مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

السيدة زينب عليها السلام مستودع سر الإمامة

السيدة زينب عليها السلام مستودع سر الإمامة

روى الشيخ الصدوق بإسناده إلى أحمد بن إبراهيم، قال:دخلتُ على حكيمة بنت محمّد بن عليّ الرضا أخت أبي الحسن (عليّ الهادي) العسكريّ عليهم السّلام في سنة 262 هـ بالمدينة، فكلّمتُها من وراء حجاب وسألتُها عن دِينها، فسَمَّت لي مَن تأتمّ بهم، ثمّ قالت: فلان ابن الحسن عليه السّلام، فسَمّته (يقصد سَمَت الإمام الحجّة بن الحسن العسكريّ عليه السّلام.
فقلتُ لها: جَعَلني اللهُ فِداكِ، مُعايَنةً أو خَبَراً؟
فقالت: خبراً عن أبي محمّد عليه السّلام كَتَب به إلى أمّه.
فقُلت لها: فأين المولود؟
فقالت: مستور.
فقلت: فإلى مَن تَفَزَعُ الشيعة؟
فقالت: إلى الجدّةِ أمّ أبي محمّد عليه السّلام.
فقلت لها: أقتدي بمَن وصيّتُه إلى امرأة؟!
فقالت: اقتداءً بالحسين بن عليّ عليه السّلام, إنّ الحسين بن عليّ عليه السّلام أوصى إلى أخته زينب بنت عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في الظاهر أسرار الإمامة1.
وروي أنّه كانت لزينب عليها السّلام نيابة خاصّة عن الحسين عليه السّلام، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام، حتّى برئ زينُ العابدين عليه السّلام من مرضه.
فالعقيلة زينب الكبرى عليها السلام المعروف عنها حسب ماورد في المقاتل: أن الحسين عليه السلام يوم عاشورا قبل أن يقتل بقليل أوصاها بكفالة العائلة من بعده هذا وارد وصحيح والروايات تؤكد على ذلك ولكن الأهم من كفالة العائلة أباح لها بسر يختلج في صدره وهو الحفاظ على الإمامة المتمثلة في شخصية الإمام زين العابدين عليه السلام فكان قلب زينب عليها السلام الكبير يخفق عندما يتعرض الإمام السجاد عليه السلام لمحاولة القتل أو الإغتيال فلذلك نلاحظ أنه حدثت ثلاث محاولات قتل للإمام عليه السلام وزينب عليها السلام قد دفعت ذلك عنه بكل جرأة ولم يصاب بأذى وهنا يكمن الإعجاز البطولي لهذه المرأة العظيمة وهذه السيدة الجليلة القدر والجاه عند الله تبارك وتعالى.
ونظم في شأن فضلها: الشيخ محمد حسين الأصفهاني قدس سره:
مــلـيكة الـدنيا عقيلة النسا       عديلة الخامس من أهل الكسا
ما ورثـته من بني الرحمة        جوامــع العـلـم أصول الحكمة
فــإنهـا ســلالـة الـولايــــة        ولايـة لـيـــس لهـا نـهـايــــة
ما حدث في مجلس ابن زياد
الرواية تقول: أدخلوا السبايا إلى قصر الإمارة في الكوفة ويقدمهم الإمام علي بن الحسين عليها السلام وهو عليل مريض والأغلال في يديه والقيود في رجليه والجامعة على عنقه وقد أثرت في رقبته وحاله يرثي له كل غيورومن خلفه امرأة نحيفة ومن خلفها نساء وأطفال.
ذكر الشيخ المقرم في مقتله: لما رجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة ودخل قصر الأمارة ووضع أمامه الرأس المقدس سالت الحيطان دما وخرجت نار من بعض نواحي القصر وقصدت سرير ابن زياد فولى هارباً منها ودخل بعض بيوت القصر فتكلم الرأس الازهر بصوت جهوري سمعه ابن زيد وبعض من حضر الى اين تهرب فان لم تنلك في الدنيا فهي في الآخرة مثواك" ولم يسكت حتى ذهبت النار! وادهش من في القصر لهذا الحادث الذي لم يشاهد مثله ولم يرتدع ابن زياد لهذا الحادث بل اذن للناس إذناً عاما وامر بادخال السبايا مجلسه فادخلت عليه حرم رسول الله بحالة تقشعر لها الجلود.

أبـرزت حـاسرة لـكن عـلــى           حـالة لـم تبق للجلد اصطبارا
لا خـمار يـستـر الـوجـه وهل          لـكريمات الـهدى ابقوا خمارا
لاولا مــن ألـبسها مـن نـوره          أزراً مـذ سـلبوا عـنها الازارا
لـم تُـدع يا شلّتِ الايدي لهـا            من حجاب فيه عنهم تتوارى2
وذكر الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد:
وأدخل عيال الحسين عليها السلام على ابن زياد, فدخلت زينب أخت الحسين في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها, فمضت حتى جلست ناحيةً من القصر, وحفت بها إماؤها.
فقال ابن زياد, من هذه التي انحازت ناحيةً ومعها نساؤها؟!
فلم تجبه زينب.
فأعاد القول ثانيةً وثالثةً يسأل عنها؟
فقالت له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله.
فأقبل عليها ابن زياد وقال لها: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم.
فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطهرنا من الرجس تطهيرا, وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر, وهو غيرنا والحمد لله.
فقال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟!
فقالت: ما رأيت إلا جميلاً, هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل, فبرزوا إلى مضاجعهم, وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده فانظر لمن الفلج يومئذ, ثكلتك أمك يابن مرجانة!!
فغضب ابن زياد واستشاط , فقال له عمرو بن حريث: أيها الأمير, إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها.
فقال ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك.
فرقت زينب وبكت وقالت له: لعمري لقد قتلت كهلي, وقطعت فرعي, واجتثثت أصلي, فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت.
فقال ابن زياد: هذه سجاعة, ولعمري لقد كان أبوها سجاعاً شاعراً.
ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين وقال له: من أنت؟
فقال: أنا علي بن الحسين.
فقال: أليس الله قد قتل علي بن الحسين؟
فقال علي: قد كان لي أخ يسمى علي بن الحسين, قتله الناس.
فقال ابن زياد: بل الله قتله.
فقال علي بن الحسين: الله يتوفى الأنفس حين موتها.
فكبر على ابن زياد ان يرد عليه فأمر ان تضرب عنقه. فتعلقت به زينب عمته, وقالت: يا بن زياد! حسبك من دمائنا. واعتنقته وقالت: والله لا أفارقه, فإن قتلته فاقتلني معه.
فقال السجاد عليها السلام: أما علمت ان القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة فنظر ابن زياد اليهما وقال: دعوه لها عجباً للرحم ودَّت انها تقتل معه..
فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة, ثم قال: عجباً للرحم! والله إني لأظنها ودت أني قتلتها معه, دعوه فإني أراه لما به.
ثم أمر ابن زياد بعلي بن الحسين وأهله فحملوا إلى دار جنب المسجد الأعظم, فقالت زينب بنت علي: "لا يدخلن علينا عربية إلا أم ولد مملوكة, فإنهن سبين وقد سبينا3.

أبـا حـسن تـغـضـي وتـلـتذّ بالكرى           وبالكفّ امست تستر الوجه زينـب
أبـا حسن ترضى صفاياك في السبا         ونـسـوة حـــرب بالمقاصير تحجب
وتـلوي لـلين الـفرش جـنـباً وهذه            بـناتك فــــوق الـعيس للشام تجلب
ويـهـنيـك عـيش والـعـقـائل حـسّــر         اذا مـا بـكـــت بـالأصبحيـة تضـرب
منطق الحق لا منطق الإرهاب
المتتبع المنصف لما جرى في مجلس الطاغية ابن زياد لاينثني عن مبدأ الحق وصاحب الحق دائما يكون في المحجة أقوى من صاحب الباطل وزينب عليها السلام حينما دخلت مجلس ابن زياد دخلت وهي متنكرة وذلك لما تمتلكه من عفة وشرف وطهارة وحياء وهي من النساء اللواتي تضرب بها الأمثال في صونها وعفتها فجاء تنكرها هذا استهانة لابن زياد فحتى أنها ما أرادت أن تكلمه لولا أنه خرج عن أصول الكلام والحياء وهذا ما نلحظه جليا في الرواية: "فقال ابن زياد من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟ فلم تجبه زينب عليها السلام". لماذا لم تجبه؟ لأنه أحقر من أن تجبه أي من باب "ولا ترد على السفيه جواب" والطاغية ابن زياد هو أسفه السفهاء وأحقر الحقراء ويستحق في نظر الحوراء زينب عليها السلام ونظر الأحرارالشرفاء الإهانة والتحقير.
الرواية تقول: فأعاد القول ثانية وثالثة يسأل عنها وهي لم تكلمه ولم ترد عليه جوابا وإنما كلمته أحد إمائها فقالت: "هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم".

وعندما سمع بذكر زينب عليها السلام وهو يعرف من هي زينب ومن أبيها ومن هم إخوتها وماهو مقامها, أراد أن يفجع قلبها ويدميه في نظره لكي يثنيها ويستثيرها ولكي يرى مدى ردة فعلها وبأي طريقة تخاطبه كعادة كل الجبابرة والطغاة يجبرون الإنسان على الفعل ضدهم وينتظرون منه ردة الفعل لكي يضاعفوا في عقابه.
قال الطاغية: "الحمد لله الذي الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم".
فقالت بعدما أثنت على جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى طهارة آله الأخيار الذين طهرهم الله تطهيرا: من جملة ماقالت له: "وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا"4.
في هذا الحوار القصير بين الخير والشر, وبين الفضيلة والرذيلة وبين الحق والباطل، وبين القداسة والرجس, وبين ربيبة الوحي وعقيلة النبوة وبين الدعي ابن الدعي! إنكشفت نفسيات كل من الفريقين.
أرأيت كيف صرح ابن زياد بالحقد والعداء لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والشماتة وبذاءة اللسان, وحقارة النفس ودناءة الروح وقذارة الأصل؟
فهو يحمد الله تعالى على قتل أولياء الله, وتدفعه صلافة وجهه أن يقول: "وفضحكم", وليت شعري أية فضيحة يقصدها؟!
وهل في حياة أولياء الله من فضيحة؟!
أليس الله تعالى قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً؟!
أليس نسبهم أرفع نسب في تاريخ العظماء؟!
أليست حياتهم متلألأة بالفضائل والمكارم؟!
قال السيد كاظم القزويني في كتابه زينب الكبرى:
وهل ـ والعياذ بالله ـ توجد في حياتهم عليها السلام منقصة واحدة أو عيب واحد حتى يفتضحوا؟
ولكن ابن زياد يقول: وفضحكم.
ويزداد ذلك الرجس عتواً ويقول: "وأكذب أحدوثتكم" الأحدوثة: ما يتحدث به الناس, والثناء والكلام الجميل.
أمام هذا المنطق الهزيل انكشف الوجه القبيح لابن زياد وقبح فعله قبل أن يقبح منطقه فكانت عقيلة الطالبيين عليها السلام لما كانت تتحلى به من الصواب والحنكة والحكمة أن لاترد على مثل كلامه الساقط السخيف ولكن كما ذكرت لك قد فرضت الضرورة على حفيدة النبوة, ووليدة الإمامة, ورضيعة العصمة أن تتنازل وتجيب على تلك الكلمات الساقطة السافلة.
فقالت عليها السلام: "ما رأيت إلا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون وتختصمون عنده"5.

أنظروا أيها المسلمون: إلى الحكمة في جواب هذه المرأة العظيمة وإلى مدى قوة صبرها حيث أراد الطاغية أن يستثيرها بهذه الكلمات الجارحة إلا أنها كانت صابرة ومحتسبة ولخصت فعل قبح جريمة ابن زياد النكراء في قتله لأخيها الحسين عليها السلام قالت "مارأيت إلا جميلا" وهذا معنى التسليم والتفويض لأمر الله تعالى والرضا بقضائه وقدره حيث قالت: كتب الله عليهم القتل معنى ذلك أنه يابن زياد لولا أن الله قدر لهم هذه الشهادة لاتستطيع أنت قتلهم ولا تقدر على التمثيل بأجسادهم ولكن كتبة الله عزوجل وإرادته فوق كل الإرادات.
ثم أشارت الصديقة الصغرى عليها السلام إلى أن يوم القيامة سيجمع الله بين القاتل وبين المقتول وبن صاحب الحق وصاحب الباطل وهناك بين الإثنين فصل حكم الخطاب معناه هنك بين يدي الله سبحانه وتعالى حكم إلهي وقضاء عادل وكل منهما سيأخذ جزاءه وعقابه الظالم في الجحيم والمظلوم في النعيم..
وتـشاطرت هـي والحسين بدعوة        حـتم الـقضاء عـليهما ان يــنــدبا
هــذا بـمـشـتبـك الـنـصـول وهــذه       في حيث معترك المكاره في السّبا

--------------------------------------------------------------------------------
1- بحار الأنوار: 51/364 وزينب الكبرى للقزويني: ص24
2- من قصيدة للسيد عبد المطلب الحلي ذكرت في شعراء الحلة ج3 ص 218
3- كامل ابن الأثير: ج4 ص103
4- الإحتجاج للطبرسي: ص 166
5- بحار الأنوار: ج 45 ص 165
 
http://www.miu-lb.org

التعليقات (0)

اترك تعليق