مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

الفلسفة النورية في خطبة الزهراء (ع) (2)

الفلسفة النورية في خطبة الزهراء (ع) (2)

الفلسفة النورية في خطبة الزهراء(ع)(2)

المحور الثالث: تأملات في فقرة من الخطبة الشريفة.
ورد عنها صلوات الله وسلامه عليها أنّها قالت في خطبتها: ”ابتدع الأشياءَ لا من شيءٍ كان قبلها“، ومن أجل أنْ نقف على مصداق هذا التّعبير ”كلامكم نورٌ“ علينا أنْ نتأمّل في هذه الفقرة الشّريفة: ”ابتدع الأشياءَ لا من شيءٍ كان قبلها“، وهنا أركّز على ثلاثة معانٍ لهذه الجملة الشّريفة كي يتبيّن لنا مدى النّوريّة المختزنة في ثنايا هذه الفقرة الشّريفة الواردة عن السّيّدة الزّهراء صلوات الله وسلامه عليها.

المعنى الأوّل: الابتداع.
عبّرت صلوات الله وسلامه عليها بالابتداع: ”ابتدع الأشياءَ“ فما هو المنظور في التّعبير بكلمة الابتداع؟ أرادت سلام الله عليها أنْ تقول بأنّ علاقة الوجود بمصدره جلّ وعلا ليست هي «علاقة العليّة» وليست هي «علاقة التّبعيض والتّجزئة» وإنّما هي «علاقة الابتداع والاختراع».
بيان ذلك: لو كانت علاقة الوجود به تبارك وتعالى علاقة العليّة فقد صرّحوا بأنّ المعلول وجودٌ نازلٌ من وجودات العلة، بمعنى أنّ للعلة شؤونًا ومن شؤونها وجودها بوجود معلولها، فالمعلول وجودٌ نازلٌ من وجودات العلة، ولذلك يقولون: المعلول موجودٌ كامنٌ في علته بنحوٍ أشرف وبنحوٍ أقوى، كوجود الحرارة النّاريّة في قلب النّار وفي صميم النّار، فإنّ هذا الوجود بمعنى أنّ الحرارة شأنٌ من شؤون النّار ووجودٌ نازلٌ من وجودات النّار، وهذا لا يمكن تطبيقه على علاقة الله بخلقه بأنْ يقال بأنّ سائر هذه الوجودات شأنٌ من شؤون وجوده تعالى، وأنّ سائر هذه الموجودات كانت موجودة في صميم ذاته بنحوٍ أقوى وبنحوٍ أشرف، هذا لا يمكن القول به، فليست العلاقة بين وجوده وسائر الموجودات علاقة العليّة، ليس الأمر كذلك.
كما أنّه ليست العلاقة بين وجوده وسائر الوجودات علاقة التّبعيض والتّجزئة بمعنى أنّ هذا الوجود جزءٌ من وجوده وبعضٌ من وجوده، فإنّه لا يُعْقَل التّبعيضُ والتّجزئة بين عالم الإمكان وعالم الوجوب المطلق.
فالعلاقة بين الوجود ووجوده تبارك وتعالى علاقة ابتداع، ”ابتدع الأشياءَ“ لا أنّها كامنة في ذاته ولا أنّها جزءٌ منها، ”ابتدع الأشياءَ لا من شيءٍ كان قبلها“، فالعلاقة علاقة فيضٍ وابتداع واختراع وليست العلاقة علاقة عليّة أو علاقة تجزئةٍ وتبعيضٍ، ”ابتدع الأشياءَ لا من شيءٍ كان قبلها“. هذا المعنى الأوّل الذي يمكن استجلاؤه من هذه الفقرة الشّريفة.

المعنى الثاني: تعلق الابتداع بالأشياء.
قالت: ”ابتدع الأشياءَ“ ولم تقل: ابتدع الوجودَ، أو: ابتدع الوجوداتِ، قالت: ”ابتدع الأشياءَ“ وعبّرت بصيغة الجمع، ولم تقل: ابتدع الشّيءَ، ”ابتدع الأشياءَ لا من شيءٍ كان قبلها“، وهنا حتى نصل إلى النّتيجة التي نريد إثباتها من خلال هذه الفقرة الشّريفة أنّ مفاد هذه الفقرة الشّريفة إلى عدم التّسانخ بين صور الأشياء، وذلك لأمرَيْن:
الأمر الأوّل: تعلق الابتداع بالصور.
الحكماء يقولون: شيئيّة الشّيء بصورته لا بمادّته، فإنّ المادّة الهيولائيّة مشتركة بين جميع الموجودات، إنّما التّمايز بين الموجودات بحيث يكون كلّ موجودٍ شيئًا بالصّورة سواءً كان ذلك صورة نوعيّة «كالتّمايز بين الأنواع، بين الإنسان والنّبات..» أو صورة شخصيّة «كالتّمايز بين زيدٍ وبكرٍ وعَمْرٍ..»، وعلى كلّ حالٍ فإنّ شيئيّة الشّيء التي بها يكون شيئًا مقابل غيره من الأشياء بصورته لا بمادّته، فبما أنّها قالت: ”ابتدع الأشياءَ“ فمحط النّظر في الابتداع هو عالم الصّور التي يكون بها الشّيء شيئًا، هذا هو الأمر الأوّل.
الأمر الثّاني: التعبير بلام الاستغراق.
أنّها عبّرت بالألف واللام المفيد للاستغراق، ”ابتدع الأشياءَ“ أي أنّ جميع الأشياء خضعت من حيث شيئيّتها وصورتها النّوعيّة والشّخصيّة إلى الابتداع والاختراع.
ومحصّل هذيْن الأمرَيْن نصل إلى النّتيجة، وهي أنّ مفاد هذه الجملة الشّريفة هو مفاد قوله عزّ وجلّ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ باعتبار أنّه لمّا كانت جميعُ الأشياء مُبْتَدَعَة إذن فصورة كلّ شيءٍ تمتاز عن صورة الشّيء الآخر، إذ صورة كلّ شيءٍ مُبْتَدَعَة -أي: مُبْتَكَرَة- وليس لها شبيهٌ وليس لها سنخٌ، ”ابتدع الأشياءَ“ أي أنّ جميع الصّور التي يكون بها الأشياءُ أشياءً هي مُبْتَدَعَة ومُبْتَكَرَة، فلا يوجد تسانخٌ ولا يوجد اشتراكٌ ولا يوجد اتّحادٌ بين صورةٍ وأخرى، بل كلّ صورةٍ مخالفة ومغايرة للصّورة الأخرى.
فلأجل ذلك كان هذا من آياته جلّ وعلا، ومن دلائل عظمته جلّ وعلا أنّه برأ هذا الكون كله من دون أنْ يكون هناك شبهٌ أو تسانخٌ بين شيءٍ وشيءٍ، بل جميع الأشياء مختلفة بلحاظ صورها النّوعيّة والشّخصيّة، ”ابتدع الأشياءَ لا من شيءٍ كان قبلها“ وهذه المباينة والممايزة بين الصّور النّوعيّة والشّخصيّة التي عبّر عنها تعالى في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ دليلٌ على عظمته وإبداعه وقدرته جلّ وعلا، ”ابتدع الأشياء لا من شيءٍ كان قبلها“.

المعنى الثالث: الحدوث الذاتي للعالم.
من المعاني التي يمكن استجلاؤها من هذه الخطبة الشريفة أنْ يقال بأنّ هذه الفقرة ناظرة لحدوث العالم حدوثًا ذاتيًا لا حدوثًا زمانيًا، فهناك بحثٌ في الحكمة: هل أنّ حدوث العالم حدوثٌ زمانيٌ «أي أنّه مسبوقٌ بعدم زماني» أو أنّ حدوثه حدوثٌ ذاتيٌ «بمعنى أنّه مسبوقٌ بعدم ذاتي لا عدم زماني فشأنه أنّه عين التعلق وعين الرّبط بمبدئه تبارك وتعالى»؟
يمكن القول هاهنا -وإنْ كان هذا المعنى ليس واضحًا بنحوٍ من الوضوح كالمعنيَيْن الأوّلَيْن- أنّ الزّهراء غيّرت التّعبيرَ، فلم تقل: ابتدع الأشياءَ من لا شيء، بل قالت: ”ابتدع الأشياءَ لا من شيءٍ“ ولم تقل: ابتدع الأشياءَ من لا شيء، فتغيير التّعبير من التّعبير العدمي إلى التّعبير الوجودي -إذ لم تقل: ابتدع الأشياء من لا شيء، بل قالت: ”ابتدع الأشياء لا من شيءٍ كان قبلها“- يحتمل أمرَيْن:
الأمر الأوّل: أنْ يكون من باب إبراز نكتةٍ بلاغيّة ليس إلا، باعتبار أنّها لو قالت: ابتدع الأشياءَ من لا شيء، لربّما ورد إشكالٌ بأنّ العدم لا يكون مادّة للوجود، فكيف يصحّ أنْ يقال: «ابتدع الأشياءَ من لا شيء» والعدم لا يصلح مادة للوجود؟! فمِنْ أجل رفع هذا المحذور غيّرت التّعبير مِنْ «لا شيء» إلى «لا من شيء»، محتملٌ.
ويُحْتَمَلُ أمرٌ آخر: وهو أنّ تغيير التّعبير: ”ابتدع الأشياءَ لا من شيء“ للإشارة إلى الحدوث الذاتي للعالم لا إلى الحدوث الزّماني باعتبار أنّه أرادت أنْ تقول بأنّ هذا العالم... لا نقصد العالمَ المادّي، إذ لا إشكال في حدوث العالم المادّي حدوثًا زمانيًا، وإنّما المقصود مبدأ الوجود، أي من أوّل صادرٍ في الوجود، وهو نور محمّدٍ وآله محمّدٍ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى آخر درجات الوجود التّنازليّة.
هذا الوجود بجميع عوالمه التي مرّ بها هذا الوجود لم يكن مسبوقًا بعدم زماني، وإلا لصحّ أنْ يقال: ابتدع الأشياء من العدم، أو: ابتدع الأشياء من لا شيء، بل هذا الوجود بتمام مراتبه وتمام درجاته مسبوقٌ بالسّبق الذاتي، أي أنّ الوجود الواجبي لله تبارك وتعالى سابقٌ عليه سبقَ الفيض وليس سابقًا عليه سبقًا زمنيًا، فهو كما يقول الحكماءُ: قديم الإحسان، فبما أنّ إحسانه كمالٌ من الكمالات، وهو تعالى مجمع الكمالات، فهو قديم الإحسان، وقديم الفيض، والوجود حادثٌ عنه حدوثًا ذاتيًا بمعنى أنّه متعلقٌ به تعلقَ الرّبط بطرفه وليس تعلقَ العرض بجوهره، كما يفسّره الحكماءُ ويذكره الحكماءُ في مورده.
والنّتيجة: أنّ قولها : ”ابتدع الأشياءَ لا من شيءٍ كان قبلها“ يؤكّد لنا ما ذكرناه في بداية حديثنا وهو مبدأ النّوريّة ”كلامكم نورٌ“ فكلامهم واحدٌ رغمَ اختلاف درجاته، وكلامهم يحكي عن منبع واحدٍ ولوح واحدٍ وإنْ اختلفت الصّورُ واختلفت االمرايا، ”كلامكم نورٌ، وأمركم رشدٌ، ووصيّتكم التّقوى، وفعلكم الخير“.


المصدر: fajernet.net
السيد منير الخباز

التعليقات (0)

اترك تعليق