مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

لوعة أمي

أخت الإمام موسى الصدر (قده): لوعة أمي

لوعة أمي

"فتحت عينيَّ على الدنيا في بيت يضج بالحركة، تغمره المعرفة والفضيلة.. والدي هو صدر الدين آل الصدر، بارح جوار علي أمير المؤمنين(ع)، ليجاور حفيدته فاطمة ابنة الكاظم موسى بن جعفر(ع)، فاستوطن قم. وإنه بعد وفاة زوجته -ابنة خالته من آل ياسين- واحتراماً منه لمشاعر أخواتها أزواج إخوانه، آثر أن يتزوج امرأة من نجيبات بيوتات قم فخطب ابنة آية الله السيد حسين الطباطبائي القمي، وهي من عائلة ذات ميراث علمي وريادة تنتمي لآل البيت انتماءً علمياً وجسدياً، فهم من العلويين السادة الأشراف في قم.

كان والدها مرجعاً للشيعة بعد وفاة السيد أبي الحسن الأصفهاني، وكان قد تصدى لمواجهة الظالمين، فرفع راية الجهاد ضد ظلم وطغيان الشاه رضا البهلوي، وحارب هجمة الحركة العلمانية في زمانه التي حاولت بتجييشٍ ودعم من الشاه أن تطفئ جذوة الدّين في داخل إيران.. فكان أن نفي السيد القمي إلى العراق، وعاد بعدها إلى موطنه، بعد نهاية رضا شاه.
كان اقتران والديَّ صميميّاً مباركاً، فوالدتي الحاجة المباركة السيدة صفية من آل القمي شعلة تضي‏ء وحيويّة تتقد.. كانت زوجة محبة مضحّية، صادقة في ودِّها، صالحة، بارّة، حتّى عُرفت في محيطها بـ صفية الصالحة. نالت احترام وتقدير كل من عايشها وعرفها وارتبط بها حتى أن علماء الحوزة الكبار كانوا يسمعون نساءهم يتحدثن عن جلالة شأنها وفضلها. كانت مسموعة الكلمة، عزيزة الجانب، تمتّعت بدور ريادي في وسطها. تُصلح ذات البين، وتتحنن على الفقراء والمحرومين، وتعود أصحاب الحاجات في أماكنهم، وتتألّم لمن يتألّم حتى ترفع عنه ألمه، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. محبة للعبادة والذكر، بارة ووفية، تتواضع للجميع وتستقبل كل زائر. فاتحة دارها للقريب والبعيد للمعروف والغريب، أوسعت صدرها للمحاويج وذوي الشكايات والمهمومين. كانت تمارس هذا الدور الصعب الذي فرضه وضع البيت ومكانة الوالد المرجع.. فكانت نعم المعين لوالدي، وردئاً له، متحملةً صعوبات ظرفه بصبر ورضا، تتجرّع ما قد تواجهه من غصات في سبيل ذلك غير شاكية ولا متبرمة.
قد طهُر مشهورها ومستورها، باطنها وظاهرها. قال عنها السيد الشهيد عندما رآها وخبرها: (إنها امرأة من أهل الجنة، عليها سيماء الصالحين). وأما هي فقد عدته كأحد أولادها.
لم أسمعها قط قد نالت من أحد بلسانها، أو تعرضت لأحد بما لا يرتضيه.. كانت الرؤوم العطوف، والنَّجود العطيف، عاجمت دنياها القاسية، حتى طوّحتها الطيحات وأهلكتها الخطوب.
«
أمي كالعسجد في نفاستها، تتلألأ شموخاً. الأفرس حين تشتبك الشوابك، وتلتبس الأمور.
طافحة بالمعاني، طالما تغزلت فيها وهي ترتدي ثوبها المنسوك، مصلية داعية متبتلة، خمارها كان شبوباً لوجهها، يزيدها حسناً وبهاءً ونضرة.
من آهات أمي وُهبت لي الحياة. كلما جنحتُ بخيالي، تصفحت ما مضى وما هو آت.. كلما تفكرت وتدبرت.. انبثق لي حب أمي، من ركام الصمت.. من صقيع الحياة. حب أمي، رحيق عاطر.. رحمة ماطرة. من مواجعها وهبتني سلاماً دافقا، ووجوداً بالحب دفاقا.
أمي انعتاق من التراب تجلى.. إرتقاءٌ لعلّيّين.. نسائم تهبهب من سموات علية، وسم للحب الإلهي على أرضنا. أمي القصائد الشوادي تجوب بحبها في كلِّ وادي..
أمي انسلاخ الآدمي من ذاته، وذبول الأنا فيه.. أمي بخور الأرض العارج تستدر الرحمة لدنيا أجدبها القحط والقنوط. أمي ينبوع الوداد، تفرعت منه العواطف، ومسرى تحنن الرب الأبدي
»(1).
كانت والدتي تحسن تلقين الخَيْر، وتصُوغ المعاني أقاصيص، تسردها على مسمعي وإخوتي. فكنا نجلس بين يديها في ليالي الشتاء متحلقين حول الموقد نأنس بالدف‏ء، ولتقرأ لنا من ضميرها مفاهيم تترسخ في الوجدان، لتبقى قوت طفل، يحمله معه لقادم أيامه.
عندما كنت في السابعة من عمري، كانت تقول لنا: "
إن أنتم صليتم وفي حياتكم صدقتم، وابتعدتم عن الأذيات وكنتم نبلاء مخلصين، يرسم الله رسومكم على الماء، ليشرب منه الناس، فيلقي في قلوبهم محبتكم، فتهوي إليكم الأفئدة حباً وتعلقاً وإكباراً".

كانت تنهانا عن أن نتّكل على كوننا سادة منتسبين إلى الرسول(ص)؛ لأن الإتكال على ذلك وحده مقتلة للروح إن لم يُشفع بعمل صالح، وكانت تؤكد: "إن الانتساب إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) شرف، ولكنه عجز واتكالية إن ادّعى أحد اكتفاءه بذلك. ومن ادعى ذلك فمثلُه الكَلِّ على مولاه".

كانت خلاّقة في تقريبها لفكرة العمل للخير وغرسها تلك الفكرة في نفوسنا الصغيرة. تنبت المودة في قلوبنا وترعاها دوما بالسقيا.

لكن الدهر الخؤون مال عليها بميلاته ودآليله، وعاندها الزمان بجوائحه. وكنت أضرع إلى الله ألا أبتلى بفقدها بعد فقد أبي، وأسأله أن يبقيها لأهنأ بها وأسعد.
ولقد بقيَتْ بعده زمنا تكابد الحياة، وتتجرع العذابات، وشاء الله أن تقيم ونترحل عنها، يشدّنا إليها الحنين، تعاني فراق الأحبة، ديدنها الزفرات والأنين، فورثَتْ من يعقوب لهفها على يوسفها، فكانت تكرر وتعيد: "
رباه، «السعيد من استهان بالمفقود»(2) ولكن شتّان، فإن فقيدي موسى.. (أي الإمام السيد موسى).. فأنّى لي أن أستهين".
فتمر أيامها ثقيلة متراخية، ليطول الفراق، ويتعاقب الأسى، وتتلاحق الآهات. وتتعاظم الأشواق، وتتعطّف القلوب، تنخرها أحزان وأشجان. تطاولت بها الأعوام، ليمتد بها العمر، فتعسَّج عودها، وانحنت العظام منها وهنا على وهن.
فارقتها «سنوات المحنة وأيام الحصار»(3).. تسعة عشر عاماً تصرّمن لأعود في خلسة(4) من ذلك الزمن الكنود، وألاقيها مهشمة الروح مكدودة القلب. كانت قد بلغت من الكبر عتيا، فلم تتعرف عليّ. لقد كانت تعيش عالم الراحلين رغم أنها كانت لا تزال تتنشق الهواء، فجلست عندها وبثثتها أشواقي وأحزاني، فلم أكن في حال أحسن من حالها. أكثرت من ضمِّها وتقبيلها ومناجاتها.. كنت ظمآنة عطشى لماضي عطفها وتحنّنها.. كم ناديتها: (
يا ملجأ أوجاعي ومحضني، بك أتحصّن من جور الأيام، وإليك ألجأ من عاديات البلايا). لكنّ إلحاحي ومناجاتي لم تلج إلى عالمها.. ولم أحس منها تجاوباً. إلاّ أنّ اللافت في أمرها رغم ذلك أنها صارت تحدث كل من يدخل عليها: بوفود امرأة مبرورة مباركة. كانت تقول: (زارتني ضيفة مبروكة تالية للقرآن بصوت رخيم حنون) لقد كانت تقصدني وتعنيني. ولقد تبيَّن أنها كانت تظن أنني رحلت فيمن رحل.

وعندما سئلت عني في محضري: قيل لها: يا أمّنا الحاجة، إن هذه ابنتك فاطمة قد أتت من العراق تزورك. فردت: "إنّ فاتي‏(5) خانم قد قتلت مع زوجها وأطفالها منذ سنين".
وعندما اقترب أجلها ودنا منها الرحيل، عرف ذلك مما ظهر عليها من علائم الموت. اجتمع أفراد العائلة للتخفيف عنها والترويح عن نفسها، فلا ترتحل عن الدنيا إلا بقلب مطمئن. وصار المحيطون بها يلتمسون حيلة لتسكين هواجسها، حيث أنها ما فتئت تتجرع غصّة افتقادها إياي‏(6)، واللوعة بأخي السيد موسى، ورأوا أن من المفيد لها أن يدبّر لها لقاء مفتعل بيوسفها: موسى المغيَّب. فيؤتى لها بواحد من أبناء العائلة قريب الشّبه بالسيد موسى. ويقال لها: بأن هذا السيد موسى قد عاد. ذلك أن المرأة كانت تشارف على التاسعة والتسعين، فانحلّت قواها وغابت حواسها حينذاك، وكان يمكن أن تنطلي عليها تلك الخدعة، ترحماً عليها ورأفة بحالها. وفي أثناء تلك الهمهمة، كفتهم أمي الوالهة، بنفسها مؤونة ذلك. فقد وصل حينها ابني السيد جعفر من العراق‏(7)، ودخل عليها ليزورها مرتدياً عمّته السوداء، كالإكليل يزيِّن رأسه وكان بجانبه قرينته. وكان ذلك هو لقاءه الأول بجدته بعد انقطاع دام طويلا. وعندما دخل، ذهل من كان في الغرفة وتخشَّب، لأجل إقبال الجدة العجوز عليه بذلك الاستقبال المفجع، وكأنها تنسمت الحياة واستعذبت لحظاتها الراهنة. فصارت تناديه لاهثة:

"موسى.. موسى، هلمّ إليّ حبيبي.. أين پروين؟ لتأت پروين، فقد أتى موسى. لكن لم يا ولدي أخْجَلتَني مع پروين، أهكذا تجازيها بعد صبرها على غيابك أن تتزوج من أخرى؟(8). كيف تحتمل شريكة لها بعد هذا المغيب؟"
ثم أخذت أمّي دُجم العشق وشدائده على وليدها، وتولّهت متمتمة:

«أي ولدي.. موسى السندان‏(9). يا من أشرقْتَ عليّ وشعشع ضياؤك حناياي. يا رشفة ماء سوغت لي الغصص، هاك قلبي المكلوم، قد توهّج بالحب.. يا غرس بستاني، لكأنما سقيتك من جداولي فراتاً طهوراً، حتى يحرق الصقيع ثمرات مغارسي، ويذيقنا المَناحسَ مَن تلطخ بالسوء، وتوشّم به.. إني لأنعس لطيب ذكراك.. أي ولدي..
أي ولدي.. عبثت الريح بأوجاعٍ تطحن أيامي.. قواربي تُبحر في بحيرة من نجيع دماء لا تستكين.. سفن تائهة في قلوب تتوجع.. جماجم بَشَر تتأبَّى.. وحفنة عظام تداس قبل أن تموت.. رموز لجدران تعسة، تباح للعنة تدوم.. ممالك صفراء لأوهام تُقَدَّس، ورعاع تقطع وتين اليقين.. ورود البنفسج تنتحر مع فجر يزول.
هنا اليوم زغاريد اغتُصِبت من ديار المذابح.. رسائل غفران هطلت من سماء تشهد.. يا أرض تعالي، واشهدي فرحة يتيمة، جاءت بنذر عهد قديم، لقدِّيس يحب الوصال.
هتف هاتف من الأعماق، عن بشارة السيف والكلمة.. عن المعبد والسؤدد.. عن البيت العتيق.. عن وحشة المقام وغربة زمزم
.
تذكرت حينها حديث جدتي عن نبوءات النبيين في غابر السنين.. عن الحق والحقيقة.. عن أمة تحتضر.. تكاد تندثر.
وتجوس في الأرض المخاوف، ويعربد المنجل، لتطرق المطرقة، ويحكم "العم سام" الثَّمِل.. يسلِّط ربيب بيت النار. ومن بعده وليد بيت العار..
حدثتني جدتي عن خراب الديار.. عن قلوب اُلهمت خزين الأسرار.. كتمت بإصرار، تابعتِ الليلَ مع النهار.. تعبدت بالانتظار. فقد طال الوعد، وتاق القلب للحب.. حينها أذن الرب، لرجل الحب، لصاحب الأقفال، أن يفرح قلوباً، دامت لها الأحزان.. توشحت بالأشجان.
وفي يوم عيد ابتدعه إنسان الله، صدقت نبوءة الصدّيقين وولد الفرح للآدميين، وأُعلن: فلسطين وجع للحسين..
انسكبت فينا الأشواق والحنين.. صرنا ننشد: عاد راهب الليل، فارس النهار..
عاد يبحث عن الشقوق.. يرتق الفتوق.. يفرق بين التخدير والتحرير. يكشف عن الدفين.. عاد يرينا أصيل الأيام..
».
وحلّ يوم على أمي لا بدّ منه.. قد خُطّ بالقلم كما القلادة كانت على جيدها، وأسلمت الروح لباريها، وَوُوريَتْ ثراها.
غابت أمي.. لكن عجبا: لم يكن للتراب أن يُغيِّب معها جراحاتٍ بقيت تَنْكأُها الأيام، وتَسفي عليها عاتيات الريح.



الهوامش:
1-
كلمات تهدى إطراءً لكل أم صالحة.
2-
نص رواية عن النبي.(ع)
3-
اقتباسا من نص عنوان كتاب النعماني المشهور.
4- من بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، تسنّى لي العود إلى إيران من العراق مرتين: كانت الأولى منهما بعيد انتصار الثورة مباشرة وذلك قبل استشهاد الشهيد الصدر. وفي هذه المرة، تشرفت بزيارة الإمام الخميني مع باقي أخواتي للسلام على حضرته، ولنقدم له ملف اختطاف الإمام السيد موسى شقيقي، وفي هذه المرة كذلك شاركت في الاستفتاء الشعبي الكبير لاختيار نظام الجمهورية الإسلامية. وأما المرة الثانية فقد زرت الجمهورية الإسلامية بعد تسعة عشر عاماً من بعد استشهاد الشهيد، ولكن كان سفري هذا قد جاء بعد جهاد مرير مع سلطات البعث لاستصدار ترخيص لي بهذا السفر، وكان الذي شجعني على طلب الخروج من ذلك السجن الرهيب والإصرار على السفر هو فوز السيد محمد الخاتمي زوج بنت شقيقتي رئيساً للجمهورية.
5-
هكذا كانت أمي تناديني وتدللني في أيام صغري وهو تصغير لاسمي (فاطمة) كعادة الإيرانيين.
6-
تقدم أنها كانت تعتقد بمقتلي مع زوجي وأطفالي. والمحزن هنا أنها بالفعل فقدت في حياتها عدداً من أبنائها: فقد توفي أخي السيد رضا وأختي بتول.. واختطف الإمام السيد موسى.. وظنت موتي أيضاً.
7-
كان ذلك في عام 1998 م حيث استطاع السيد جعفر ابني الفرار من العراق. وقد حوسبت من قبل أجهزة النظام البائد جرّاء ذلك بحساب عسير مر
.
8- ( ) پروين) هي زوج السيد موسى فرج الله عنه، أمّ صدري.. وقد ظنت أمي هنا أن ابني جعفر هو سيد موسى لوجود الشبه بينهما. واعتقدت أن سيد موسى قد تزوج من أخرى غير أم صدري. لما رأت غيرها بجانب من ظنته ولدها موسى.
9- السندان هو العظيم الشديد من الرجال.

المصدر: وجع الصدر.. ومن وراء الصدر أم جعفر، الأستاذة الأمل البقشي.

التعليقات (0)

اترك تعليق