تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
جمعيّة الرابطة اللبنانيّة الثقافيّة تقيم محاضرة قيمة بمناسبة ولادة السيدة الزهراء عليها السلام في 4 آذار 2019 توقيع كتاب "فراشة اللّيل" في 14 كانون الأول 2018 بالفيديو: تكريم الحاجة عفاف الحكيم في المؤتمر الثاني والثلاثین للوحدة الإسلامیة في 26 تشرين الثاني 2018مبالفيديو: كلمة الحاجة عفاف الحكيم في ذكرى ولادة السيدة الزهراء في مجمع سيد الشهداء(ع) 2017مبالفيديو: مركز التكافل الخيريتكريم الحاجة عفاف الحكيم في المؤتمر الثاني والثلاثین للوحدة الإسلامیة تكريم الحاجة عفاف الحكيم في الجلسة السادسة للجمعيّة العمومية للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام 2015 الشهيد سيد أحمد قاسميان: نحن يا فاطمة عليها السلام عقدنا أملنا في العالمين عليك ونحن من المحبين لك انظري إلى ح إقامة ورشة تحت عنوان "أسرة متماسكة" مع الأستاذة فاطمة نصرالله في جمعية الأمومة والطفولة إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسن(ع) نهار الاثنين في 15 تشرين الأوّل 2018م في مبنى الجمعيات
بأقلامكم خدمة RSS صفحة البحث تواصل معنا الصفحة الرئيسة




 

 
فلاشات إخبارية
مقاومات
الأسيرة زينب طالب الحاج
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

زينب طالب الحاج من بلدة عرمتى أمضت في سجون العدو أوقات طويلة... هذه قصتها ترويها:
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على محمد وال محمد

"أحسست أنهم وضعوا سلكا كهربائيا في أصابعي.. شعرت وكأنني وقعت من مكان عال إلى الأرض.. ضربوني بالكرباج حتى كاد جلدي ينسلخ. أغمي علي ولم أع إلا وأنا في الزنزانة ومعي ممرض فوق رأسي يعطيني حبة لتهدئة الأعصاب، قلت له: "تقتلون القتيل وتمشون في جنازته!".
من أنـــــــــا
ترعرعت وأخوتي وأهلي في قرية عرمتى، حيث كنا نعيش في فرح وسعادة، إلى أن دخلها العدو عام 1982 واغتصب أرضنا وشرد أخوتي وبقيت أنا وأمي وأبي في القرية. كان لدينا محل لبيع الألبسة وبدأت المضايقات علينا. بدأ العملاء يترددون على المحل ويمعنون في مضايقتي فيأخذون الملابس دون ثمن.

وكان أن قامت المقاومة الإسلامية بعملية، وعلى أثر ذلك داهم العدو البلدة حيث بدأ بإطلاق الرصاص بشكل عشوائي وبالتفتيش وبعثرة محتويات المحل، وهددني الملازم زينون هو وعملاؤه الذين أتوا من العيشية قائلين: "إذا أطلقت رصاصة من عرمتى سيدمرون البلدة". وبسبب تجارتي كانت لي معارف عدة في قضائي جزين ومرجعيون، ومن خلال هذه المعرفة تعرفت على المقدم سامي وهو ضابط "إسرائيلي" ودعوته هو والعميلين نبيل نصر واسعد نصر لأخبره بما يقوم به أتباعه وجيشه من معاملات سيئة وتنكيد عيش أهل البلدة ودفع من تبقى فيها إلى الهجرة، خاصة أنه في هذه الفترة كان يوجد الكثير من المهجرين من شرق صيدا. كنا خائفين أن تكون هذه الأعمال التعسفية من أجل إجبار أهل البلدة على ترك بلدتهم، عندها قلت لهم:
- إذا كنتم تريدون أن تنكدوا عيشنا فنحن نترك لكم هذه البلدة بكرامتنا.  فقال: عليكم أن تبقوا في بيوتكم.
- نحن نضايق الذين يتعاملون مع المقاومة ويخونوننا. أنت ليس لك تصريح بالخروج وممنوعة من التجول في أي مكان.
- أنا جريئة واحب أن آخذ حقي بيدي، ولذلك دعوتك.فقلت
- آنت تعرفين ماذا نريد. عندها قال:
تركوني في حيرة من أمري، ماذا أفعل وأهلي كبار في السن، هل أهرب، ماذا أفعل بهم، لا أعرف، وهم يحاولون الإيقاع بي حتى أتعامل معهم. بقيت في هذه الدوامة ما يقارب العام عندما حصلت عملية وقتل سبعة عملاء، عندها كانوا إذا مروا أمام بيتنا يطلقون الرصاص في الليل والنهار ويقومون بتصرفات تهدف إلى إخافة أهلي، مثل الطرق على الباب، تفتيش البيت والمحل بشكل يومي، سرقة ما فيه الكفاية منه، إلى أن اعتقلوني أنا وزوجة أخي التي أتت لزيارتنا من بيروت، وبقيت أنا وهي في معتقل الخيام يومين، ثم نقلونا إلى مرجعيون وحققوا معي واتهموني بأنني أخبئ رجال المقاومة. وبعد بضع ساعات على ذلك أفرجوا عنا.
بقيت محاصرة وممنوعة من الخروج مدة عامين إلى أن جاء ملازم "إسرائيلي" مع أعوانه وقال لي:
- أتريدين الذهاب إلى بيروت؟
- نعم.
- شرط أن تتعاملي معنا وتأتي لنا بالأخبار عن حزب الله، وهذه أربعة آلاف دولار مقدما على المعلومات التي ستجمعينها لنا.
 فرفضت بكل حزم وبكلام أغضبه- ادفع لك "دوبل" إن جئتني بمعلومات عن بلدك.
عندها انتفض غاضبا وقال: "ستندمين على هذا الكلام".
في هذا الوقت خفت على أهلي وماذا سيحل بهم إذا اعتقلوني أو قتلوني. ولم يمض وقت طويل حتى جاءني أسعد نصر واشترى مني ملابس له ولأولاده وأخذ "يبيض وجهه" أمام أبي وأمي، وطبعا لم أقبض شيئا ثمنا للثياب إلا تصريحا بالنزول إلى بيروت وقال لي:
- لا تسودي لي وجهي أمام الصهاينة، يخربون بيتي ويقبضون على أهلك.
- في الأصل إن سبب نزولي إلى بيروت هو اطمئناني على أخوتي وشراء البضاعة.
أعطيته عهدا برجوعي.
وبالفعل جئت إلى بيروت في نيسان وأخذت بضاعتي وبقيت أسبوعا، وإذا بأبي يرسل بطلبي للعودة إلى البلدة، وكان عندي الله في السماء وأبي وأمي على الأرض. بعد وصولي إلى الضيعة جاء العملاء اللحديون هنأوني بالسلامة وأخذوا مني بعض الثياب، وفي اليوم التالي جاء مرافق أسعد نصر يقول لي إنه بانتظاري فذهبت إلى البيت ووجدت أسعد نصر مع ثلاثة من اليهود. سألته:
- ماذا تريد؟
- نحن خدمناك وأعطيناك تصريحا، بماذا تخدميننا، فأنت امرأة ذكية وواعية ويجب أن تتعاملي معنا.
- أنتم تعرفون رأيي، لا أحب أن أتعامل معكم ولا مع غيركم. إن هذا البلدة بلدي وبلدكم وإن أهلكم أهلي ويجب، علي وعليكم، أن لا نؤذي أحدا لمصلحة الغير.
وهكذا لفظت هذه الكلمات وأنا أكاد أموت خوفا، ولكن كنت في الظاهر كذئبة شامخة لا أبالي بأحد. مضيت أنظر إلى أبي وأمي وأدعو الله أن يفرج عنا هو السميع العليم.
بقيت في حال ترقب وخوف حتى شهر تموز، حينها كان أبي في بيروت يعالج في المستشفى وأمي في الحقل، فجاء مرافق المسؤول وقال لي:
- المسؤول بانتظارك في العيشية.
فذهبت معه ووضعت المفتاح عند الجيران، وعند وصولنا إلى العيشية قال إنه في مرجعيون وقبل أن نصل وضع علي عيني عصبة وكيسا، فقلت له:
- ألم نصل بعد إلى مرجعيون؟
- أنا ليس لي دخل يا زينب، طلب مني أخذك إلى معتقل الخيام.
وصلت إلى المعتقل، وهناك بدأت حياتي الجديدة المليئة بالمأساة والمعاناة التي لا يمكن التعبير عنها بالكتابة والكلمات. بقيت في معتقل الخيام ثمانية أشهر ونصف الشهر. بعد هذا العذاب كله عدت إلى الضيعة وأخذوني إلى بيت صديقتي، فتعجبت وقلت: "أين أبي وأمي" ؟ كان عندي إحساس غريب بأنني سأجد أبي قد مات بسبب حزنه علي لأنني كنت أرى دائما في منامي أن أبي مات وأمي تلبس الأسود، عندها قلت : "صدقت الرؤيا".
ذهبت إلى قبر أبي ولحق بي أهل الضيعة. بعدها توجهت إلى البيت فوجدته مهجورا من الأحبة، وأخذ أهل الضيعة يواسونني ويحضرون لي الطعام واللباس. بعد أربعة أيام من الإفراج عني جاء شخص يطلب مني التعامل معه مقابل فتح المحل فطلبت منه تصريحا حتى أزور الأهل والأقارب في بيروت ولكي أدخل المستشفى لأن وركي يؤلمني كثيرا، لكنهم لم يعطوني تصريحا ولم يسمحوا لي بالعلاج، وفي اليوم الخامس أرجعوني إلى الخيام.
عندما وصلت إلى داخل المعتقل أقبلت ثلاث شرطيات وهن يحملن كيسا وكلبشة وعصبة وعمدن إلى سحبي خلفهن إلى الحمام وطلبن مني أن أخلع ملابسي كلها من أجل التفتيش. بعدها ألقينني في زنزانة مظلمة عرضها مئة سنتمتر وطولها مئة وخمسون سنتمترا. جلست أدعو الله أن يلطف بي، وبقيت حوالي نصف ساعة على هذا الوضع، وإذا بالشرطية تصرخ في وجهي: "قومي ومدي يديك". وضعت الكلبشة وأتت بكيس أسود، وضعته على رأسي وشدت العصبة على عيني. جرتني خلفها، وأدخلتني أبوابا وأخرجتني من أخرى حتى وصلت إلى حائط وأمرتني إلا أتحرك حتى تعود إلي. وقفت لا أدري ماذا يدور حولي، أسمع الصراخ وأنين المعتقلين الذين كان الجلاد يصب كل قذارته وحقده عليهم. أخذت أبكي على هؤلاء وأنا أعلم أنني بعد دقائق سأصبح مثلهم. جاءت الشرطية وأدخلتني إلى الغرفة وأقفلت الباب علي، وكأنني في قبر مظلم أنتظر حسابي وأنتظر العذاب، وإذا بصوت خشن مرفق بضربة كرباج على الطاولة يقول لي:
- لماذا أنت عندنا؟ ما اسمك؟ من أين أنت؟
- اسمي زينب، وأنا من عرمتى، أما لماذا أنا عندكم فاسأل نفسك، أنا لا أدري.
- حسي شوي، ماذا فعلت وإلى أي حزب تنتمين؟
- أنا لا أنتمي إلى أحد، مواطنة بريئة من التهمة.
ضربني على وجهي فشعرت كأن عيني طارت ودعوت ربي أن يصبرني على هذا البلاء وأخذ المحقق يضربني بالكرباج وأنا أقفز وكأنني أرقص على الأرض وقال:
- ماذا تتمتمين، هل تدعين علي؟
- أدعو الله أن يتقبل أعمالي ويصبرني عليك، وآخر ما أفكر به هو أنت. اعتبر دعائي عليك ضعفا لأنني أنا القوية.
هدأ قليلا ثم قال لي:
- عليك تهم كثيرة يا معترة، غرقانة لعند رأسك، وأنا أحسن من غيري، احكي كل ما لديك، وفري عليك كثيرا من العذاب.
رفضت الكلام، وبعدها أخذ يسأل عن اسمي وأسماء أخوتي وأقاربي.. ثم نادى الشرطية وأعادتني إلى الزنزانة. جلست على الأرض ولم أستطع الجلوس من كثرة الألم. أخذت أفكر، ماذا افعل ؟ مرة أخرى جاءت الشرطية وأخذتني إلى المحقق، فإذا بي أمام صوت ناعم فيه نبرة حسن خبيثة، قال:
- أنا أعرفك من قبل يا زينب عندما أتيت إلينا منذ سنتين، وهذه المرة أنت متهمة اتهامات كثيرة وأرجو منك أن تحددي لي لماذا أنت هنا، وإن شاء الله أخلصك من هذا العذاب.
لم أصدقه وحلفت له أني لا أدري ما هو ذنبي. اسأل وأنا أجيبك،.
بدأ بالأسئلة وبدأت أجيب بالنفي، خرج من الغرفة، وبعد قليل أحسست أنهم وضعوا سلكا كهربائيا في أصابعي، لم أبال في بادئ الأمر ولكنني بعد لحظات شعرت وكأنني وقعت من مكان عال إلى الأرض. لا أقدر أن أصف هذا العذاب، وضعوا في فمي قطعة حتى لا أصرخ من الألم. بماذا أصف الرمي بالماء البارد والساخن مع الكهرباء وضرب الكرباج والعذاب النفسي والجسدي حتى كاد جلدي ينسلخ. أغمي علي ولم أع إلا وأنا في الزنزانة ومعي ممرض فوق رأسي يعطيني حبة لتهدئة الأعصاب. قلت له: "تقتلون القتيل وتمشون في جنازته!" هز رأسه، خرج واقفل الباب. لا ادري كم الساعة، حاولت آن أقف على رجلي فلم أستطع وكذلك الجلوس أو المشي، وبقيت أتألم طوال الليل حتى أطل الصباح. أخذت أنظر إلى جسدي كله وأبكي على هذا المشهد، إذ كان لون جسدي أزرق مائلا إلى اللون النيلي كأنهم سلخوا جلدي الأصلي. فتحت الشرطية الباب وصرخت بي:
- قومي إلى الحمام.
- لا أستطيع أن أمشي.
صرخت بي مرة ثانية، فأخذت أتكئ على الحائط حتى وصلت إلى الحمام. غسلت وجهي وعدت إلى الغرفة حيث أعطتني سطلا هو عبارة عن نصف غالون سعة خمسة ليتر من أجل قضاء كل الحاجات اليومية في الزنزانة مع علبة حلاوة فيها مياه للشرب، كما أعطتني الفطور ومن ثم أقفلت الباب.
وتوالى التحقيق من الصباح حتى الظهر ومن بعد الظهر إلى المغرب وبعد المغرب بقليل إلى آخر الليل في سلسلة من العذاب المستمر. بعد هذا العذاب الذي تلقيته نقلوني من الزنزانة بعد خمسة أيام إلى مكان "أضرب وأفك رقبة" : إلى عميلة الزنزانة حيث العذاب النفسي، إذا لم تفش لها أسرارك تخاصمك وكأنك في الإفرادي. بقيت معها مدة خمسة عشر يوما نقلوني بعدها إلى غرفة ثانية مع عميلة زنزانة مهذبة تسايرني وتسقيني قهوة ودخان "وأنا يا غافل إلك الله " خدعتني وأوهمتني بأنه سيتم الإفراج عنها في الغد وقالت لي: "إذا كنت تحبين أن تبعثي رسالة إلى أمك في الضيعة فسأوصلها: "كتبت الرسالة ببراءة ونبهت أمي من شيء لم أعترف به في التحقيق، وسلمتها الرسالة، لكن في هذه اللحظات تنبهت لما عملت فطلبت منها الورقة وبعد جهد أخذتها ومزقتها..
طبعا لم يكن يسمح لنا بقلم أو ورقة داخل الغرفة، باستثناء العميلات أو البنات اللواتي يأتين حتى يكتبن اعترافاتهن. في الصباح خرجت العميلة من الغرفة بحجة تنظيف المكاتب وذهبت إلى المسؤول وأخبرته بأمر الرسالة. بعد لحظات أرسل بطلبي إلى التحقيق. لا يمكن أن أصف العذاب الذي مررت به، وكأنه لم يمر على أحد من الناس قبل. نقلوني من جديد إلى الزنزانة. بقيت فيها عشرين يوما وكأني ميتة، أتعرض لأسوأ أساليب التعذيب حتى أنه لم يبق أسلوب من التعذيب إلا ومارسوه ضدي.
وفي اليوم العشرين حصلت معي واقعة مضحكة ومبكية في آن، إذ أخذوني إلى محقق جديد يدعي أنه ذكي وباستطاعته أن يأخذ مني المعلومات، وهو معروف عند اليهود بأنه يستطيع أخذ الاعترافات من معظم المعتقلين، إلا أن هذا الكلام غير دقيق.
كانت الساعة حوالي السابعة مساء عندما اخذ يقول لي: "أنا لا أحب أن أسمع منك إلا الجديد، أين السلاح، أين الشيفرة، أين كذا وكذا.. تذهبين الآن إلى الغرفة وبعد ساعة تأتين وتحكين كل شيء". نادى الشرطية وقال لي: "أحسن لك أن تعودي إلى رفاقك لأنك امرأة يا زينب لا تليق بك الزنزانة والأكل والنوم إلى جانب الأوساخ". وبعد ساعة أرسل بطلبي وجلست على كرسي خلافا للعادة التي تقضي بان يسألني المحقق أو الجلاد، "هل من جديد" وأنا واقفة، وإذا قلت لا، كان هناك التركيع والركل على كل الجسم والضرب والشتائم والتهديد بالاغتصاب بتعابير مرعبة كأن يقول لي المحقق : "سندخلك الى غرفة يوجد فيها رجال لم يروا نساء منذ عشرين عاما"، طبعا مصحوبة بكلام وضيع وحقير مثله، فضلا عن الوقوف ساعات طويلة تحت حرارة الشمس بالإضافة إلى رفع اليدين والتركيع على البحص وسكب الماء البارد والساخن أو التركيع في الحمام أو الضرب بالكرباج أو وضع الكهرباء بأصابع اليد والرجلين والصدر أو الوقوف في الليل ساعات طويلة على الحائط ومن ثم العودة إلى الجلد بالكرباج ومن ثم النوم بالثياب المبللة بالماء، والكلبشة حيث يضعون يديك إلى الخلف وأحيانا كلبشة في القدمين. وهناك وسائل أخرى للتعذيب لا يمكن التعبير عنها.
فكانت المفاجأة أن جلست بعد هذه الفترة على كرسي! أخذت ألفق له أخبارا كاذبة حتى ملأ أكثر من عشرين صفحة ثم كشف عن وجهي وقال لي: "أنت ذكية مهذبة"، تلفظ بكلمات حلوة، قالها معسولة، لأنه اعتقد انه انتصر. عدت إلى الزنزانة وأنا اضحك حتى أنني نسيت كل تلك الآلام التي أعاني منها. وفي الصباح طلبت المحقق وقلت له : "كل ما قلته لك كذب ولا تؤاخذني لأنك أهدرت ورقا وحبرا!" شعرت بأنني أنا القوية وهو الضعيف، أنا قوية بإيماني وعقيدتي لأنني لست خائنة بينما هو ضعيف حقير يعمل على إرضاء أسياده الصهاينة وينسى أنني مثله لبنانية، نعيش على الأرض ذاتها ونتنشق الهواء ذاته، لكن هو يخدم العدو المحتل وأنا أخدم وطني. وعندها تذكرت المقاومة التي تقاوم الاحتلال بالأجساد الطاهرة والعدو الذي يستعمل أحدث أنواع الأسلحة الأميركية المتطورة ولا يستطيع أن يهزم مقاوما يقاومه بجسده، شعرت فعلا بأنني فزت عليه بكل شيء، وبعدها.. نلت نصيبي من الضرب!.

بقيت على هذه الحال شهرين قيد التحقيق ثم نقلوني إلى صديقاتي في الغرف. نظرت إلى وجوههن فكانت صفراء. جاء وقت الغداء، بازيلا أشبه بـ"جبلة باطون"، إذا بردت لا يمكن أن تنفك عن بعضها البعض. لا ملعقة معنا لأنها ممنوعة، فقط كوب وصحن من بلاستيك.
أريد أن اتحدث عن الطعام الذي كان كما تقول البنات للشرطيات "طعام لا تأكله الحيوانات" حيث كان السوس والدود في قطع البطاطا وحبات الفول والبازيلا والعدس، وكنا نقلب الحبة ونأكلها وكأننا لم نر شيئا، أما البيض فكانت رائحته نتنة كما هي حال الأرز المسلوق مع السوس من دون غسل، وبعض قطع الجبنة "الإسرائيلية" المنتهية مدتها منذ أشهر.
كنا نأكل هذا الطعام حتى لا نمرض أو نضعف لأن حتى هذه "اليخنات" كانت في غالب الأحيان عبارة عن "زوم صلصة" مما تسبب بإصابتي بالقرحة كبقية الأسرى. أعاني من الديسك في الظهر ومرض الروماتيزم والحساسية بسبب الرطوبة وسوء وضع المعتقل، حيث كانت المياه تتسرب في الشتاء من جميع جوانب الغرفة، وعندما ننقطع من المياه كنا نستعمل مياه المطر التي تتجمع في أرض الغرفة لنرتوي منها. أما الشمس فلا نراها لأكثر من خمسة أو عشر دقائق يوميا لأن النور لا يدخل إلى الغرفة إلا من خلال نافذة لا تتجاوز عشرة سنتمرات وعلى هذه النافذة دفاع من حديد حتى لا نستطيع أن ننظر إلى الخارج.
كما التهب وركي بسبب الضرب وعدم العلاج. لم يكن هناك علاج لي، لأن الممرض كان إذا طلبت منه علاجا يقول لي: "إنك تكذبين"، وإذا تكرم يعطيني حبة مهدئ. وقد نقلت إلى مستشفى مرجعيون بسبب سوء وضعي الصحي بعدما أصيب جانبي الأيمن بنوع من الشلل، وأصبت بتنميل في الرأس، وبقيت على هذه الحال فترات طويلة، اكتشفت خلالها أن المستشفى أسوأ من المعتقل. لقد شعرت في المعتقل بأنني بين أهلي وأخواتي، وقد كنا من جميع الطوائف والأحزاب وشكلنا يدا واحدة في مواجهة هذا العدو.
في البداية منعوا عني الثياب وجميع الأغراض من أهلي، وبعد فترة دامت ستة أشهر سمحوا أن يبعث لي أهلي ببعض الثياب والمال الذي كانت الشرطيات يتقاسمنه داخل المعتقل ويعطينني الباقي القليل منه.
بالنسبة إلى وضع المعتقل، لا تدفئة، ولآني كنت مريضة كانوا يسمحون لي بتعبئة غالون ماء ساخن حتى اتدفأ عليه. أما الحمام فكانوا يدخلون إليه خمس أو ست فتيات معا، وكان يجب أن ننتهي من الحمام في فترة لا تتجاوز عشر دقائق، إذ يجب أن نستحم خلالها ونغسل الثياب وإذا لم ننته في هذه الفترة كانت الشرطية تفتح الباب علينا وهي تصرخ وتشتم. بسبب ذلك أصبنا بالجرب والقمل، وكن يعطيننا أحيانا سطل ماء لجميع الأخوات الموجودات في الغرفة، وبهذا السطل يجب على الجميع الاستحمام وغسل الثياب، مما يضطر بعض البنات إلى البقاء دون استحمام بسبب قلة المياه.
كانت الفتيات يدا واحدة وكل واحدة منهن تفضل الأخرى على نفسها، كن جميعهن يتعاملن معي على أنني أم لهن وكن ينادينني "ماما زينب". لا انسى كيف كنا نقضي الأوقات في تعليم بعضنا بعضا، كل واحدة حسب معرفتها. من جهتي، كنت أعلمهن الخياطة والتطريز، وكنا نستمتع بالوقت ولا نشعر الفراغ، فنقص الحكايات الخاصة بنا والطرائق المضحكة.
وكنا نغني في بعض الأحيان لكن بالطبع بصوت خفيض. كنت أقوم بالتمارين الرياضية بمساعدة البنات، كما كنا نتعلم حفظ الآيات القرآنية وكتابتها على الباب الصابون وحبات الزيتون. كنا نقوم ببعض الأشغال التي لم يكن مسموحا بها، مثل التطريز، ذلك أنه لم يكن مسموحا استعمال أدوات التسلية، وإذا قمنا بشيء من هذه الأعمال كنا نعاقب عليه. كنا نقضي الأوقات بالصلاة والدعاء، ونحتفل بالمناسبات الإسلامية والوطنية وبعمليات المقاومة مثل عملية الشهيد أحمد قصير وغيرها.
كنا نتبادل أيضا الهدايا في مناسبات الأعياد وذكرى اعتقال كل واحدة منا. وبرغم كل المعاناة كانت إرادتي قوية والمعنويات عالية ولم يستطع العدو أن يهزمني، والحمد لله الذي أعطانا النصر والصبر على الذي رأيناه في معتقل الخيام الذي يعلم الإنسان الجهاد والصبر والتعود على الحلو والمر.
شكرا لكم واعتذر للإطالة..

المصدر:
www.aramta.com
الأسيرة المحررة زينب الحاج من بلدة عرمتى قضاء جزين:
اعتقلت في سنة 1986، يومين.
اعتقلت في سنة 1988، ثمانية أشهر.
اعتقلت في سنة 1989، أربع سنوات.
أفرج عني في سنة 1993.
اعتقلوني بالإجمال مدة 5 سنوات تقريبا" لكن اليوم هم تلاشوا من التاريخ والجغرافيا وأنا هنا راسخة في أرضي

06-02-2014 | 10-09 د | 168 قراءة
الإسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
لوحة المفاتيح العربية
رمز التأكيد

http://www.momahidat.org/pagedetails.php?pid=8
 
 
 

malafmoatamar




 
 
موقع ممهدات*** متخصص في دراسات المرأة والأسرة والطفل آخر تحديث: 2019-07-25

انت الزائر رقم: 6174272