مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

السيد نصر الله: الأم هي المصنع الحقيقي الذي يصنع الله تعالى فيه جسداً وروحاً

السيد نصر الله: الأم هي المصنع الحقيقي الذي يصنع الله سبحانه وتعالى فيه جسداً وروحاً وجينات وأخلاق

 تموز 2012- نصوص من كلمة السيد حسن نصر الله في احتفال تكريمي أقامته مؤسسة الشهيد لأبناء الشهداء بمناسبة تخرّجهم
 
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، السادة والسيدات الأخوات والأخوة.. السلام عليكم جميعاً ورحمة الله بركاته.
أود أن أبدأ في هذه المناسبة الجليلة من حديث شريف قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) في وصيته وهو على فراش الموت موت الشهادة، رواية يرويها عن رسول الله(ص) ويقول: فقد سمعت رسول الله(ص) وهو يقول:"من عال يتيماً حتى يستغني أوجب الله له ذلك الجنة، كما أوجب لآكل مال اليتيم النار".
[...]
زوجات الشهداء لهنّ الفضل الكبير في تربية أبناء الشهداء
اليوم نحن نلتقي هنا ويحتضن حفلنا ما يقارب 220 شاباً وشابة من أبناء وبنات شهدائنا وفي هذا تتويج مرحلة الرعاية والعناية والكفالة، هذه المرحلة تآزرت عليها وتعاونت جهود وبالتالي هي متعددة الفضل والأوجه. لو أردت أن أرتب لأقول: بداية الفضل يعود لزوجات الشهداء، يعني أمهات أيتام الشهداء وكثير من هذه الزوجات كنّ في ريعان الشباب، في زهرة الشباب عندما استشهد أزواجهن وكثير منهن أصررنَ على أن يتحملنَ هذه المسؤولية الكبيرة في غياب المعيل وهي تربية هؤلاء الأيتام وإعالة هؤلاء الأيتام. وأم الأيتام، يعني زوجة الشهيد هي من مصاديق الحديث الشريف الذي تحدثت عنه وذكرته قبل قليل، وأنا أعرف الكثير من الزوجات المباركات الكريمات، وكم تحملنَ وضحّينَ من أجل أن يحفظن هؤلاء الأيتام من شباب وشابات، من أطفال وبنين وبنات، وبالتالي ليتم تقديمهم لهذه الأمة ولهذا الشعب وللمسؤوليات الجديدة. العائلة والجد والجدة ومحيط العائلة أيضاً هم يأتون أيضاً في نفس الدرجة ولا أريد أن أضع  (ترتيباً) أول وثاني وثالث وهذا صعب ولأن  الموضوع يتفاوت أيضا ، فهناك أجداد تحملوا مسؤوليات في بعض الحالات وقد تكون أكبر، وليس هناك شك أنه لما يستشهد الزوج هناك مسؤولية خاصة ومسؤولية مشتركة، وأستطيع أن أقول بحسب متابعتنا الاجتماعية أنها مسؤولية معقدة، لكن إخلاص الأجداد والزوجات استطاع أن يربي هذه الأجيال. [...]
دائماً كانت السياسة والتوجه العام أننا نريد أن يظل أيتام الشهداء في البيوت وفي عائلاتهم وأن لا يذهبوا إلى مدارس داخلية، وطبعا هذا لا ينتقص من المدارس الداخلية شيئاً وهي خيار لا بد منه نتيجة الظروف المعيشية والاجتماعية ويجب أن يقدم لها كل الدعم وكل المساندة، لكن من الناحية النفسية والتربوية والعاطفية ودائما وأبداً ـ وهذا ما تؤكد عليه الشرائع السماوية وخصوصا الإسلام والعلم الحديث في هذا الاختصاص-  أن يعيش الابن والبنت في كنف أمه وفي جوار أخوانه وأخواته وفي رعاية الجد والجدة والعائلة والأرحام. دائما كان هذا هو الهاجس وكل الذين ذكرتهم قبل قليل تساعدوا وتعاونوا لتنجح هذه السياسة، بمسؤولية زوجات الشهداء، يعني أمهات الأيتام، والأجداد والجدات والمؤسسة والكفلاء تمكنّا من تطبيق هذه السياسة بنسبة كبيرة جداً جداً، ولذلك عندما نقدم اليوم جيلاً من أيتام الشهداء نقدم جيلاً من الشباب والشابات الذين يمتلكون كامل المواصفات الطبيعية بل المتقدمة، وهذا يمكن معرفته (...) فهؤلاء الأيتام أبناء الشهداء وبنات الشهداء الذين بلغوا هذه المرحلة أين هم الآن، وماذا يفعلون، وماذا يقدمون لمجتمعهم ولشعبهم ولأهلهم ولبلدهم، وحصلنا على هذه النتيجة الممتازة، أصبح لدينا جيل من أبناء الشهداء وبنات الشهداء يكبرون ويدرسون وينجحون ويتخرجون ويعملون ويواصلون حياتهم الطبيعية ويكملون المسير.
(...) أضيف إلى الحديث الذي قرأته في البداية حديثين آخرين مرويين عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم للتأكيد بأنّ الرعاية والكفالة والعناية التربوية والكفالة المالية هي جزء من مشاركة الجهاد وجزء من العمل المقاوم وهي من الأعمال التي لها مكانتها العظيمة عند الله سبحانه وتعالى ولها عاقبتها الجليلة يوم القيامة. عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: "من عالَ ثلاثة من الأيتام كان كمن قام ليله وصام نهاره وغدا وراح شاهرا سيفه في سبيل الله (كمقام العابد المجاهد) وكنت أنا وهو في الجنة أخوين كما أنّ هاتين أختان (وأشار بيده إلى السبابة والوسطى)". تصوروا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول لنا جميعاً من أراد أن يكون في مقام العابدين المجاهدين، من أراد أن يكون أخي في الجنة وفي جواري في الجنة فعليه إعالة ثلاثة من الأيتام ولم يكثّر علينا وقال عشرة أو عشرين أو ألف، هذه بشرى من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لكل الكفلاء.
وحديث آخر فيه بركات أخرويّة، ويدلنا رسول الله على طريق البركات الدنيوية الشخصية، جاء رجل إلى رسول الله يشكو قسوة قلبه (...)، فقال رسول الله(ص) فيما يروى عنه: "أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يَلِنْ قلبك وتدرك حاجتك"، هذا طريق تربوي وفي هذا العالم العلوم العصرية المتخصصة لا زالت تحب حبواً ولا زالت في البدايات، وهذا الكلام منذ 1400 سنة ... يكفي للكفلاء والرعاة، هذه البشرى من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. [...]
للأبناء والبنات أقول لهم كلمة مختصرة (...)، ميّزتكم أنتم أنكم أبناء شهداء وبنات شهداء وهذه ميزة مهمة، وهذا يرتب عليكم مسؤولية أكبر، دائما عندما يعطي الله ميزات يرتب مسؤوليات، وعندما يزداد الإنسان علماً تزداد مسؤوليته، وعندما يزداد غنىً تزداد مسؤوليته وعندما يزداد سلطة تزداد مسؤوليته وعندما تكبر مكانته بين الناس تزداد مسؤوليته وهكذا، كل شيء له ميّزة إضافية من الله مقابله مسؤولية وهذه الدنيا مركبة هكذا: "اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل"، وبالتالي هناك مسؤولية أكبر عليكم لأنّكم تنتسبون لهذه الشريحة والفئة الطاهرة النقية المضحية المعطاءة التي هي في أعلى الدرجات عند الله سبحانه وتعالى، درجات الشهداء، وبالتالي أنتم معنيون أن تحافظوا على شرف الانتساب، والحفاظ على شرف الانتساب ليس فقط أن لا نرتكب ما يسيء إلى هذا الشرف بل أن نفعل ما يؤكد وما يعزز هذا الشرف وهذا الانتساب.
أهداف آبائكم الشهداء وقضية ورسالة آبائكم الشهداء هي مسؤولية في أعناقكم، الطريق الذي سلكه آباؤكم الشهداء والحفاظ على هذا الطريق هي مسؤوليتكم وهي مسؤولية عامّة، سيدنا ومولانا وأستاذنا سيد شهدائنا السيد عباس الموسوي رضوان الله تعالى عليه ترك لنا الوصية الواضحة، وصيّته كانت حفظ المقاومة وهذه وصية كل الشهداء كما هي وصية سيد شهداء المقاومة، وجميعاً نحن معنيون بأن نحفظ هذه الوصية، وبالتالي أغلى وصايا شهدائنا هي هذه المقاومة. تعلموا واعملوا وانطلقوا إلى الحياة بروح المحبة والانفتاح والمسؤولية والعمل وكونوا الجيل الذي يحقق آمال وأهداف آبائكم الشهداء.
أن يكون الإنسان يتيماً، أن يولد يتيماً أو أن يصبح يتيماً، لا يمكن لهذا الأمر  أن يشكل عائقا أمام تقدمه وتطوره بل رقيّه في الكثير من الدرجات العالية، ولنا في التاريخ أمثلة: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم وُلِدَ يتيم الأب، وبعد مدة وجيزة من الزمن أصبح يتيم الأم، يعني فتى يتيم الأبوين ولكن هذا اليتيم الذي آواه الله وكفله جده أصبح وبات أعظم مخلوق وسيد الأنبياء والرسل والكائنات.


السيدة مريم عليها السلام اليتيمة التي اصطفاها الله

ونأخذ مثلاً نسائياً: السيدة مريم يتيمة، وعاشت في كنف أمها وكفلها زكريا وترقّت وأصبحت سيدة نساء العالمين والله تعالى اختارها واصطفاها، واختارها لمقام ولمسؤولية جليلة وعظيمة جداً، فليست أي امرأة أو أي سيدة تستطيع في المقام الذي يلقى عليها كلمة الله لتكون والدة للسيد المسيح عليه السلام، وفي فهمنا الديني الإسلامي ـ وكما تثبت العلوم المعاصرة ـ المرأة أو الأم ليست مجرد وعاء، الأم هي المصنع الحقيقي الذي يصنع الله سبحانه وتعالى فيه جسداً وروحاً وجينات وأخلاق وكل شيء.
 في الواقع المعاصر الإمام الخميني ومن عجيب التقديرات أن يولد يتيماً أيضاً بعد أن يقتل أبوه ويمضي شهيداً ثمّ تتوفى والدته بعد سنوات قليلة فيرعاه أخوه الأكبر، ومن هذا اليتيم يخرج أعظم شخصية وصانع أعظم ثورة في القرن العشرين.
إذاً اليتم ليس عائقاً وليس مشكلة أمام إرادة الإنسان وعزم الإنسان وإيمان الإنسان. أقول للشبان والشابات ولعائلات الشهداء ولآباء الشهداء وأمهات الشهداء وزوجات الشهداء: هؤلاء الشهداء وخلال ثلاثين عاما هم من أهم رموز وعناوين هذا الوطن ومن أهم رموز وعناوين هذه الأمّة، هم صنّاع نصرها وصنّاع تاريخها وهم الذين حفظوا وجودها وحفظوا كرامتها.
من خلال هذا الحفل أريد أن أقول لكم ولكل من يسمع: هؤلاء الشهداء كانوا أغلى ما عندنا. يعني نحن حركة مقاومة قدّمت أغلى ما عندها من آباء ومن أبناء ومن أحبة ومن أعزّة ومن أخوة ومن نساء ومن أطفال. كل واحد منّا من عوائل الشهداء ومَن على صلّة عاطفية بعوائل الشهداء وعلى صلة جهادية بعوائل الشهداء، عندما ينظر إلى نفسه يقول نحن في هذه المسيرة قدّمنا أغلى ما عندنا.  [...]
 [...]تحية لكم جميعاً آباء وأمهات الشهداء أبناء وبنات الشهداء الحضور الكريم الكفلاء الكرام وأهل المحبة والجود وفقكم الله جميعا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


المصدر: موقع المقاومة الإسلامية

التعليقات (0)

اترك تعليق