مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

أم نزار الملائكة

أم نزار الملائكة

اسمها «سليمة»، لُقّبت بـ «درّة العرب» و «وردة اليازجي»، إلاّ أنّ كنيتها طغت على اسمها وألقابها. وقد سمّتها بنت الشاطىء في كتابها «الشاعرة العربيّة المعاصرة» بـ «سلمى»(1).
ولدت في بغداد سنة 1908 م، وتوفيّت في لندن سنة 1952م إثر عمليّة جراحية اُجريت لها ، ودفنت في العراق .
وهي شاعرة عراقيّة معروفة، تُعدُّ في طليعة الشاعرات العربيات. عالجت في شعرها قضايا سياسيّة واجتماعية وقوميّة عديدة، وحملت لواء الثورة على العادات البالية التي كانت سائدة آنذاك، ووصل صوتها إلى جميع أنحاء العالم العربي. ونشرت لها الصحف والمجلاّت قصائد رائعة تعبّر عن مستواها الثقافي العالي، وطبع ديوانها الأوّل باسم «حديقة الورود» في بيروت سنة 1867م.
وهي مع ذلك كلّه كانت محافظة على حجابها الإسلامي، لم تختلط مع الرجال، ممّا أثار تعجّب الكثير من الادباء آنذاك.
قالت الأديبة بنت الشاطىء: ومن العجب أن تكون أم نزار شاعرة جيلها الثائرة على الأغلال، وهي التي لم تنطلق من قفص الحريم كما انطلقت جميلة العلايلي... صوت اُم نزار ينطلق من وراء الحجاب يُعلن عن الوجود الثوري للشاعرة العربيّه الحديثة(2).
وقالت أيضاً: وفي تراث اُم نزار قصيدة عنوانها «المذياع الصامت» تعبّر عن موقفٍ مثيرٍ، هو صمت المذياع لخلل فيه، وكانت الشاعرة المحجّبة تتصل فيه بالعالم المسحور، قالت:
أيّها الصامت المعذّب روحـي      *      بعدما كنتَ مؤنسي وسميـري
هاج لي صمتك الحزين شجوناً   *     مبهمـات فغـاب عنّي سروري
أتأسى بـالقرب منكَ لعلّ القر    *     ب شافٍ مـن لوعتي وسعيري
وأمني النفس التي فاتها الصبر  *     بـلحن مـن صوتك المسحور
أثقل البحث ساعدي وأضنـى     *     الجهد قـلبي وكـدّني تفكيري
عـلّني أستطيـع عرفان سـرٍّ            غـاب عنّي فتهتُ فـي ديجور
وسجا الليل واعتكر
وتـغيّب بـالسهـر
أجهـد القلب بالفكر

كيف أسلو وللسكون شبوح      *        مـرعبات وللدجـى أوهـام
وحـوالـيّ عـالم يـتنزّى             *        فـي أضـاليله فـلا يلتـام
تتهاوى فيه النفوس فتنهـا        *        ر الأمـاني وللمنايـا ازدحام
وحيالي من اشتباك المآسي   *         غُمـم جَـدَّ جـدُّها وضرام
وفؤادي أبلته أحلامـه الرو         *        ع فـأودت بـسعـده الآلام
وسميري الغرّيد ماذا دهـاه       *        فـتعايى فـمات فيـه الكلام
كيف بي لو طالَ غرّيـدي          *        الصمت وأوفى عليه داء عقام
وهو نايي ومزهري
ونـديمي ومخبري
بـأمانيّ مـعشري
صاحبٌ ثابتُ الـولاء وفـيّ             *     دون اخلاصه وفاء الصحـاب
ليس ينفك مغدقاً حولي البشر     *     مُشَتّتـاً سـآمتي واكتئـابـي
كم صحارى قطعتها بجناحيه         *     وكم جزت عرض طاغي العباب
والأهـازيج بـالسحر الأهـا             *     زيـج وإرنان جَرْسها الـخلاّب
مـنهل سائغ المذاق فُـراتٌ           *     كـم روى غلّتي فـراق شرابي
جفّ سلساله الشهي في القلـ    *     ب مـن لوعـة الظما والعذاب
فأنـا بيـن وحدتـي
وسكونـي ولهفتـي
رهن شجوٍ وحيرةٍ(3)


ومن شعرها ما خاطبت به قلبها الطموح:

فإلامَ يا قلبي الطموح نهيمُ في     *     وديـان أفـكار تـذيق العلقما

لا أنتَ تترك مـا تروم ولا أنـا           *     أرضى بـأن أصغي اليكَ فأسلما
جاوزتَ يا قلبي الحدودَ ألم يحن     *     لكَ أن تكفّ عن الطموح وتسأما


وقالت مخاطبة النساء:

رضيتـنَّ علـى الأسـرِ      *    فـهنتُنّ مــدى العمـرِ
وأمـعنتنّ فـي الصبـرِ       *    علـى غـائلة الـدهـرِ
متـى تــعملنَ لـلإفلا       *    ت مـن أسرِ الشقا العاتي
متـى تفخرنَ بـالماضي    *    متـى تـبسمنَ لـلآتـي
أَلِفْنا الضعـف وارتحنـا       *    لبلــوانــا رضيّــات
فلـم نهـوَ مـن الدُنيـا       *     سـوى ثــوب ومـرآة

وقالت أثناء توجّه الجيوش العربيّة إلى فلسطين سنة 1948 م:

شدّدي الـعنفَ علـى الباغيـن إذلالاً وقهـرا
شدّدي الضيقَ على الطاغين زيدي القيدَ عسرا
لا تلينـي لأفاعـي أمـعنت لـدغـاً وغـدرا
لا تـرقّـي للمضلّيـن وإن جـاؤك أســرى
دمّـريهـم حطّمـي طغيانهـم حتـى يخـرا
أرهـقيهم أبـدلي أحـلامَهـم يـأساً وخسرا
جـرّعيهـم أكؤسـاً مـن بغيهم تـطفح مرّا
إمنحيهـم مـن فـلسطين عنــاءً مُستمـرا
* * *
اُم ّـة البـأسِ أعيـدي ربـواتَ البأس حُمـرا
أطبقـي الكفيـن هـدي الـرجس تقتيلاً ودحرا
لا تـرّقـي لصهايين عنـوا فـي القـدس شرّا
أبعـدي الرأفـة عـن أفئـدة تـطفح طُهـرا

لـيس للـرأفة بـعد الآن أنْ تـعقب خيـراً
قـتلّيهـم فـالأذلاء يـرونَ الليـنَ خـسرا
أظهـري الحقّ علـى البـاطل تبياناً وزجرا
ليس مـا تأتين إلاّ النبـل والعـدل الأغـرا
اُذكري الأهوال تنهال علـى الساحات سكرى
اُذكري الأطفال تتسـاقـط ارهابـاً وذُعـرا
اسـألي القـدسَ يُـنبئكِ بمـا كـان ومـرّا
اسأليه مسجـداً مستـرهقاً يـشكو وديـرا
اسـألي العتمـة والليـل الـدجى المكفهرا
اسألي الأشـلاء فـالأشلاء بـالقصةِ أدرى
كـيف مـرّ الدهر بالقدس وكيف ارتد نُكرا
كيف رَفّت ومضـات النور بالساحةِ حيـرى
* * *
عاصفٌ سـوف يعـمّ السـوح تصخاباً وذُعرا
عاصفٌ سوف يحيل الكون ـ أما اهتيج ـ قفرا
أي فـلسطين ألا فـلينبشوا نـابـاً وظفـرا
ولـيمدّوا شـركَ الطغيـان طيّـاً ثـم نـشرا
وليمنـوا طـغمة الشـذاذ فـي القدس مقـرا
لـيس مـن شأن دمـاء العُرب أن تذهب هدرا
* * *
لـن تكونـي كـعبةَ الاسـراءِ للعادين وكـرا
لـن تـصيري للمغيـرين على الأمجـادِ جسرا

أنتِ سجّلتِ علـى غـرةِ بـأسِ العـرب سفـرا
أنـت وطّـدت علـى الأمجـادِ حصنـاً مشمخرا
أنتِ أنـتِ النصـر والعـزة أنـتِ النيـل طُـرا
فليصمـوا مسمـعَ الـدنيـا تفاهـات وهجـرا
* * *
مَـنْ أبـاحَ الغابَ للأغـراب كـي يهديه حكرا؟
مَـنْ دعـا الغربي أن يلعب في الصحراء دورا؟
أيهـا الغـرب دع الغـدر فقـد حملـت أمـرا
خُذ طـريق الحقّ واجنح للهدى واستدنِ غفـرا
كيـف خنتَ القدس فـاستهدفته صدراً ونحرا؟
كيفَ أغريت علـى سكـب الـدم الطاهر غدرا؟
هـذه الدارُ لهـا أهـلٌ أرادوا الـعيش نضـرا
هذه السوحُ فـراديـس سَمـت عِـزاً وطُهـرا
هـذه الجنّـات كـانت للهـدى مغدى ومسرى
كيف تنصـاع إلـى صهيون أو توليه أمرا؟!
* * *
عـالم الظلـم استفق فـالشرق يـستوقد وترا
طال ليل العبث واجتُثت فـروعُ الصبـر قسـرا
لـم نَعـد نقوى علـى الطغيـان تضليلاً وسترا
سوف تزجيها لظىً حمراء تـصلي الغرب سعرا
كان مـا قد فـات مـن حلم سما بالعرب فخرا
* * *

إنّـه الظلـم يحيـل القلب مهمـا لان صخرا
إنّهـا الغمـرة تجتـاح النهـى ترديه سكرا
* * *
اي فـلسطين وإن عـانيتَ ارهـاقاً وجورا
إنّهـا خـاتمــة الآلام أشجـاهـا ممـرّا
لملمي الأشلاء ولتضفي عـلى الغمـة سترا
ولتجيلي الطرفَ في البيد تري في البيد أمرا
هاهـي الساحات أفواج توالي اثـر اُخـرى
هـاهي الأبطال قد ضجّت إلى الهيجاء حَرى
فلتعديهـا فـلسطين ليـوم إلنصـرِ ذُخـرا
* * *
ساحة الإسراء لـن تلفِي بـكِ الفتنة بحـرا
لا تسائـي لـن يكـون الهدى للشرك مقرّا
أحمدٌ مُنقذكِ الاسمى سيـولي العرب نصرا
فيكِ من أنوار عيسى مـا يـحيل الليل فجرا
وعلـى آفاقِكِ الـزهر سَنـا النصر استقرا
فاملأي الأكواب أضعافاً وردّي السهم عشرا
وامنحـي هـذي الصهايين بقعرِ البحرِ قبرا
أورديهـا مـوردَ الهلكـةِ أو تـرتد حسرى
ادفنيها فـي هـوى الـذلِ وساءت مُستقرا
اقذفيها في جحيم تحشر الغاوين حشرا(4)





____________
1ـ الشاعرة العربيّة المعاصرة: 37.
2ـ الشاعرة العربيّة المعاصرة: 42.
3ـ الشاعرة العربيّة المعاصرة: 43 ـ 44.
4ـ مستدركات أعيان الشيعة 3: 43 ـ 44.


المصدر: الحسون، محمد وأم علي مشكور: أعلام النساء المؤمنات. ط1، 1411هـ.ق.

التعليقات (0)

اترك تعليق