مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

أثر التقنيات الحديثة على العلاقات الاجتماعية والاتصالية للأسرة العربية

أثر التقنيات الحديثة على العلاقات الاجتماعية والاتصالية للأسرة العربية

المقدمة:
شهدت الأسرة العربية تغيرات عديدة منذ النصف الثاني من القرن الماضي في ظل التغيرات الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية بالإضافة إلى تأثير بعض القيم الجديدة. وبالتوازي شهدت هذه المؤسسة تطوراً على مستوى الحقوق والقوانين والسياسات الداعمة لوظائفها باعتبارها وحدة أساسية لتوازن الفرد وتماسك المجتمع وفي نفس الوقت المستفيدة والمحرك الأساسي لاستراتيجيات التنمية المستدامة.
ويقر المهتمون بالشأن بأنّ الأسرة العربية كخلية أساسية في المجتمع تشهد بعض الصعوبات تهدّد تماسكها واستقرارها وتحدث اضطراباً في وظائفها نتبيّنُها من خلال بعض الإشكاليات الأسرية كالخلافات الزوجية والمشاكل العلائقية والعنف الأسري، والاضطرابات المرضية لدى المراهقين والسلوكات الخطرة لدى الشباب كاضطراب السلوكات الغذائية واستهلاك المخدرات وغيرها مما يستوجب وضع سياسات اجتماعية تكون الأسرة محورها.
وتعتبر وسائل الإعلام وما صاحبها من ثورة تكنولوجية وتطور متواصل للأدوات الرقمية من العناصر التي أثرت على الأسرة العربية، فقد تغيرت العلاقة التقليدية للمستهلك لهذه الأدوات وأصبحت وسائل الإعلام، والتي يصعب السيطرة عليها حالياً، ليست أساسية فحسب في حياة الفرد بل ساهمت في إحداث تغييرات على علاقات الفرد بأسرته وعلاقات الأسر بالمجتمع.
كما ساهم هذا التطور في تعقيد الإشكاليات القديمة المرتبطة بوسائل الإعلام التقليدية خاصة في ما يتعلق بحماية الطفل من التعرض إلى محتويات خطرة وتأثير تلك المحتويات على تنشئته، وعلى حماية الأسرة من مخاطر الإعلام غير الموجه.
فما هي أبرز الوسائل الاتصالية الحديثة؟ وما هو تأثير هذه الوسائل على العلاقات داخل الأسرة وعلى علاقاتها الاجتماعية والاتصالية؟ ما هو دور الأسرة في مجال الإحاطة بالأبناء؟ وما هي وسائل الإحاطة بالأبناء؟ ومن هي الأطراف المساندة لعمل الأسرة؟ سوف نحاول الإجابة عن كل هذه التساؤلات من خلال العناصر التي سوف نتناولها بالدرس ضمن هذه الورقة.
ملامح الحداثة في الأسرة العربية:
حافظت الأسرة العربية على منزلتها كخلية أساسية في النسيج المجتمعي باعتبارها القاعدة الأساسية والفضاء الأفضل الذي يجد فيه الفرد الحماية ويتلقى فيه التنشئة النفسية والاجتماعية والعقائدية، رغم ما شهدته خلال العقود الأخيرة من تغيرات عميقة في تركيبتها وفي طبيعة الوظائف والعلاقات داخلها والمرجعيات والقيم التي تستند إليها.
ويندرج تناول موضوع علاقة الأسرة بوسائل الإعلام الحديثة ضمن الدراسات التي تناولت موضوع الأسرة العربية والحداثة من زوايا متعددة، وقد أدرج هذا المصطلح، أي الحداثة، لتفسير البنى الجديدة والسلوكيات المكتسبة للأسرة العربية في تكوينها وأدوارها والعلاقات داخلها ووظائف أفرادها. ورغم صعوبة تحديد معايير مدققة للحداثة تتفق عليها الأغلبية نظراً لاختلاف المرجعيات لتحديد هذا المفهوم، فإنّ استعمال وسائل الإعلام الحديثة يعتبر أحد مظاهر الحداثة من طرف العديد.
ولا بدّ من التأكيد هنا على أنّ وضع الأسرة العربية من الحداثة مرتبط بوضع المرأة، كما أنّ للأم داخل الأسرة دور يسمح لها بالتأثير على عملية تشكيل المواقف والسلوكات المعيشية داخلها، وأنّ للشباب من الجنسين الذين عادة ما يكونون متقدمين على آبائهم وأمهاتهم دور في مواكبة العصر والتفاعل مع متطلباته.
وتبيّن نتائج الدراسة، التي أنجزها قطاع الشؤون الاجتماعية بجامعة الدول العربية حول "الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية لأفراد الأسرة العربية بين الواقع والتحديات" الصادرة سنة 2008، أن نسبة الذين يقرؤون الصحف والمجلات يوميا لا زالت منخفضة فهي 22% عند الذكور و19% عند الإناث، وأنّ نصف الشباب تقريباً يستمعون إلى الراديو يومياً.
ويُعدّ التلفزيون أكثر الوسائل الإعلامية انتشاراً بين الشباب حيث ترتفع نسبة مشاهدته بين الجنسين مقارنة بسماع الراديو أو قراءة الصحف والمجلات.
مؤشرات تكنولوجيا الاتصال بالدول العربية:
بالرغم من الإنجازات الهامة التي تحققت في الدول العربية على صعيد التعامل مع تكنولوجيا الاتصال والشبكات الرقمية، فإنّ الفارق بينها وبين الدول المتقدمة كبير. وتُبين أرقام الدراسة العربية المذكورة أعلاه أنّ مستخدمي الأنترنيت بالدول العربية بلغ معدله سنة 2005، 88شخصاً لكل 1000 من السكان مقابل 185 لدول أوروبا الوسطى والشرقية و525 للدول ذات الدخل المرتفع.
والثابت أنّ الأسرة العربية قد انخرطت في حركة بناء مجتمع المعلومات، فقد غطت شبكات الاتصال الحديثة أعداداً من الأسر يتزايد عددها يومياً، ليصبح التعامل مع الأنترنيت في البحث عن المعلومة أو التراسل أو غيرها من الاحتياجات عنصراً جديداً في المشهد اليومي للأسرة العربية.
ويبقى هذا الانخراط دون المستوى المأمول، وهو أيضاً متبايناً جداً من بلد إلى آخر، إذ نسجل أسبقية هامة ونوعية لدول الخليج العربي التي وصلت مؤشراتها إلى مستويات أرفع من بقية الدول مثل "معدل الحواسب المتصلة بالأنترنيت" أو "تطور البنية الأساسية"...
وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة للمعلومات والاتصالات:
شهد النصف الثاني من القرن الماضي، وخاصة العقدين الأخيرين، منه ثورة كبيرة في مجال الاتصال تجاوزت الحدود الجغرافية للبلدان والقارات، وقد ساهم في ذلك استخدام الأقمار الصناعية المتعددة للبثّ الفضائي، وتطور شبكات الهاتف وشبكات المعلومات وإنتاج وترويج أجيال من الحواسيب، وظهور تكنولوجيا الوسائط المتعددة، وتكنولوجيات الاتصال التفاعلي.
كما طوّرت وسائل اتصالية لها قدرات وخصائص تكنولوجية كبيرة لم تكن متوفرة لدى الوسائل الاتصالية التقليدية، ولعل أهم هذه الخصائص التي تتميز بها هذه الوسائل الاتصالية الحديثة هي امتلاكها لأدوات تفاعل بين أطراف الاتصال أي المرسل والمستقبل. وفي مقدمة هذه الوسائل نذكر شبكة الأنترنيت وقدرتها على النقل الحي والسريع للمعلومات، واستخدامها للوسائط المتعددة كالصوت والصورة الثابتة والمتحركة، وتبادل الرسائل بين أطراف العملية الاتصالية، والجمع بين خصائص وسائل الاتصال الشخصي ووسائل الاتصال الجماهيري كالتلفزة والراديو وغيرها من الإمكانيات الاتصالية والتعليمية والمعرفية.
إنّ تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصال، أحدث تحولات عميقة في إمكانيات الحصول على المعرفة والفعل فيها وإشاعتها وغيّر بذاك الدور التربوي للأسرة والمدرسة؛ فاستعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصال في المؤسسة التربوية يسهل العمل التفاعلي، والعمل على مشروع بحثي، والعمل في إطار مجموعات، كما يحدث تغيراً في العلاقات داخل القسم، ويصبح المدرس يلعب دور المرشد والوسيط والمرجع في بناء عمليات تعلم التلاميذ التي أصبحت تتطور بوجود هذه التقنيات الجديدة.
وقد عمق استخدام الوسائط المتعددة عملية التفاعل وطورها ليجعل منها الخاصية الأساسية للمشهد الإعلامي الحديث بمفهومه الشامل، كما جعل من وسائل الاتصال الحديثة كونية وتفاعلية يتم استخدامها من طرف الأفراد والجماعات.
ويعود ظهور التقنيات الحديثة للمعلومات والاتصالات بالأساس إلى الجمع بين الإعلامية والوسائل الاتصالية السمعية والبصرية الحديثة، وهذا الجمع أوجد إمكانيات جديدة هي اليوم بصدد تغيير علاقتنا بالمعلومة والزمن والمسافة. وإن قرّبت من قبل وسائل النقل للمسافات بين البشر والبلدان، فإنّ التقنيات الحديثة للمعلومات والاتصالات تقوم اليوم بإزالة الحدود الجغرافية، وتشكل شبكة الأنترنيت والطرقات السيارة للمعلومات، والوسائط المتعددة والبرمجيات التفاعلية والأقراص المضغوطة مجتمعة ما نطلق عليه عادة مصطلح التقنيات الجديدة للمعلومات والاتصالات.
وتستعمل التقنيات الحديثة للمعلومات والاتصالات اليوم من أجل معالجة المعلومات وتحويرها وتبادلها، وبالأخص منها المعطيات الرقمية، وهذه الأدوات التواصلية لم تسمح بتحسين الممارسة الإعلامية فقط بل طورت حلولاً جديدة في العديد من المجالات التربوية والمعرفية ساعدت على مواجهة متغيرات الواقع.
وعلى الرغم من الاهتمام الكبير الذي تحظى به دراسة تأثير الوسائل الاتصالية الحديثة بصفة عامة وتأثير شبكة الأنترنيت بصفة خاصة في الدراسات الأجنبية، إلا أنّ مثل هذا الاهتمام لا يزال تناوله محتشماً في الدراسات العربية، ولعل هذا ما يدعو إلى مزيد من الاهتمام والبحث في تأثيرات استعمال هذه الأدوات على الفرد وعلى الأسرة بالخصوص.
تطور وسائل الإعلام ومجالات استعمالها:
إنّ التطور الكبير لعدد مستعملي وسائل الإعلام الحديثة حديث تمّ على امتداد العشر سنوات الأخيرة، كما يعود تطور الشبكات الاجتماعية إلى الثلاث سنوات الأخيرة فقط، وهذا الأمر يجعلنا نطرح تساؤلات تتعلق بمصير وسائل الإعلام التقليدية في ظل ما نشهده من تطور سلوكات استهلاكية جديدة كاستعمال الأنترنيت والاستماع إلى الراديو أو مشاهدة التلفزيون في نفس الوقت.
وتظهر دراسة فرنسية أنّ استعمال الشباب للأنترنيت يتطور بصفة مذهلة في اتجاه استعمال الشبكات الاجتماعية على حساب بقية الأنشطة البحثية والتعليمية.
فمن بين مجموع 10 ملايين منتدى (blogs) تمّ إحصاءها تبيّن أن 80% منها للمراهقين، وظهر أنّ تبادل الحديث عبر الأنترنيت أو ما يُسمى بـ "التشات"، والمشاركة في الشبكات الاجتماعية العديدة والمتنوعة Face Book, Twiter, My Space, Youtube,… واللعب على الأنترنيت، والبحث عن المعلومة، وتبادل الأفلام المسجلة، أو متابعة برامج تلفزة تمّ بثها (أو ما يعبر عنها بفرجة التدارك)...، تمثل مجموع الأنشطة الأساسية للشباب.
الأسرة ووسائل الإعلام الحديثة:
غيّرت وسائل الإعلام الحديثة حياة الأفراد والأسر والمجموعات، وشمل هذا التأثير الحياة الشخصية والنفسية والاجتماعية والأخلاقية، والسياسية والاقتصادية، ويتجه الباحثون المختصون إلى دراسة التغيرات الاجتماعية والثقافية وتناول وسائل الإعلام الحديثة كبيئة فاعلة في هذا التغيير.
ومن خلال بعض البحوث تؤكد العديد من الأسر أنّ حياتها اليومية لا تفلت من تأثيرات وسائل الإعلام، يمكن أو نتبيّن ذلك من خلال تواجد أكثر من جهاز تلفزة في البيت الواحد وفي أماكن مختلفة كالمطبخ وغرفة النوم... أي في غير الأماكن التي تعوّدت الأسر وضعها فيها، وتوفُر العديد من الألعاب الإلكترونية لدى الأطفال والتي تستهلك مساحة كبيرة من وقتهم، وتتعدد استعمالات الحاسوب فهو أداة بحث ومعرفة وتواصل وترفيه...، وسماع الموسيقى من أجهزة مختلفة، وامتلاك الأطفال والشباب والكبار هواتف جوالة تستعمل لعدة أغراض.
التأثيرات النفسية والصحية والاجتماعية لوسائل الإعلام الحديثة على الأطفال والشباب:
ينعت العديد من المختصين هذا العصر بعصر هيمنة الصورة، وسنتناول بالدرس في هذه الفقرة تأثير الصورة على الطفل أو كيفية تحوّل الصور حقيقة عند الطفل.
لقد اهتمّ العديد من المختصين في مجال على النفس وعلم الاجتماع وعلوم الاتصال بدراسة أثر الصورة على المتلقي، ولقد توجهت الأبحاث بالخصوص إلى دراسة الضغط الانفعالي للصور العنيفة وأساليب التفاعل معها.
ثبت أنّ بعض الصور، ولا سيّما الصور العنيفة، تُحدث ضغط انفعالي شديد لدى الأطفال يظهر في شكل انفعال أو تأثر غير مقبول، كالخوف البسيط أو الخوف الشديد أحياناً، والغصب والانزعاج وحتى التقزز، ولكي يحتمي الطفل من هذه المشاعر المكدرة يقوم بتحويلها بالاعتماد على ثلاث طرق متكاملة وهي: الكلمات والصور الذهنية والترميز على شكل انفعالي حسي حركي، وتكون حاجة الطفل أكيدة إلى شخص يتحاور معه حول ما شاهده، وفي صورة عدم وجود هذا الشخص فإنّ الطفل سيبحث حوله عن طريقة لإعادة بناء مرجعياته؛ لأنّ الصورة كوّنت لديه مرجعيات جديدة لفهم الواقع والتفاعل معه. وتكون عادة جماعة الرفاق أقرب مجموعة سيعمل الطفل على الاقتراب منها والاندماج داخلها وقبول مرجعياتها التي عادة ما تكون غير متوافقة مع مرجعياته الشخصية والأسرية، وهذا القرب من جماعة الرفاق يجعله في نفس الوقت يفقد حرية اتخاذ القرار ويقبل بقراراتها، وتصبح بذلك الصور ومشاهد العنف التي يتعرض لها الطفل والشاب أكثر وقعاً وقبولاً في نفسه باعتبار أنّ كل مجموعة أنداد تحمل ضمنها عناصر مهيأة تجعلها أكثر استعداداً لاستبطان العنف.
مَنْ هم الأطفال الأكثر عرضة للتأثّر بالعنف؟
لقد ثبت تأثير مشاهد العنف على الأطفال ضمن العديد من الدراسات، وقد بيّنت دراسة أمريكية (Columbia University) أنّ الأطفال الذين يشاهدون التلفزة أكثر من أربعة ساعات في اليوم، وعمرهم خمس سنوات، هم معرضون ليكونوا عنيفين عندما يصبحون كهولاً، خمس مرات أكثر من الأطفال الذين يجلسون أقل من ساعة في اليوم أمام التلفزة. ومن ناحية أخرى أثبتت دراسات أنّ التعرض إلى مشاهد عنيفة لا يمكن أن يكون المتغير المؤثر الوحيد على سلوك الطفل، فقد تبيّن لدى عينة من الأطفال يشاهدون نفس البرامج بنفس عدد الساعات لا يلجؤون إلى أساليب عنيفة لحلّ مشاكلهم نظراً لتدخل عناصر مؤثرة من المحيط الأسري والتربوي في اتجاه إبداء "دعم سلبي" للسلوك العنيف.
وإذ ثبت تأثير وسائل الإعلام الحديثة على التطور النفسي والاجتماعي للأطفال والشباب فالضرورة تحتم على الأولياء إيلاء المسألة الاهتمام اللازم، ومناقشة الموضوع مع المختصين وتحديد استعمال الأطفال لمختلف هذه الوسائل: الراديو، والتلفزة، والأنترنيت، وبعض أنواع الموسيقى وألعاب الفيديو حسب أعمارهم، وهذا لا يمنعنا من ملاحظة أنّ الطفل العربي عموماً ودون تعميم، باعتبار الاختلافات الموجود بين الأطفال من حيث الانتماء الأسري والجغرافي والعمري، ما زال بحاجة إلى عديد الوسائط التي تؤهله لبناء علاقة إيجابية وبنّاءة مع المعرفة ومع المعلومات التي يستهلكها.
ما هي وسائل الاتصال الحديثة الأكثر تأثيراً؟
يعتبر جهاز التلفزة المادة الاستهلاكية الأكثر رواجاً في العالم، فقد تبين من خلال بعض الإحصائيات (Robert Lamb, “The Global Audio-Visual Media Landscape”) أنّ سبعة من مجموع عشرة أسر في العالم يمتلكون جهاز تلفزة.
تلعب التلفزة أدواراً متعددة داخل الأسرة، فهي رفيقة للأشخاص المتبقين بالبيت كالأطفال الصغار مثلاً وكبار السنّ والأشخاص غير المشتغلين...، وهي نافذة تفتح على العالم الخارجي، وهي كذلك ولفترة غير بعيدة، قطب تجتمع حوله الأسرة لمشاهدة المسلسلات ومتابعة الأخبار. ورغم افتقارنا لإحصائيات عربية في هذا المجال فإنّ جملة من المعطيات المتوفرة تنبئ بأنّ هذه العادات والاتجاهات بدأت تتغير لأنّ استعمال هذه الوسيلة أصبح يخضع للاختيارات الشخصية، وأنّ استهلاكها أصبح فردياً مما يعني أنّ فرص اجتماع كل أفراد العائلة أمام التلفزة مع بعضها قد تقلصت.
ورغم افتقارنا لمعطيات خاصة بالمنطقة العربية في هذا المجال فإنّ الوضع لا يختلف كثيراً عما هو عليه في الغرب باعتبار أنّ الظاهرة تكتسي بُعداً عالمياً، إذ بيّنت دراسة كندية أُجريت حول الموضوع أنّ معدّل عدد الساعات المخصصة لمشاهدة التلفزة تتراوح بين الثلاث والخمس ساعات في اليوم. وقد اعتبرت المشاهدة المطولة للتلفزة كأحد المسببات الرئيسية لتطور عدد الحالات المرضية كالسمنة وتقلص حجم الأنشطة الحركية الجسمية لدى الأطفال والكهول. كما تقلصت العديد من الأنشطة العائلية التي يساهم في إنجازها الكبار والصغار، كتدريب الأطفال على الاعتناء بالحديقة أو القيام ببعض الأشغال التي لها الأثر الإيجابي على تنشئة الطفل وتعويده على المساهمة والمشاركة الإيجابية في المسائل الأسرية، أو حتى التمتع بوقت حر.
ويؤثر المستوى الثقافي للأسرة على عدد الساعات التي يقضيها كل فرد من أفرادها أمام التلفزة أو في الألعاب الالكترونية، وكذلك في اختبار أنواع البرامج، وأنواع الأفلام، وأنواع الموسيقى،...
تأثيرات التلفزيون على العلاقات الاجتماعية:
إنّ المشاهدة التلفزيونية في معظم البلدان العربية تحتل المراتب الأولى في الممارسات أو الاهتمامات الثقافية لعامة الناس وخصوصاً للأطفال واليافعين الذين تبلغ نسبة مشاهدتهم للتلفزيون أربع ساعات في اليوم، مما يشكل تأثيراً سلبياً محتملاً على ملكات التحصيل المعرفي عند الناشئة وعلى قدرات التخيل لديهم. وتؤكد عديد الدراسات الميدانية التي أجريت بالخصوص في فرنسا أنّ الطلاب المدمنين على مشاهدة التلفزيون أكثر من أربع ساعات يسجلون نتائج مدرسية ضعيفة ويعدون الأكثر تعرضاً لأمراض السمنة، فضلاً عن كونهم مطالعين كسالى. لذا لا يجب اعتبار أنّ حالات الإدمان التلفزيوني تخص المنطقة العربية، إذ تُفيد دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأميركية على عينة من الأسر الأمريكية أنّ معظم المستجوبين صرّحوا أنّ النشاط العائلي الوحيد الذي شاركوا فيه خلال الأسبوع يتمثل في مشاهدة التلفزيون.
ويصف عدد من الباحثين ثقافة التلفزيون بـ "ثقافة الجمهرة" التي بدأت تنتشر خاصة مع انتشار المسلسلات والبرامج التلفزية الأمريكية والتي أثارت جدلاً عريضاً في أوروبا. وتمّ الحديث حينها عن حقّ الاستثناء الثقافي لحماية الثقافة الوطنية من أنماط السلوك والتفكير الذي تروّج لها تلك البرامج، ومع عولمة الصورة وانتشارها ومركزيتها تمّ توظيفها لتطويع المتفرّج وتطبيعه مع المحتوى المقدّم.
ومع برامج تلفزيون الواقع الذي نعته بعض الباحثين بـ "تلفزيون بيع الأحلام الجماعية" أو "تلفزيون القمامة" يتم الترويج لثقافة جديدة لا تعتبر العمل والكدّ والموهبة عناصر أساسية لصنع مشروع حياة، بالإضافة إلى التطبيع مع الانكشاف، إذ يتمّ القبول بكشف الذات وانتهاك الحرمات الخاصة دون أية مساءلة، ورغم إنتاج نسخ لهذه البرامج في التلفزيونات العربية إلا أنه لا تتوفر لدينا دراسات عربية جادة تتناول أبعاد "تلفزيون الواقع".
إنّ محاولة تقصي التأثيرات المحتملة لـ "تلفزيون الواقع" على العلاقات الأسرية والاجتماعية تفضي إلى تبيّن مساهمة هذه البرامج بصيغة أو بأخرى في "تنميط إعلامي للعالم" أو "عولمة ثقافية" للمجتمعات الإنسانية والتي تعيش على وقع عصر الصورة التلفزيونية التي أشار إليها عالم الاجتماع الفرنسي "جورج بلاندييه" بلفظة "هيمنة وسائل الإعلام Mediacratie"، وحوّلت هذه البرامج كل شيء قابلاً للفرجة مع الترويج لنمط المجتمع الاستهلاكي التجاري.
كما أصبحت الصورة التلفزيونية ظاهرة اجتماعية كلية تولد أحاسيس متناقضة، واعتبر المختصون والمحللون هذا العصر "عصر سطوة الإعلام Tyranny of Communication" متحدثين عن "صورة تلفزيونية" تتحكم في الذوق الجماعي لأنها أكثر نفاذاً إلى عقل الإنسان وإدراكه ومخيلته وحواسه، فبإمكانها صنع ذاكرة جديدة للمجتمعات تقطع مع ذاكرتها الجماعية التي تشكل أصل هوياتها الفردية والجماعية.
خصوصيات بعض برامج تلفزيون الواقع:
تقدم عدد من برامج "تلفزيون الواقع" نمط تنشئة غير مألوف يزاحم التنشئة المعتمدة في المؤسسة العائلية والمؤسسة المدرسية، بالإضافة إلى الترويج لمبدأ التجسس أو التلصص Voyeurism على الحياة الخاصة وعلى الاختلاط بين شبان وشابات يتم وضعهم في فضاء ضيق كامل فترات النهار.
ويرى أحد المحللين خصوصية في أحد هذه البرامج ربما تفسر نجاحها لدى الشباب، فمشروع مستقبل المشارك يصنع بطريقة مركبة تجعله يأمل ويحلم بالاعتماد على مبادئ فقدت في الواقع كالانضباط والطاعة والعيش ضمن مجموعة والتألق وضمان المستقبل ووجود القدوة.
ويرجع بعض المهتمين أنّ هذه النوعية من البرامج تقوم على إضعاف الانتماء وتفكيك منظومة القيم الاجتماعية، وفسخ الحدود بين الحياة الخاصة والحياة العامة بطريقة تزعزع المرجعيات وتهدد بمحو الذاكرة الجماعية.
وسائل الإعلام الحديثة والمدرسة:
إنّ العلاقة التفاعلية بين المدرسة والأسرة تفرض علينا الحديث عن العلاقة بين وسائل الإعلام والمدرسة. إذ أنّ دور المؤسسة الإعلاميّة لا يقلّ قيمة عن دور المؤسسة التربوية في التنشئة الاجتماعية للفرد إلى جانب المؤسسة العائلية. كما أنّ الوقت الذي يقضيه الطفل أو الشاب في تعامله مع وسائل الإعلام لا يقلّ أهمية عن الوقت الذي يقضيه في المدرسة. وتعوّل المدرسة العصريّة على وسائل الإعلام لتوفير المعرفة. واعتبر الباحثون أنّ الوسائل الإعلاميّة السمعيّة والبصريّة تؤدي وظيفة ثقافيّة وتربويّة حتى بالنسبة إلى من يجهل الكتابة والقراءة ولمن لم يتعلّم في المدرسة، كما أنّ التعلّم عبر هذه الوسائل يحقق في جانب هام منه وظيفة الترويح عن النفس. لذلك فقد اعتبر أنّ المدرسة ووسائل الإعلام يخدمان نفس الأغراض التربويّة ويدعمان دور الأسرة في هذا المجال.
وبالرغم من الاستعمالات المتعددة والمتنوعة لوسائل الإعلام في خدمة أغراض تربوية، فإنّ الجدل يبقى قائماً بين الأولياء والمربين حول الجدوى الفعليّة لوسائل الإعلام في العملية التربويّة. فإلى جانب المردود العلمي والمعرفي، يبدو متأكداً تحديد الجدوى من استعمال تكنولوجيا الإعلام في المنظومة التربويّة، الأسرية والمؤسساتيّة، في البلدان العربية وتحليل الأبعاد الاقتصاديّة لهذا الاستعمال في ظلّ الاختلاف في الإمكانيات المتاحة لكل بلد.
وفي هذا السياق يفترض طرح العديد من الأسئلة: فما هي كفة هذه التكنولوجيا على الأسر وعلى المؤسسة التربويّة؟ والأهم من ذلك ما هي الإمكانيات المتاحة لهاتي المؤسستين لتوفير هذه التكنولوجيا؟ هل أننا نساهم في إنتاج هذه المادة المتوفرة للاستعمال أم أننا مجرد مستهلكين لها؟ وإذا كان هذا الإنتاج أجنبيّاً بالأساس، فما هي انعكاساته الثقافية على جمهور الدارسين؟ وهل تساهم التكنولوجيا في تجذير المتعلم في محيطه الثقافي أم أنّها تمثل تهديداً لهويتنا العربية الإسلاميّة؟ ما هو الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسة التربوية لمساندة مجهودات الأسرة في الإحاطة بأبنائها وحمايتهم من الاستعمال المضر لهذه التكنولوجيا؟
تبدو المؤسسة التربوية مؤهلة أكثر من غيرها لتمكين التلاميذ والطلاب من ثقافة إعلامية تجعل استهلاكه للمادة الإعلامية عامة والإنتاج الثقافي الأجنبي يتسم بالعقلانيّة والنقد. كما أنّ إدراج مادة "التربية الإعلامية" يمكن أن توفر للتلميذ وعياً أكبر بخلفيات وسائل الإعلام في توجيه الفكر والأذواق والسلوك.
تساؤلات حول علاقة الشباب بوسائل الإعلام الحديثة؟
تأسست العلاقة بين المجتمع والوسائل الحديثة للإعلام على أثر التحول الذي شهده الإعلامي العالمي والعربي، فاعتبره البعض مظهر صحي سيمكن عامة الناس من الولوج إلى المعلومة والمعارف بطريقة تضمن السرعة والانسياب لا توفرهما الوسائل التقليدية، متنبئين بقدوم عصر جديد عصر الثورة الرقمية التي ستحول المجتمع إلى جنة رقمية، ومعلنين في نفس الوقت على قرب اندثار عصر القراءة والمطالعة والانطواء على النفس والتبعية العقلية أو الذهنية للأطفال خاصة بعد "استيلاء" عامة الناس على هذه الوسيلة. ولكن المواقف حول هذه الوسائل تبقى مزدوجة غالباً، فهي تارة موضع لوم وتارة أخرى رمز لمستقبل زاهر.
ويبدو أنّ علاقة الشباب بهذه الوسائل هي التي يشوبها التردد والشعور المزدوج من طرف الكبار، فهي في نفس الوقت علاقة إعجاب وانبهار ولكنها أيضاً علاقة يشوبها قلق وجزع. فهل تعرّض هذه الوسائل الشباب لمخاطر قصوى كافتقاد المرجعيات، والتبعية الافتراضية، وافتقاد الروح النقدية؟ أم أنّ هذه الثورة الرقمية ستؤثر إيجابياً على مستقبل الأطفال والشباب بما توفره من إمكانيات معرفية وتعليمية.
إنّ قناعة العديد تتجه نحو تشجيع الشباب على التعامل مع هذه الوسائل الجديدة التي تداخلت استعمالاتها وتشابكت باعتبارها أداة للتنشئة، ومجمع للمهارات وناشر للثقافات، وهي كذلك مجال للإبداع ومدعّم بيداغوجي فعّال لا يمكن إنكارها. ولكن هذه التأثيرات الإيجابية تبقى هشّة معرّضة للتشكيك عندما يُساء استعمالها لدرجة ولدت هوّة كبيرة بين مستعمليها من الشباب خاصة وبين جيل مستعملي القلم.
الشباب في قلب الثورة الرقمية:
يحتل الشباب المرتبة الأولى ضمن قائمة المستهلكين والمستهدفين بالأنترنيت لذلك فهم في قلب الثورة الرقمية كما يقول المختصون. وتبين المؤشرات أنّ أكثر من ثلث مستعملي الأنترنيت هم شباب تتراوح أعمارهم بين 16 و24 سنة. فهذا الجيل الرقمي digital generation  حسب دراسة بريطانية، يُقضَى 800 ساعة سنوية بالمدرسة، و80 ساعة نقاش مع العائلة، و1500 ساعة أمام الشاشة وهو تغيير يعتبره الباحثون من العلامات العميقة للتغيرات السوسيولوجية للمجتمعات العامة.
لماذا يتبنى الشباب الوسائل الحديثة للاتصال؟
يتبنى الشباب الوسائل الحديثة للاتصال لأنها تحمل العديد من صفاته وتتفق مع أسلوب حياته، فهم متحركون مثلها، يستعملونها دون الحاجة إلى كابل توصيل، وهي أيضاً أدوات تفاعلية، بالإضافة إلى أنها تمنح فضاء يوفر الشعور بالحرية. فكل هذه العناصر تفسر نجاح هذه الأدوات لدى الشباب.
تقول الباحثة Florence Hermelin أنّ الشباب يفضلون استعمال شاشة الأنترنت لأنها تحميهم من نظرة الآخر وتحررهم من كل الموانع لاكتشاف العالم وتصبح مؤتمنة على الأسرار، وهي أيضاً الحاجب الذي يحمي من كل التجاوزات الانفعالية ويمكّن من تطوير العلاقات مع الآخر دون التعرض للأخطار القريبة. وإذا اعتبر الكهول الأنترنت مصدراً للمعلومات والمعرفة فهي بالنسبة للشباب مجالا للتعارف والتواصل.
وتعتبر المرحلة التي يتحصّل فيها الطفل على هاتفه الجوال الخاص علامة واضحة للاستقلالية الموهوبة من طرف الأولياء ولكنها في نفس الوقت مظهر للرابط الجلي بين الأبناء بالآباء. وهذا "الحبل الرقمي" أو "التطويق الرقمي" حسب المختصون في علم الاجتماع رمز للانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة المراهقة التي تتميز بالسعي إلى بناء علاقات جديدة خارج الدائرة الأسرية.
ويؤكدPierre Coslin  أنّ جيل الهاتف الجوّال 12- 24 سنة يجد في هذا الجهاز وسيلة للتعبير عن حاجتهم للصدقات والألفة والحرية والاستقلالية، فتجدهم حاضرون جسدياً في مكان ما، ولكنهم وفي نفس الوقت يعيشون في فضاء يجهل الحدود والزمان. وتمكّن الأنترنت الشباب من بناء علاقات كثيرة تجهل الحدود انطلاقاً من البيت ولكنها علاقات مع أشخاص خارج النطاق العائلي، وهذا السلوك يطوّر حالة من الانفصال السلسة وغير الواعية عن الأسرة.
مخاطر الأنترنت:
تحمل الأنترنت مثل بقية أدوات التواصل الحديثة جملة من المخاطر. فقديماً مكّنت آلة الطباعة البشر، عن طريق توفير عدد كبير من نسخ للكتب والمخطوطات، من الاطلاع على ثقافات وبلدان مختلفة، كما مكنت صناعة السينما منذ القرن الماضي من إنتاج أفلام اعتبرت تحف فنيّة، ولكنها وفي نفس الوقت تمكنت هذه الصناعة من تطوير وترويج، بطريقة لا مثيل لها، الأفلام الإباحيّة وأفلام العنف.
إنّ تربية الأبناء في أحد مظاهرها تدريب على مواجهة المخاطر اليومية، كتعويد الطفل على "عدم لمس النار لأنها تحرق" و"النظر إلى اليمين وإلى اليسار قبل قطع الطريق"، ويمكن أن تندرج التربية على استعمال الأنترنت في هذا السياق. ومن أهم المخاطر التي يمكن أن تهدد الأطفال نذكر:
- مخاطر التقاء بأشخاص يمكن أن يكوّنوا خطراً نفسياً أو اجتماعياً على الأطفال، ويعتبر الحديث مع الأطفال في هذه المواضيع مهم جدّاً، فحاجة الأطفال إلى مناقشة هذه المسائل في إطار يوفّر الاطمئنان والتفهّم ويمكنه من تبين الأشياء الحقيقية من الوهمية، وتعوّده على مناقشة لقاءاته مع أولياءه.
- مواجهة مواقع إباحيّة: تعتبر سهولة الولوج إلى هذه المواقع، والرغبة الكبرى للمعرفة والإطّلاع التي تميّز فترة الطفولة والشباب، خاصة في ما يتعلق بالمواضيع المحظورة، من أهم الأسباب التي تجعل معالجة هذا الموضوع يتصف بالصعوبة.
- الجلوس المطوّل أمام شاشة الحاسوب: والذي يمكن أن يتحول إلى حالة إدمان تجعل المستعمل في عزلة عن محيطه العائلي والاجتماعي تؤثر على روابط الانتماء العاطفي والاجتماعي، وتستوجب تدخل الأولياء وإعادة الشاب إلى الواقع.
إنّ أحسن سبل الوقاية في هذا المجال هو ما يتم تمريره عبر العلاقات العائلية والحوار مع الأبناء، واستعداد الأولياء لمساعدة الأبناء مهما كان الوضع الذي يواجهون، بالإضافة إلى أهمية وضع حدود بالنسبة لعدد ساعات الإبحار ونوعية الأشخاص الذين يتم التواصل معهم. إذاً فمسألة وضع الحدود هي مسألة هامة وأساسية في مجال تنشئة الأطفال. وتبقى مسألة المراقبة عويصة في حال عدم مقدرة الأهل على المتابعة بسبب عدم التمكن وغياب المعارف اللازمة.
الإشكاليات المطروحة والحلول الممكنة:
إنّ التطور السريع الذي يعيشه مجال الاتصال والتكنولوجيا الحديثة من شأنه أن يرفع من نسق دور الإعلام في المجتمعات العربية، غير أنه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ البنية التحتيّة للاتصالات التي تمثل أساس الثورة الاتصالية عبر ما تتيحه من استغلال لمختلف التطبيقات والخدمات يجعل من الإعلام مادة سهلة النفاذ والانتشار، هذه البنية التحتية تحتاج إلى دعم أكبر فهي دون المطلوب وخاصة دون مستويات ومعدلات الدول المتطورة مع تفاوت واضح بين الدول العربية فيما بينها. كما أنّ عدد مستخدمي شبكة الأنترنت لا يزال ضعيفاً، ويعود ذلك لارتفاع أسعار الحاسوب الشخصي وأسعار الربط بالهاتف في بعض الدول وضعف التكوين والتدريب على الاستعمال.
أمّا في ما يخص المحتوى فإنه لا يرتقي إلى المستوى المطلوب ويطغى عليه الطابع الترفيهي مع قلّة وندرة في المواقع العربية التي تقدم محتوى إعلاميّاً وعلمياً وثقافياً جيّداً.
ورغم ما تم ذكره، فإنه لا بدّ من تثمين المجهودات الكبيرة التي تقوم بها الدول العربية فيما يتعلق بتعميم تعليم الأنترنت وحسن استغلالها للأغراض تربويّة وتنشيئيّة، وقد تمكنت بعض الدول العربية من تسجيل مؤشرات طيبة في المجال تراوحت معدلات استعمال الأنترنت ضمنها بين 15% و40%.
 كما بدأ هذا المجهود يؤتي ثماره بظهور بعض الصحف والمجلات والمواقع العلمية المتخصصة على الشبكة وهي مواقع عربية جديدة ستتمكن من التواصل مع العالم إذا ما حافظت على جديتها وعمقها.
والحقيقة أنّ المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتيّة ما زال في بداياته ويحتاج إلى تطوير كبير في الشكل والمضمون.
وفي المقابل يبدو أنّ طرق الاستهلاك الجديدة لوسائل الإعلام عن طريق الأنترنت تتدعم فاعليتها شيئاً فشيئاً ولكن مخاطرها حاضرة أيضاً. وفي هذا الإطار يجب أن نميّز بين موضوعين مختلفين الأول يهم حماية الأطفال والشباب من المخاطر التي ذكرتها في الفقرات السابقة، والثاني يتعلق بتربية الأطفال على استعمال هذه الوسائل ودعم قدرات الأسرة للقيام في مجال تأطير وحماية أفرادها.
وتحتّم علينا أولويات التدخل الاهتمام بتربية الأطفال والإحاطة بالشباب وتعويدهم على حسن استعمال هذه الوسائل ليصبحوا فاعلين حقيقيين في مستوى اختياراتهم ومشاركاتهم ومساهماتهم، وكذلك في ما يتعلق بحماية أنفسهم. فالتأثيرات السلبية المسجلة على الجانب الصحي والنفسي، وعلى النتائج المدرسيّة، وعلى العلاقات الأسرية والمجتمعية تحتّم علينا التعجيل في التدخل ووضع استراتيجية متكاملة للتدخل، والابتعاد عن الحلول الجاهزة أو غير المجدية كالمنع والزجر، تيسر الاستفادة من هذه الوسائل.
فالتربية على استعمال التقنيات الحديثة تحمل في طياتها رهانات تكوين شخصي ومعرفي للفرد وتفتح له أفق كبيرة لتطوير علاقة مع نفسه ومع الآخرين ومع المجتمع ككل...
إنّ التربية على استعمال وسائل الإعلام كابح ووسيلة لحماية الأطفال في وقت يبقى فيه الطفل ساعات أمام شاشة الحاسوب أو التلفزة مما يستوجب تدريبه على قواعد حسن التعامل مع المحتويات.
أما في ما يخص تأثير برامج التلفزة على تنشئة الأجيال والعلاقات داخل الأسرة، وانطلاقاً من خلاصات العديد من الدراسات والأبحاث الميدانية والتجارب في هذا الموضوع، فإنّ الواجب يدعونا إلى:
- العمل على إيجاد الطرق الأفضل لبناء علاقة واعية ونشطة بين الأسرة ووسائل الإعلام الحديثة في ظل التعاون مع المنظمات والجمعيات الأهلية.
- إحداث آليات لمتابعة الظواهر الناشئة عن تأثير التقنيات الحديثة.
- وضع برامج تكوين متكاملة تدرّس في المؤسسات التربويّة تهدف إلى تربية الناشئة على التعامل المسؤول مع تقنيات الإعلام الحديثة، وتمكنه من استغلال المنتوج الإعلامي بأسلوب الناقد لا المتقبل السلبي.
الخاتمة:
تواجه الدول العربية تحديات هامة في مجال تكنولوجيات الاتصال الحديث تتمثل في ضرورة توجيه التدخلات لتقليص الفجوة بينها وبين بقية الدول التي انخرطت في مجتمع المعلومات واستثمرته لتحقيق أهدافها التنموية، وتقليص الفجوات الموجودة بين مختلف فئات المجتمع في البلد الواحد، واعتماد مناهج تربوية وتثقيفية تمكّن الشباب من الانخراط الإيجابي في هذا المجال.
لقد تبين من خلال ما سبق أنّ تطور وسائل الإعلام هو تلقائي ومحتوم ومتواصل ولا مفر منه، وأنّ تأثيره على العلاقات الاجتماعية والاتصالية للأسرة العربية لا يمكن إيقافه، وهذا الوضع يحتم علينا تفادي المواقف والتحاليل الكارثية والقيام بتحاليل تتسم بالوضوح والموضوعية لتحديد مناهج العمل والتدخل.


المراجع:
1- "الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية لأفراد الأسرة العربية بين الواقع والتحديات"، المشروع العربي لصحة الأسرة، قطاع الشؤون الاجتماعية، جامعة الدول العربية، 2008.
2- أحمد خواجة، 2005، مقالة حول "تلفزيون الواقع بين الواقع واللاواقع: مساءلات لروابط الصورة التلفزيونية بالتنشئة العائلية والمدرسية.
3- Luc Dupont, Quand la realite depasse la fiction, Ethnologie,vol 29, n1-2, 2007, Universite d’Ottawa.
4- Cossette, Claude, 2001, La publicite, dechet culturel. Quebec, presses de l’Universite Laval et IQRC.
5- Gerbner, George et Larry Gross, 1976, “Living with Television. The Violence profile”. Journal of Communication 28: 176-207.
6- Hallenberger, Gerd, 2004, “TV Fiction in a Reality TV Age”. Studies in Communication Sciences 4(1): 169-181.
7- Serge Tisseron, 2005, L’enfant au risqué des medias, Enfance e psychanalyse, n26.
8- Dayan D., 2003, “Sociologie des medias: le detour par l’ethnographie”, pp. 445-465, in: Moscovici S. Buschini F., eds, Les methods des sciences humaines, Paris, Presses universitaires de France.
9- Moscovici S., 1961, La Psychanalyse, son image et son public, Paris, Presses universitaires de France, 1976.


ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر الأسرة والإعلام العربي: نحو أدوار جديدة للإعلام الأسري 2-3 مايو 2010. الدوحة- قطر.
د. مفيدة العباسي (أخصائية في علم النفس الاجتماعي).

التعليقات (0)

اترك تعليق