميمري، التّربية الإعلاميّة: كيف نتعامل مع الإعلام؟، الطبعة الأولى، الرياض، 2010، ص. 38.
21- عصام سليمان الموسى، التحديات الّتي تواجه الإعلام الرّقميّ في الوطن العربيّ، مجلّة الإعلام والعلوم الاجتماعية للأبحاث التّخصصيّة، المجلد الأول، العدد الأول، نيسان 2016، ص 3.
22- علي السيد الشخيبي، المشاركة المجتمعيّة في التعليم- الطموح والتحديات، كتاب: "المؤتمر العلمي السنويّ لكليّة التّربية بجامعة المنصورة، 2004، مركز الدراسات المعرفيّة في القاهرة: آفاق الإصلاح التربوي في مصر، 2- 4 أكتوبر 2004، ص 82.
23- سميشي وداد، وسائل الإعلام الجديد: أي تأثير؟.. إلى أي مدى؟ مقاربة تحليليّة متعددة الأبعاد، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية الجزائرية، العدد: 21، ديسمبر 2015، ص 203.
24- مصطفى أحمد تركي: وسائل الإعلام وأثرها في شخصية الفرد، مجلة عالم الفكر، المجلد: 14، العدد: 4، 1 يناير 1984، ص 99.
25- سميشي وداد، وسائل الإعلام الجديد: أي تأثير؟..إلى أي مدى؟ مقاربة تحليلية متعددة الأبعاد، م.س.
26- رابح رياب، التنشئة الاجتماعية المعاصرة نحو إعادة صياغة للمفهوم، الجزائر: مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد: 24، جوان 2016، على الرابط: https://revues.univ-ouargla.dz/index.php/numero-24-ssh/3039-1، الدّخول 4/11/2016.
27- عبد الرزّاق محمد الدليمي، عولمة التلفزيون، الطبعة الأولى، عمان- الأردن: دار جرير للطبع والتوزيع، 2005، ص 8.
28- مي العبدالله، التلفزيون وقضايا الاتصال في عالم متغيّر، الطبعة الأولى، لبنان  بيروت: دار النّهضة العربيّة، 2006، ص 254- 255.
29- دلال العكيلي، فيسبوك: وجه الطلاق الجديد، إليكم حالات الطّلاق حول العالم بسبب الفيسبوك، شبكة النبأ معلوماتية، 12\1\2017، على الرابط: 9427https://annabaa.org/arabic/informatics/، الدخول: 6\3\2018.
30- سحر الرملاوي، في دراسة هي الأولى من نوعها: الإنترنت سبب رئيس في ارتفاع نسبة الطلاق بين الشباب في المملكة!، جريدة الرياض السعودية، العدد: 13783، 20\3\2006.
31- خالد الحطّاب، شبكات التواصل من أهم أسباب الطلاق بالكويت، الجزيرة نت، 19\12\2015، على الرابط: http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews، الدخول: 9\3\2018.
32- هناء الحمادي، فيسبوك وتويتر سبب رئيس للطّلاق: الخيانة الإلكترونية تدمر الأسر، جريدة الإتحاد الإماراتيّة، 8\4\2016.
33- محمود عبدالله، ارتفاع أعداد حالات الطلاق في الوطن العربي.. أسباب وأرقام، موقع رصيف 22، 17\4\2016، على الرابط: https://raseef22.com/life، الدخول: 6\3\2018.
34- المسلسلات التركية... سارقة الزوجات، مجلة حياتُكِ، 30\11\2012، على الرابط: http://hayatouki.com/social-phenomena/content، الدخول: 7\3\2018.
35- القوة الناعمة التركية تصيب المجتمعات العربيّة بزلازل الهويّة، تلقين الأمجاد العثمانيّة.. روايات بين الحقيقة والسّراب تمرّ عبر فصل المشاهد العربي عن مجتمعه وتاريخه، صحيفة العرب، العدد: 10882، 27\1\2018.
36- خورشيد حرفوش، غياب التواصل والحوار والاغتراب الأسري في مقدمة الاتهامات: الدراما التلفزيونية تلقي بإسقاطاتها على الأسرة والمجتمع سلبًا وإيجابا"، 13\9\2010، على الرابط: www.alittihad.ae/details.php?id=58199&y=2010&article=full.
37- محمد الدريج، التحصين النفسي لحماية الأطفال والشباب من تعاطي المخدرات ومن السلوك العدواني والمنحرف: مشروع إنشاء برنامج متكامل، ورقة مقدمة إلى الندوة العلمية: "حماية الشباب من المخدرات"، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، وجامعة الجزائر: كلية العلوم الإسلامية، الجزائر، 21- 23\7\2010.
38- مايكل أرجايل، سيكولوجية السعادة، ص 371.
39- فتحي مجدي، مبادرة متفرّدة لمواجهة إباحيّة الإنترنت والفضائيات، موقع مفكرة الإسلام، على الرابط: 8\11\2010، islammemo.cc/print.aspx?id=110290.
40- محمد نور الدين أفاية.. الحداثة والتّواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، ص: 189- 190.
41- محمد الأشهب.. "يورغن هابرماس وراهن الفلسفة في الفضاء العمومي"، ص: 12.
42- أحمد زكي بدوي.. معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية، ص: 68.

02-06-2018 | 11-25 د | 56 قراءة
الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
لوحة المفاتيح العربية
رمز التأكيد

http://www.momahidat.org/pagedetails.php?pid=8
http://www.momahidat.org/pagedetails.php?pid=32
 
 
 



 
موقع ممهدات*** متخصص في دراسات المرأة والأسرة والطفل آخر تحديث: 2018-06-21

انت الزائر رقم: 4648920