مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

أي حرية نريد للمرأة في مجتمعاتنا؟

أي حرية نريد للمرأة في مجتمعاتنا؟

أي حرية نريد للمرأة في مجتمعاتنا؟
 
إنّ عالم اليوم أفسد نفوس الشباب بشدّة باسم حريّة المرأة وأكثر تحديداً باسم: حريّة العلاقات الجنسيّة. فبَدَلَ أنْ تُساهم هذه الحريّة في رشد الاستعدادات وتفتّحها فقد أخذت بتبديد الطاقات والاستعدادات الإنسانيّة بصورة أخرى تختلف عن الصورة القديمة لهذا التبديد. فقد خرجت المرأة من نطاق المنزل ولكن إلى أين ذهبت؟ إلى سواحل البحار، وإلى أرصفة الشوارع، وإلى قاعات الحفلات الساهرة! لقد هدّمت المرأة -اليوم، باسم الحريّة- الأُسرَة، دون أنْ تبني المدرسة أو تُعمِّر مكاناً آخر وإذا لم أُبالِغ فإنّها قد هدّمت المدرسة وغيرها أيضاً.
فعلى أثر التحلُّل وضياع الحدود الإنسانيّة، انخفض مستوى تعليم الشباب، وهجروا المدارس، وارتفعت نسبة الجرائم الجنسيّة، وقد ازداد الإقبال على دور السينما، وامتلأت جيوب ذوي مصانع أدوات التجميل، وارتفع مقام الراقصين والراقصات على مقام العلماء والمفكّرين والمصلحين بمراتب.
وإذا أردت أنْ تعرف حقيقة هذا الأمر فقارن بين استقبال راقصة ترد البلاد وبين استقبال مُخْتَرِع كبير يرد إليها، وقارن بين ردِّ فعل الشباب في كلا الحالين[1].
المفهوم الثاني: رغم اهتمام الإسلام بخطورة تجاوز حدود العفاف -ومن الواضح أن هذه السنّة الإلهية الطاهرة، سنّة معتدلة ومتعادلة وبعيدة عن كلِّ إفراط وتفريط، وأمّتها الأمّة الوسط-، فهو لم يُغفل الجوانب الأخرى. فلم ينه النساء عن المشاركة في الفعاليّات الاجتماعيّة ضمن حدود المحافظة على النظافة الأخلاقيّة، وقد أوجب مشاركتهنّ في بعض الموارد، كالحجّ، حيث تتساوى المرأة والرجل في تعلُّق الوجوب بهما، ولا يحقّ للرجل أيضاً منعها. كما اكتفى في موارد أخرى بإعطاء الإذن والرخصة. 
نحن نعرف أنّ الجهاد ليس واجباً على المرأة، إلّا حينما تقع بلاد المسلمين مورداً للهجوم وتكون الحرب دفاعيّة خالصة، ففي هذه الحالة -كما يُفتي الفقهاء[2] يجب الجهاد على المرأة أيضاً. 
لكنّه لا يجب في غير هذه الحالة. وقد أذن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للنساء في المشاركة في الحروب عن طريق مساعدة ودعم المقاتلين والمجروحين، ولدينا قضايا كثيرة في تاريخ الإسلام، في هذا المجال[3].
لا تجب على النساء المشاركة في صلاة الجماعة إلّا إذا حضرن، فبعد حضورهنّ تجب عليهنّ المشاركة[4].
لا تجب على النساء المشاركة في صلاة العيدين، لكنّهنّ غير ممنوعات عن المشاركة. نعم يُكره للحسناوات من النساء المشاركة في مثل هذه المناسبات[5].
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصطحب إحدى نسائه في سفره، ويختارها من بينهنّ بالقرعة، كما عمل بهذا المنهج بعض الصحابة[6].
لقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من النساء البيعة، دون أنْ يُصافحهنّ، فقد أمر بإناء فيه ماء، ووضع يده فيه، وأمر النساء بوضع أيديهن فيه، وعدّ ذلك مبايعة[7]. وقد قالت عائشة: إنّ النبيَّ لم تُلامس يده طول حياته يدَ امرأة أجنبيّة. 
لم يمنع النساء عن المشاركة في تشييع الجنازة، رغم عدم وجوبها عليهنّ. وقد رجّح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدم مشاركة النساء في تشييع الجنازة،. ورغم ذلك فقد شاركنَ في بعض الموارد، وصلّينَ على الجنازة في موارد أخرى أيضاً. 
وقد جاء في رواياتنا أنّ الزهراء حين وفاة زينب قد أقامت مع جمع من نساء المسلمين الصلاة عليها[8]. وقد ورد في روايات الشيعة أنّ مشاركة المرأة الشابّة في تشييع الجنازة عمل مكروه شرعاً. وقد نقل علماء أهل السنّة عن أمِّ عطيّة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوصاها بعدم المشاركة في تشييع الجنازة، ولكنّه لم يمنع[9]
رفعت أسماء بنت يزيد الأنصاريّ نيابةً عن نساء المدينة شكوى النساء إلى النبيِّ. روى عنها مسلم بن عبيد: أنّها أتت النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وهو بين أصحابه فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك. إنّ الله عزّ وجلّ بعثك إلى الرجال والنساء كافّة فآمنّا بك وإلهك، وإنّا معشر النساء محصورات قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم وحاملات أولادكم وإنّكم معشر الرجال فُضِّلتم علينا بالجُمَع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحجّ بعد الحجّ وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله عزَّ وجلّ وإنّ الرجل إذا خرج حاجّاً أو مُعتمِراً أو مُجاهِداً حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربّينا لكم أولادكم، فنشارككم في هذا الأجر والخير. 
فالتفت النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه بوجهه كلّه، ثُمّ قال: هل سمعتم مقالة امرأة قطّ أحسن في مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله ما ظننّا أنّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إليها فقال: "إفهمي أيّتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أنّ حُسن تبعّل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته واتّباعها موافقته يعدل ذلك كلّه، فانصرفت المرأة وهي تُهلِّل"[10].
لقد أذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للنساء في الخروج لقضاء الحاجة. وقد خرجت سودة بنت زمعة، زوجة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم من المنزل ليلاً بإذنه صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت سودة امرأة طويلة القامة. ورغم ظلمة الليل شاهدها عمر بن الخطاب فعرفها، وقد كان عمر شديد التعصّب على خروج النساء وكان يُكرِّر توصية الرسول بمنعهنّ، وقال لها: ظننتِ أنّني لم أعرفك؟ كلّا عرفتك، عليك أنْ تتحفّظي في خروجك من المنزل في الآتية. وبعد أنْ رجعت سودة إلى الدار، أخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما حدث، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يتناول طعام العشاء، ولم يُطل الأمر حتى نزل الوحي، فقال صلى الله عليه وآله وسلم :"إنّه قد أُذن لكنّ أنْ تخرُجنَ لحوائجكنّ".
نعم، هذا هو نهج الإسلام الوسط بين الإفراط والتفريط. وكما أشرنا، فالإسلام يُدرك تماماً أخطار الحريّة الجنسيّة الكاملة، ولذا بذل عناية خاصّة في تنظيم العلاقة بين الرجل والأجانب والنساء، فما دام الأمر لم يبلغ درجة الحرج فهو يناصر عزل النساء عن الرجال. 
ففي نفس الوقت الذي يُجيز فيه الإسلام مشاركة النساء في المساجد، يحكم بأنْ لا يكون ذلك سبباً لاختلاط النساء بالرجال، بل يعزل محلّ النساء عن الرجال.
يُنقل أنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أيّام حياته المُبارَكة أشار إلى اتّخاذ باب خاصّ من المسجد للنساء وآخر للرجال. وأشار إلى أحد الأبواب وقال: "لو تركنا هذا الباب للنساء". 
ويُنقل أيضاً أنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أمر بخروج النساء بعد صلاة العشاء من المسجد قبل الرجال. فالنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يرغب أنْ يختلط الرجال والنساء حال خروجهم من المسجد، إذ هذا الاختلاط سبب من أسباب الإثارة. 
ولأجل ذلك أيضاً أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنْ يسير الرجل وسط الطريق وتسير النساء على جانب الطريق[11].
ولقد شاهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النساء والرجال يخرجون معاً من المسجد فخاطب النساء بالصبر والتريّث حتى خروج الرجال، وأمرهنّ بالمشي على جانب الجادّة، على أنْ يمشي الرجال في وسطها[12].
وبهذه المناسبة يُفتي الفقهاء بكراهة اختلاط الرجال بالنساء، فالسيّد الطباطبائي في "العروة الوثقى" المسألة 49، من الفصل الأوّل، يقول: "يُكره اختلاط الرجال بالنساء إلّا للعجائز".
حقّاً إنّ الإنسان -إذا لم يكن شاذّاً- يُسلِّم بأنّ النهج الإسلاميّ هو طريق الاعتدال والتوازن. فرغم أنّ الإسلام بذل غاية جهده للحفاظ على سلامة العلاقات الجنسيّة ونظافتها، فهو لم يمنع أبداً من نمو استعدادات المرأة، بل لقد شرّع الإسلام منهجاً يؤدّي إلى الحفاظ على سلامة الأرواح كما يؤدّي إلى إحكام العلاقات الأُسَريّة وتوثيقها، ويؤدّي أيضاً إلى تهيئة البيئة والمحيط الاجتماعيّ لنشاطٍ سليم يُمارسه كلٌّ من الرجل والمرأة.
إنّ ما يُريده الإسلام ولو على مستوى التوصية الأخلاقيّة هو: الحيلولة ما أمكن دون اختلاط الجنسين. فمجتمعنا المُعاصِر يشهد بأمِّ عينيه الآثار السلبيّة للمجتمع المختلط. فما هي ضرورة أنْ تُمارِس المرأة فعاليّاتها الاجتماعيّة جنباً إلى جنب مع الرجال، وهل أنّ أداءهنّ لأعمالهنّ بشكلٍ مستقلٍّ ومنفصلٍ عن الرجال يؤدّي إلى هبوط مستوى هذه الأعمال؟!.
إنّ أثر الاختلاط هو الانشغال عن العمل، وذلك باهتمام كلٍّ منهما بالآخر، حيث ينتهي هذا الاختلاط غالباً إلى خلط وتكدير لصفو الأجواء.



ـــــــــــ
[1] قبل انتصار الثورة الإسلاميّة بعشر سنين تقريباً، ورد مدينة "طهران" فنّانان إيطاليّان ــ وهما زوجان على الطريقة الطبيعيّة على حدِّ تعبيرهم -لا على أساس القانون-. وقد استقبلهما شباب البلد وشابّاته استقبالاً لا نظير له، وقد انعكس ذلك في الصحف. وقد أطلق الشباب والشابّات في استقبالهما صيحات ونداءات مُدهِشة، للتعبير عن عواطف الحبِّ والإخلاص، بحيث إنّ رؤية الصور الّتي التُقطت لهم في هذه الحالة توحش ناظرها. وقد نشرت صحيفة "اطلاعات" في اليوم الّلاحق مقابلة صحفيّة مع الفنّانين الإيطاليّين "آلباتو وروميانباور" حيث قالا: "لقد أربكت اجتماعات الشباب والشابّات على باب الفندق، والمكالمات الهاتفيّة الّتي أجروها معنا في الفندق، برامجنا اليوميّة. ونحن لم نتوفّر على أنصار بهذا الحدِّ في أيٍّ من البلدان الأوروبيّة والأمريكيّة الّتي سافرنا إليها. وسنكون سعداء إذا امتدت إقامتنا في طهران أكثر من موعدها "الأسبوعين" بعدّة أيام. إذا لم تكن هذه الظاهرة مؤشّراً على السقوط ودليلاً على انحطاط وضياع الأجيال القادمة، فماذا ستكون؟
[2] راجع المسالك، كتاب الجهاد.
[3] راجع كتب التاريخ الإسلامي والسيرة، وراجع أيضاً صحيح مسلم ج5 ص 196-197، وسنن أبي داود ج2، ص17، والجامع للترمذي ص247.
[4] راجع وسائل الشيعة (آل البيت)، ج8، ص 334.
[5] راجع م. ن، ج7، ص 471.
[6] صحيح البخاري، ج7، ص43. وقد ذكر ذلك جميع المؤرخين.
[7] يتفق المؤرخون والمفسرون على هذه الواقعة.وقد ذكرها المؤرخون ضمن وقائع فتح مكة، كما ذكرها المفسرون في التعليق على الآية 12 من سورة الممتحنة.وفي الكافي ج5، ص526.
[8] مستدرك الوسائل، ج 2، ص 288..
[9] صحيح مسلم ج3، ص47، صحيح البخاري ج2، ص94، سنن أبي داود، ج2، ص180.
[10] أسد الغابة، ج5، ص399.
[11] الكافي، ج5، ص518.
[12] سنن أبي داود، ج2، ص658.


الشهيد مرتضى مطهري
fajernet.net

التعليقات (0)

اترك تعليق