تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
"دار سُكنة.. [أيقونة جبشيت] سيرة والدة الشهيد القائد الشيخ راغب حرب" تقرير مشروع رداء النور بمناسبة ولادة الإمام الحسن (ع) رئيسة الجمعيات الحاجة عفاف الحكيم تشارك في "مؤتمر الدولي السيدات والقدس الشريف" الذي عُقد نهار الخميس بتاريخ 06 أيار 2021م بيان استنكاري من الجمعية النسائية للتكافل الاجتماعي بالتفجير الإرهابي الذي حصل في كابول في 6 أيار 2021 تقرير مشروع  "رداء النور" بمناسبة ولادة الإمام المهدي (عج) في منطقة حام، زبود، الجوبانية ورام.. مشاركة الحاجة عفاف الحكيم عن بعد في اجتماع المجلس العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية الذي أقيم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية مريم المقدسة عليها السلام في مفكرتي "فراشة الليل" "فسيفساء تموز" تكريم الحاجة عفاف الحكيم في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في 7 شباط 2020
بأقلامكم خدمة RSS صفحة البحث تواصل معنا الصفحة الرئيسة

 




 

 
فلاشات إخبارية
قضية المرأة لعبد الوهاب المسيري
البحث عن بديل للطروحات النسوية الغربي (البحث عن بديل)
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق طباعة الصفحة

د. عبد الوهاب المسيري
من الأجدر بنا أن ندرس قضية المرأة داخل إطارها التاريخي والإنساني، فندرك أن مشكلة المرأة مشكلة إنسانية لها سماتها الخاصة. كما يجب أن ننفض عن أنفسنا غبار التبعية الإدراكية ونبحث عن حلول لمشاكلنا نولِّدها من نماذجنا المعرفية ومنظوماتنا القيمية والأخلاقية ومن إيماننا بإنسانيتنا المشتركة، وهي منظومات تؤكد أن المجتمع الإنساني يسبق الفرد (تماما كما يسبق الإنسان الطبيعة/ المادة).
ولذا بدلًا من الحديث عن "حقوق الإنسان"، إنسان روسو الطبيعي الذي يعيش حسب قوانين الطبيعة، مما يضطرنا إلى الحديث عن "حقوق المرأة" الفرد، ثم أخيرًا عن "حقوق الطفل" الفرد، قد يكون من الأجدر بنا أن نتحدث عن "حقوق الأسرة" كنقطة بدء ثم يتفرع عنها وبعدها "حقوق الأفراد" الذين يكوّنون هذه الأسرة، أي أننا سنبدأ بالكل (الإنساني الاجتماعي) ثم نتبعه بالأجزاء (الفردية).
ولو اتبعنا هذا النموذج، واتخذنا الأسرة نقطة بدء ووحدة تحليلية، فإن الحديث عن "تحقيق الذات بشكل مطلق" يصبح أمرًا ممجوجًا ومرفوضًا ولا بد أن يحل محله الحديث عن "تحقيق الذات داخل إطار الأسرة".
وبدلا من الحديث عن "تحرير المرأة" كي "تحقق ذاتها" ولذتها ومتعتها، قد يكون من المفيد أن ندرس ما حولنا لنكتشف أن أزمة المرأة هي، في واقع الأمر، جزء من أزمة الإنسان في العصر الحديث والتي تنبع من هذه الحركية الهائلة المرتبطة بتزايد معدلات الاستهلاك، التي تسم إيقاع حياتنا الحديثة، ومن وجود هذه الاختيارات الأستهلاكية التي لا حصر لها ولا عدد والتي تحاصرنا وتحد من حركتنا. إن الدراسة المتأنية ستبين لنا أن المشكلة تنبع من أنّ الرجل قد تم "تحديثه" بشكل متطرف وتم استيعابه في هذه الحركية الاستهلاكية العمياء بحيث أصبحت البدائل المطروحة أمام المرأة. ولكن بما أنّ هذه الحركيّة الاستهلاكيّة المتطرفة هي أحد أسباب أزمة الإنسان الحديث قد يكون من الأكثررشدًا وعقلانية ألا نطالب ﺑ"تحرير المرأة" وألا نحاول قذف بها هي الأخرى في عالم السوق والحركية الاستهلاكية، وأن نطالب بدلا من ذلك بتقييد الرجل أو وضع قليل من الحدود عليه وعلى حركيته بحيث نبطئ من حركته فينسلخ قليلا عن عالم السوق والاستهلاك وبذلك يتناسب إيقاعه مع إيقاع المرأة والأسرة وحدود إنسانيتنا المشتركة.
[اكتساب الرجل خبرات الأبوة]
وانطلاقا من هذه الرؤية لا بد أن يُعاد تعليم الرجل بحيث يكتسب بعض خبرات الأبوة والعيش داخل الأسرة والجماعة، وهي خبرات فقدها الإنسان الحديث مع تآكل الأسرة ومع تحركه المتطرف في رقعة الحياة العامة. وبهذه الطريقة سيكون بوسع الرجل أن يشارك في تنشئة الأطفال، وأن يعرف عن قرب الجهد الذي تبذله المرأة / الأم، ومن ثم يمكن لإنسانيتنا المشتركة أن تؤكد نفسها مرة أخرى.
وهذه استراتيجية لا تختلف كثيرًا عن استراتيجية جماعات الدفاع عن البيئة (الخضر). فهم يطالبون الإنسان الغربي بأن يخفض من حرارة المجتمعات الغربية وأن ينسلخ قليلا عن أيديولوجية التقدم والغزو والإنجاز والإنتاجية على أن يحل محلها أيديولوجية الاتزان والتوازن مع الطبيعة والذات وإشباع الحاجات الإنسانية الأساسية بحيث يتناسب إيقاع المجتمع مع إيقاع الإنسان.
[العمل المنتج إنسانيا]
ولعله قد يكون من المفيد ألا نتحدث عن "حق المرأة في العمل" (أي أن تعمل في رقعة الحياة العامة نظير أجر)، أي العمل المنتج ماديا الذي يؤدي إلى منتج مادي (سلع- خدمات). ونعيد صياغة رؤية الناس بحيث يُعاد تعريف العمل فيصبح "العمل الإنساني"، أي العمل المنتج إنسانياً (وبذلك نؤكد أسبقية الإنساني على المادي والطبيعي). وهنا تصبح الأمومة أهم "الأعمال المنتجة" (وماذا يمكن أن يكون أكثر أهمية من تحويل الطفل الطبيعي إلى إنسان اجتماعي؟). ومن ثم يقل إحساس المرأة العاملة في المنزل بالغربة وعدم الجدوى، ويزداد احترام الرجل لها ويكف الجميع عن القول بأن المرأة العاملة في المنزل لا تعمل، وكأنّ عمل سكرتيرة في إحدى شركات التصدير والاستيراد أو إحدى شركات السياحة أكثر أهمية وجدوى من تنشئة الأطفال!.
[إعادة إنتاج الأسرة الممتدة]
ولعلنا قد نكتشف طرقًا جديدة لإعادة إنتاج الأسرة الممتدة بما توفره للإنسان من طمأنينة داخل المدينة الحديثة ذات الطرق القاسية والإيقاع المرعب، كأن نطور طرزًا معمارية تُفعِّل الجيرة كمؤسسة وسيطة تشبه في وظيفتها الأسرة الممتدة.

[الاقتصاد المنزلي]
وقد يمكننا التوصل ليوم عمل يمكن تقطيعه وتقسيمه ليتناسب مع مؤسسة الأسرة ولا يتعارض مع محاولة المرأة أن تقوم بدورها كأم وزوجة، بل إنه يمكن تعديل رقعة الحياة العامة ذاتها ومكان العمل بحيث يُخلق داخله حيز إنساني.
ويمكننا أن نعيد بعث الاقتصاد العائلي (بالإنجليزية: فاميلي إيكونومي Family economy) الذي أثبت كفاءته ومقدرته على الاستمرار وإنتاجيته العالية في المجتمعات الحديثة والتي يُقال لها "متقدمة" (سواء في اليابان أو الولايات المتحدة). ولكن ما يهمنا هنا أنه شكل من أشكال علاقات الإنتاج التي لا تقوض الأسرة وتفككها، ويمكن للمرأة أن تشارك فيه دون أن تفقد هويتها كأم وزوجة. ويمكن أيضًا تطوير نظم تعليمية جديدة بحيث يمكن للمرأة أن تتعلم وتستمر في تعليمها دون أن نولِّد داخلها التوترات بين الرغبة المحمودة في التعلم والنزعة الكونية نحو الأمومة.
وهذه الاقتراحات الأولية تهدف إلى تقليل الأعباء النفسية الناجمة عن الأمومة، وتحرير المرأة بعض الشيء من الأعباء المنزلية البدنية، بحيث نخلق حيزًا خاصًا بها يمكنها أن تمارس فيه إنسانيتها دون أن تضطر إلى تحطيم الأسرة ودون أن تجعل تحقيق ذاتها مشروطًا بتخليها عن الأسرة وعن دورها الاجتماعي.
[دراسة جادة لظاهرة تحرير المرأة في الغرب ونتائجها]
ويجب أن يواكب هذا دراسة جادة ومتعمقة، نقدية وخلاقة، لظاهرة تحرير المرأة في الغرب داخل إطار الترشيد المادي وإطار الفكر المادي الصراعي الواحدي المتمركز حول الأنثى. فعلى سبيل المثال يمكن أن ندرس المشاكل الناجمة عن تآكل الأسرة وتكلفتها الاجتماعية والمادية. وقد قرأت في إحدى الدراسات أن انسحاب المرأة من الأسرة واستيعابها في آليات السوق والحركية الاستهلاكية وتحولها إلى "طاقة عاملة" في رقعة الحياة العامة و "وحدة إنتاجية" في سوق العمل يؤدي إلى غربة شديدة عند الأطفال مما يحولهم إلى عناصر مدمرة. وقد رأى الباحث صاحب الدراسة أن عمليات التخريب المتعمد في المدارس (School vandalism) تكلف البلايين من الدولارات وأنها مرتبطة تمام الارتباط بظاهرة اختفاء الأم. كما يمكن أيضًا حساب الخسارة النفسية للطفل والتي يمكت ترجمتها ماديًا إلى أرقام. وهل يمكن أيضًا ربط ارتفاع معدلات الطلاق بمعدلات انسحاب المرأة من الأسرة ومن دور الأمومة؟ (يكلف الطلاق في الولايات المتحدة بلايين الدولارات أيضًا). ومن المعروف أن شركات التأمين ترفع أقساط التأمين على كل من يُطلِّق لأنه يرتكب عددًا أكبر من الحوادث.
[من نتائج تحرير المرأة في الغرب: تأنيث الفقر]
ويمكن الإشارة هنا إلى ما يُسمَّى ظاهرة "تأنيث الفقر" (fminization of poverty) التي أصبحت ظاهرة اجتماعية معروفة في الولايات المتحدة، إذ يبدو أنه في إطار حرية المرأة وحرية الرجل، يتعايش رجل مع إمرأة تنجب منه طفلاً أو طفلين عادة دون أن يرتبطا بعقد زواج. وبعد فترة قصيرة أو طويلة يتملك الرجل الملل وتنشب المعارك بين الطرفين فيقرر الرجل أن "يحقق ذاته" خارج إطار الأسرة فيحمل متاعه ويذهب، تاركًا الأم المهجورة وحدها، ترعى الطفلين. فتزيد أعباءها النفسية والاجتماعية والاقتصادية (مهما دفع الرجل من نفقة) وازداد الرجال متعة وحركية استهلاكية، أي أنه تم تأنيث الفقر، ويمكن أن نضيف أنه تم كذلك تأنيث الجهد النفسي والإرهاق البدني.
ولعل هذا من أهم الأسباب السوسيولوجية لزيادة معدلات السحاق في المجتمعات الغربية فهو يحل مشكلة ضرورة تفريغ الطاقة الجنسية للأنثى دون أن يدخلها في دوامة العلاقة مع الرجل التي توردها موارد التهلكة والفقر والألم والهجران.
[دور الأم يزيد من إنتاجية المجتمع]
كما يمكن أن ندرس إنتاجية المجتمع ككل في إطار خروج المرأة للعمل في حقل الحياة العامة بدلا من العمل في حقل الحياة الخاصة. فهناك من الدراسات ما يشير إلى أنّ إنتاجية المجتمع على مستوى الماكرو تتزايد مع اضطلاع المرأة بدور الزوجة والأم، إذ أنها تقوم بتربية الأطفال تربية صالحة، فيصبحون أعضاء منتجين في المجتمع، كما أنها تهدئ من روع الجميع: الزوج والأبناء عند عودتهم من رقعة الحياة العامة، فيستعيد الجميع توازنهم وتتزايد إنتاجيتهم.
وثمة دراسات تشير إلى أن قلق المرأة بخصوص هويتها وذاتها قد تزايد مع فقدانها وظيفتها ومكانتها كأم وزوجة، وأنّ هذا القلق له مردود سلبي للغاية على صحتها النفسية وعلى محاولتها تحقيق ذاتها، وأنه هو الذي يؤدي إلى محاولة المرأة التشبه الشرس بالرجل، وظهور اﻟuni - sex .
[خطر الخصخصة والمشاريع والتشريعات الدولية]
كما يجب أن نضع نصب أعيننا أثر كل مشروع اقتصادي إنتاجي على بناء الأسرة وعلى دور المرأة كأم فهناك حديث "عالمي" عن "الخصخصة"، ولم يدرس أحد أثر الخصخصة علينا كبشر، وتكلفتها المعنوية والمادية (مع العلم بأن التكلفة المعنوية تترجم نفسها بعد قليل إلى تكلفة مادية يمكن حسابها كميًا بشيء من الجهد). وأعتقد أن الخصخصة بلا ضابط سيكون لها أثر مدمّر على الأسرة وعلى المرأة، فالخصخصة هي في واقع الأمر توسيع رقعة السوق، وآليات العرض والطلب، لتبتلع كل شيء.
كما يجب ألا يفوتنا أن نتصدى لكثير من المشاريع التي يُقال لها تنموية والتي يفرضها البنك الدولي والتي تهدف في واقع الأمر إلى تحطيم الدول القومية ومؤسسة الأسرة التي يرون أنها من أكبر معوقات "التنمية" (أي التقدم المادي بغض النظر عن الثمن الإنساني مهما كانت فداحته).
والشيء نفسه ينطبق على بعض التشريعات التي تصدرها بعض المنظمات "الدولية" والتي تدور في إطار عقلية السوق الحر والخصخصة الكاملة لكل شيء بما في ذلك جسد الإنسان وروحه وضميره. ونحن لا بد أن نستفيد من الخبرات والمعونات الدولية شريطة ألا تتحول إلى معاول هدم تقوض أساس مجتمعاتنا.
[علاقة شخصية المرأة بخصائصها الجسدية]
وهناك العديد من الدراسات الأخرى التي تبين أن خصائص المرأة التشريحية ووظائفها البيولوجية له علاقة بتكوين شخصيتها وهويتها وطموحها (وهذه من المفارقات التي تستحق التسجيل، فحركة التمركز حول الأنثى التي تؤكد مركزية جسد الأنثى في تحديد هويتها ينتهي بها الأمر إلى إنكار أي أهمية للجسد وللخصائص التشريحية والوظائف البيولوجية، تمامًا مثل الحركة الصهيونية التي تؤكد يهودية اليهودي ثم تحاول تخليصه منها).
ونحن لا نذهب مذهب الماديين الذين يقولون بأن جسد المرأة هو قدرها وأن خصائصها التشريحية هي مصيرها المحتوم، ولكن نقول إن هذا الجسد وهذه الخصائص تفرض عليها حدودًا معينة، وهذه الحدود تخلق لها حيزًا أنثويًا خاصًا يفصلها عن الرجل دون أن يعزلها عنه. وقد هاج كثير من دعاة التمركز حول الأنثى حينما نشر أحد العلماء دراسة تبين أن كثيرًا من البطلات الرياضيات ممن احترفن الرياضة لا يحملن إلا إذا توقفن عن ممارسة الرياضة لعدة سنوات. وقد نشر أحد العلماء دراسة طريفة تبين أن ثمة علاقة ما، لم يتمكن الباحث من تحديدها بدقة، بين العادة الشهرية عند المرأة والعرق الذي يفرزه الرجل تحت إبطه. ورغم أن هذه الدراسة دراسة أولية للغاية إلا أن حركات التمركز حول الأنثى حاولت منع نشرها وغيرها من الدراسات، أي أن التوجه الأيديولوجي يصل من الحدة إلى محاولة إنكار الحقائق العلمية التي قد تقوض من النظرية، وكأننا في المرحلة الستالينية حين كان على العلماء أن يثبتوا، بكل ما أتوا من قوة، صدق مقولات المادية الجدلية!
[الامبريالية النفسية]
  كما يجب أن ندرس الدور المدمر لبعض الشركات "العالمية" التي تشكل ما سميته في دراسة سابقة (الفردوس الأرضي[١٩٧٩]) "الإمبريالية النفسية". وإذا كانت الإمبريالية التقليدية تبحث دائمًا عن أسواق لسلعها وعمالة رخيصة، فالإمبريالة النفسية لا تختلف كثيرًا عنها، إلا أنها جعلت من وعي الإنسان ووجدانه مجال حركتها ونشاطها، أي أنها لا تتحرك في رقعة الحياة العامة البرانية، بل في رقعة الحياة الخاصة الجوانية، وهي سوق يمكن توسيع حدوده إلى ما لا نهاية، عن طريق توسيع شهوة الإنسان وتوليد حالة من القلق وعدم الاتزان والرضا داخله، يتصور أنه لا يمكنه تجاوزها إلا من خلال اقتناء سلع بعينها.
وقد نشأت عدة صناعات (رؤوس أموالها بلايين الدولارات) ركزت بالذات على المرأة. فشركات مستحضرات التجميل وأدواته جعلت المرأة هدفًا أساسيًا لها. فمن خلال آلاف الإعلانات، يولد في المرأة إحساس بأنها إن لم تستخدم آلاف المساحيق والعطور والكريمات وخلافه تفقد جاذبيتها (عادة الجنسية) وتصبح قبيحة. وبعد ترسيخ هذه القناعة تمامًا في وجدان الإناث يتم تغيير المساحيق كل عام، ويُطلب من المرأة أن تغيِّر وجهها لتصبح "جديدة دائمًا"، "مرغوبة دائمًا"، وهكذا تصبح المرأة سوقًا متجددة بشكل لا ينتهي.
ولا تقل صناعة الأزياء شراسة عن صناعة مستحضرات التجميل فهي صناعة أصبح لها قنوات فضائية ونجوم وأبطال (معظمهم من الشواذ جنسيًا، مات منهم خمسة في عام واحد بمرض الإيدز، ونجحت صناعة الأزياء في التكتم على الخبر حتى لا تؤثر على مبيعاتها). وفي كثير من الأحيان تقترب عروض الأزياء من الإباحية الصريحة، فهي تتفنن في طمس الشخصية الإنسانية والاجتماعية للمرأة وإبراز مفاتنها الجسدية لتتحول إلى جسم طبيعي/ مادي، سوق عام لا خصوصية له يمكن هزيمته وتوظيفه وحوسلته (تحويله إلى وسيلة). وهكذا يتم ترشيد جسد المرأة ووجهها في الإطار المادي ويتم سحبها من عالم الحياة الخاصة والطمأنينة إلى عالم الحياة العامة والسوق والهرولة والقلق.
ومما يزيد الطين بلة أن كلاً من صناعة مساحيق التجميل وأدواته والأزياء تفرض مقاييس جمالية يستحيل الالتزام بها إلا لمجموعة محدودة من الإناث المتفرغات لجسدهن (مثل الممثلات أو عارضات الأزياء أو فتيات الإعلانات) وقد تسبب هذا في انتشار الأمراض النفسية مثل مرض أناركسيا فورموزا، وهو إحساس يتملك المرأة مهما بلغت من جمال ورشاقة أنها قبيحة وبدينة، فتمتنع عن الأكل بسبب قلقها الشديد بخصوص وزنها وجمالها، وفي بعض الأحيان تقضي نحبها. ويبدو أن المرض منتشر على نطاق واسع (يُقال إن الأميرة ديانا كانت مصابة به بعض الوقت). ومثل هذه القضايا تتناولها فروع جديدة في علم الاجتماع مثل سوسيولوجيا الوجه وسوسيولوجيا الجسد.
ويساند عمليات حوسلة المرأة (أي تحيلها إلى وسيلة) هذه وتوسيع نطاق الإمبريالية النفسية صناعة الإعلانات التي تستخدم المرأة لتصعيد الرغبات الاستهلاكية عند كل من الرجل والمرأة، وتعيد إنتاج صورة المرأة باعتبارها جسدًا ماديًا محضًا، موضوعًا للرغبة المادية المباشرة. ثم تأتي أخيرًا صناعة السينما في الولايات المتحدة (هوليود) التي تعيد صياغة صورة المرأة في وجداننا جميعًا فهي تنزع عن المرأة كل قداسة وتعريها لا من ملابسها وحسب وإنما من إنسانيتها وكينونتها الحضارية والاجتماعية وخصوصيتها الثقافية بحيث تصبح مثل الإنسان المقترح من قبل النظام العالمي الجديد: إنسان بلا ذاكرة ولا وعي، إنسان عصر ما بعد الحداثة والعالم الذي لا مركز له (استخدم أحد الظرفاء اصطلاح "ما بعد البيكيني" [بالإنجليزية: بوست بيكيني - post bikini] على منوال ما بعد الحداثة [بالانجليزية: بوست مودرنست post - modernist] ليشير إلى هذا الاتجاه نحو التعرية الشاملة، وليوجه أنظارنا نحو العلاقة بين تعرية المرأة من ملابسها وتعرية الإنسان من منظوماته القيمية وخصوصيته القومية).
[علاقة حركة التمركز حول الأنثى بمشروع السوق الشرق أوسطية]
ولعله قد يكون من المفيد أن نرى علاقة حركة التمركز حول الأنثى والمفاهيم الكامنة فيها بمشروع السوق الشرق أوسطية، فكلاهما معادٍ للتاريخ، وكلاهما يطالب الإنسان العربي أن ينسى ماضيه ووعيه وأن يبدأ من جديد.
ولعله قد يكون من المفيد أن ندرك العلاقة بين حركة التمركز حول الأنثى وظواهر جديدة في مجتمعنا مثل الاهتمام المحموم من قبل بعض الصحف والمجلات المصرية بالجنس، واستخدام العامية المصرية في هذه الصحف وفي الإعلانات. إن الجنس الذي تتناوله هذه الصحف ليس شأنا إنسانيا مركبا وليس ظاهرة اجتماعية وتاريخية، وإنما هو تسلية وفضائح، أي أنه عملية نزع القداسة عن الإنسان ليصبح موضوعًا بسيطًا طريفًا لا كائنًا مركبًا عظيمًا. وفي هذا الإطار تصبح فضائح نجوم السينما وسيرهم الذاتية غير العطرة هي أهم الأخبار والصور المجازية الأساسية، ومن ثم يتم تذويب الإنسان في سيرة فلانة الراقصة التي لم تنجز شيئًا في حياتها سوى سلسلة من الزيجات وعددًا من الفضائح.
واستخدام العامية لا يختلف كثيرًا عن ذلك، فلو أصبحت العامية وحدها هي مستودع ذاكرتنا التاريخية لفقدنا أمرأ القيس والبحتري وابن خلدون وابن سينا، أي فقدنا كل شيء، وتصبح كلاسيكياتنا هي أغاني شكوكو وأقوال إسماعيل ياسين.
وأعتقد أن الإنسان الذي يقتدي بالراقصة فلانة ولا يتذكر إلا بعض الأفلام والأغاني المصرية هو إنسان تم تفريغه تمامًا وتفكيكه تماما، ومن ثم يمكنه التحرك بكفاءة عالية في السوق الشرق أوسطية، لأن السوق العربية تتطلب إنسانًا آخر له هوية وذاكرة ويحمل منظومة قيمية. إن حركة التمركز حول الأنثى هي جزء من هذه الهجمة الشاملة ضد قيمنا وذاكرتنا ووعينا وخصوصيتنا ويجب أن ندرك هذا ونعيه، حتى لا تكون معركتنا جزئية وغير واعية بذاتها.
_________________________________________________________________________________

المصدر: كتاب قضية المرأة بين التحرير وحركة التمركز حول الأنثى، د.عبد الوهاب المسيري. ط٢،  نهضة مصر، 2010م.                   

18-02-2014 | 12-57 د | 568 قراءة
http://www.momahidat.org/pagedetails.php?pid=14
http://www.momahidat.org/pagedetails.php?pid=32
 
 

malafmoatamar




 
 
موقع ممهدات*** متخصص في دراسات المرأة والأسرة والطفل آخر تحديث: 2021-11-26

انت الزائر رقم: 10529328