مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

المنهج التربوي العام في العلاقات الأسرية

المنهج التربوي العام في العلاقات الأسرية

العلاقات الأسرية لها دورٌ كبير في توثيق بناء الأسرة وتقوية التماسك بين أعضائها ولها تأثيراتها على نمو الطفل وتربيته، وإيصاله إلى مرحلة التكامل والاستقلال.
والأجواء الفكرية والنفسية والعاطفية التي تخلقها الأسرة للطفل تمنحه القدرة على التكيّف الجدّي مع نفسه ومع أسرته ومع المجتمع، ومن هذا المنطلق فإن الأسرة بحاجة إلى منهج تربوي ينظم مسيرتها، فيوزع الأدوار والواجبات ويحدّد الاختصاصات للمحافظة على تماسكها المؤثر في انطلاقة الطفل التربوية.

وتتحدد معالم المنهج التربوي بما يلي:
أولاً: الاتفاق على منهج مشترك
للمنهج المتبنّى في الحياة تأثير على السلوك، فهو الذي يجعل الإيمان والشعور الباطني به حركة سلوكية في الواقع ويحوّل هذه الحركة إلى عادة ثابتة، فتبقى فيه الحركة السلوكية متفاعلة مع ما يُحدد لها من تعاليم وبرامج، ووحدة المنهج تؤدي إلى وحدة السلوك، فالمنهج الواحد هو المعيار والميزان الذي يوزن فيه السلوك من حيثُ الابتعاد أو الاقتراب من التعاليم والبرامج الموضوعة، فيجب على الوالدين الاتفاق على منهج واحد مشترك يحدّد لهما العلاقات والأدوار والواجبات في مختلف الجوانب، والمنهج الإسلامي بقواعده الثابتة من أفضل المناهج التي يجب تبنيها في الأسرة المسلمة، فهو منهج ربانّي موضوع من قبل الله تعالى المهيمن على الحياة بأسرها والمحيط بكل دقائق الأمور وتعقيدات الحياة، وهو منهج منسجم مع الفطرة الإنسانية لا لبس فيه ولا غموض ولا تعقيد ولا تكليف بما لا يُطاق، وهو موضع قبول من الإنسان المسلم والأسرة المسلمة، فجميع التوجيهات والقواعد السلوكية تستمد قوتها وفاعليتها من الله تعالى، وهذه الخاصية تدفع الأسرة إلى الاقتناع باتباع هذا المنهج وتقرير مبادئه في داخلها ، فلا مجال للنقاش في خطئه أو محدوديته أو عدم القدرة على تنفيذه، فهو الكفيل بتحقيق السعادة الأسرية التي تساعد على تربية الطفل تربية صالحة وسليمة، وإذا حدث خلل في العلاقات أو تقصير في أداء بعض الأدوار، فان تعاليم المنهج الإسلامي تتدخل لإنهائه وتجاوزه.
والمنهج الإسلامي وضع قواعد كلية في التعامل والعلاقات والأدوار والسلوك، أما القواعد الفرعية أو تفاصيل القواعد الكلية ومصاديقها فإنها تتغير بتغير الظروف والعصور، فيجب على الوالدين الاتفاق على تفاصيل التطبيق، وعلى قواعد ومعايير ثابتة ومقبولة من كليهما، سواءً في العلاقات القائمة بينهما أو علاقاتهما مع الأطفال والأسلوب التربوي الذي يجب اتّباعه معهم؛ لانّ الاختلاف في طرق التعامل وفي أسلوب العلاقات يؤدي إلى عدم وضوح الضوابط والقواعد السلوكية للطفل، فيحاول إرضاء الوالد تارة والوالدة تارة أُخرى فيتّبع سلوكين في آنٍ واحد، وهذا ما يؤدي إلى اضطرابه النفسي والعاطفي والسلوكي. (فإن الأطفال الذين يأتون من بيوت لا يتفق فيها الأب والأم فيما يخص تربية أطفالهم يكونون أطفالا معضلين أكثر ممن عداهم) 1.

ثانياً: علاقات المودّة
من واجبات الوالدين إشاعة الودّ والاستقرار والطمأنينة في داخل الأسرة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً... ﴾ 2 3.
فالعلاقة بين الزوج والزوجة أو الوالدين علاقة مودّة ورحمة وهذه العلاقة تكون سكناً للنفس وهدوءاً للأعصاب وطمأنينة للروح وراحة للجسد، وهي رابطة تؤدي إلى تماسك الأسرة وتقوية بنائها واستمرار كيانها الموّحد، والمودّة والرحمة تؤدي إلى الاحترام المتبادل والتعاون الواقعي في حل جميع المشاكل والمعوقات الطارئة على الأسرة، وهي ضرورية للتوازن الانفعالي عند الطفل، يقول الدكتور سپوك: (اطمئنان الطفل الشخصي والأساسي يحتاج دائماً إلى تماسك العلاقة بين الوالدين ويحتاج إلى انسجام الاثنين في مواجهة مسؤوليات الحياة) 4.
ويجب على الزوجين إدامة المودّة في علاقاتهما في جميع المراحل، مرحلة ما قبل الولادة والمراحل اللاحقة لها، والمودّة فرض من الله تعالى فتكون إدامتها استجابة له تعالى وتقرباً إليه، وقد أوصى الإمام علي بن الحسين عليه السلام بها فقال: «وأما حقّ رعيتك بملك النكاح، فأن تعلم أن الله جعلها سكناً ومستراحاً وأُنساً وواقية، وكذلك كلّ واحد منكما يجب أن يحمد الله على صاحبه، ويعلم أن ذلك نعمة منه عليه، ووجب أن يحسن صحبة نعمة الله ويكرمها ويرفق بها، وان كان حقك عليها أغلظ وطاعتك بها ألزم فيما أحببت وكرهت ما لم تكن معصية، فانّ لها حق الرحمة والمؤانسة وموضع السكون إليها قضاء اللذة التي لابدّ من قضائها وذلك عظيم..»5.
وقد رَكّز أهل البيت عليهم السلام على إدامة علاقات الحبّ والمودّة داخل الأسرة، وجاءت توصياتهم موجهة إلى كلٍّ من الرجل والمرأة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «خيركم خيركم لنسائه وأنا خيركم لنسائي» 6.
وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: «رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته»7.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من اتخذّ زوجة فليكرمها»8.
وقال صلى الله عليه وآله وسل: «أوصاني جبرئيل عليه السلام بالمرأة حتى ظننت انه لا ينبغي طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة»9.
فأقوال أهل البيت عليهم السلام وتوصياتهم في الاِحسان إلى المرأة وتكريمها، عامل مساعد من عوامل إدامة المودة والرحمة والحب.
وقد أوصى أهل البيت عليهم السلام المرأة بما يؤدي إلى إدامة المودة والرحمة والحب إنْ التزمت بها، ومنها طاعة الزوج، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا صلّت المرأة خمسها وصامت شهرها وأحصنت فرجها وأطاعت بعلها فلتدخل من أي أبواب الجنة شاءت»10.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما استفاد امرؤ فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة، تسرّه إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله»11. وشجّع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزوجة على اتباع ا الحسن في إدامة المودة والرحمة، بالتأثير على قلب الزوج وإثارة عواطفه (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنّ لي زوجة إذا دخلت تلقتني، وإذا خرجت شيّعتني، وإذا رأتني مهموماً قالت: ما يهمّك، إن كنت تهتم لرزقك فقد تكفل به غيرك، وإن كنت تهتم بأمر آخرتك فزادك الله همّاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بشّرها بالجنة وقل لها: إنّك عاملة من عمّال الله ولك في كلِّ يوم أجر سبعين شهيداً، ـوفي روايةـ إن لله عز وجل عمّالاً وهذه من عمّاله، لها نصف أجر الشهيد»)12.
وقال الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام: «جهاد المرأة حسن التبعّل»13.
ومن العوامل المساعدة على إدامة المودّة والحب وكسب ودّ الزوج، هي الانفتاح على الزوج وإجابته إلى ما يريد، قال الاِمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: «خير نسائكم التي إذا خلت مع زوجها خلعت له درع الحياء وإذا لبست لبست معه درع الحياء»14.
فهي منفتحة مع زوجها مع تقدير مكانته، وبعبارة أخرى التوازن بين الاحترام وعدم التكلّف.
وحدّد الاِمام علي بن الحسين عليه السلام العوامل التي تعمّق المودة والرحمة والحب داخل الأسرة فقال: «لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته وهي الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبتها وهواها، وحسن خلقه معها، واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها، وتوسعته عليها. ولا غنى بالزوجة فيما بينها وبين زوجها الموافق لها عن ثلاث خصال، وهي: صيانة نفسها عن كلِّ دنس حتى يطمئن قلبه إلى الثقة بها في حال المحبوب والمكروه وحياطته ليكون ذلك عاطفاً عليها عند زلة تكون منها، وإظهار العشق له بالخلابة والهيئة الحسنة لها في عينه»15.
وعلاقات المودة والرحمة والحب ضرورية في جميع مراحل الحياة، وخصوصاً في مرحلة الحمل والرضاعة، لأن الزوجة بحاجة إلى الاطمئنان والاستقرار العاطفي؛ وان ذلك له تأثير على الجنين وعلى الطفل في مرحلة الرضاع كما سيأتي.

ثالثاً: مراعاة الحقوق والواجبات
وضع المنهج الإسلامي حقوقاً وواجبات على كلِّ من الزوجين، والمراعاة لها كفيل بإشاعة الاستقرار والطمأنينة في أجواء الأسرة، فالتقيد من قبل الزوجين بالحقوق والواجبات الموضوعة لهم يساهم في تعميق الأواصر وتمتين العلاقات الوديّة وينفي كلّ أنواع المشاحنات والتوترات المحتملة، والتي تؤثر سلبياً على جو الاستقرار الذي يحيط بالأسرة والمؤثر بدوره على التوازن الانفعالي للطفل.
ومن أهم حقوق الزوج هو حق القيمومة، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ... ﴾16. فالواجب على الزوجة مراعاة هذا الحق لانّ الحياة الأسرية لا تسير بلا قيمومة، والقيمومة للرجل منسجمة مع طبيعة الفوارق البدنية والعاطفية لكلِّ من الزوجين، وأن تراعي هذهِ القيمومة في تعاملها مع الأطفال وتشعرهم بمقام والدهم.
وأهم الحقوق بعد حق القيمومة كما جواب في قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سؤال امرأة عن حق الزوج على المرأة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تصدَّق من بيتها شيئاً إلاّ بإذنه ولا تصوم تطوعاً إلاّ بإذنه، ولا تمنعه نفسها وان كانت على ظهر قتب ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه..»17.
ومن حقوق الزوج قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «حق الرجل على المرأة إنارة السراج وإصلاح الطعام وأن تستقبله عند باب بيتها فترحّب به وأن تقدّم إليه الطشت والمنديل وأن توضّئه وأن لا تمنعه نفسها إلاّ من علّة»18.
ولأهمية مراعاة هذا الحق قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تؤدي المرأة حق الله عزّ وجل حتى تؤدي حق زوجها»18.
ووضع المنهج الإسلامي حقوقاً للزوجة يجب على الزوج مراعاتها، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام جواباً على سؤال إسحاق بن عمار عن حق المرأة على زوجها فقال عليه السلام: «يشبع بطنها ويكسو جثتها وإن جهلت غفر لها»19.
وأجاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سؤال خولة بنت الاَسود حول حق المرأة فقال: «حقك عليه أن يطعمك ممّا يأكل ويكسوك مما يلبس ولا يلطم ولا يصيح في وجهك»20.
ومن حقها مداراة الزوج لها وحسن صحبته لها، قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لمحمد بن الحنفية: «إنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة ، فدارها على كلِّ حال وأحسن الصحبة لها فيصفو عيشك»20.
ومن حقّ الزوجة وباقي أفراد العائلة هو إشباع حاجاتهم المادية، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله»21.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ملعون ملعون من يضيع من يعول»21.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «حقُّ المرأة على زوجها أن يسدَّ جوعتها وأنْ يستر عورتها ولا يقبّح لها وجهاً فإذا فعل ذلك فقد أدّى والله حقها»22.
والالتزام بحقوق الزوج من قبل الزوجة وبحقوق الزوجة من قبل الزوج ضروري لإشاعة الاستقرار في أجواء الأسرة، فيكون التفاعل إيجابياً ويدفع كلا الزوجين للعمل من أجل سعادة الأسرة وسعادة الأطفال، واستقرار المرأة في مرحلة الحمل والرضاعة ومرحلة الطفولة المبكرة يؤثر في استقرار الطفل واطمئنانه، والانطلاق في الحركة على ضوء ما مرسوم له من نصائح وإرشادات وتوجيهات فينشأ مستقر الشخصية سوّي في أفكاره وعواطفه وسلوكه.

رابعاً: تجنب إثارة المشاكل والخلافات
المشاكل والخلافات في داخل الأسرة تخلق أجواءً متوترة ومتشنجة تهدد استقرارها وتماسكها، وقد تؤدي في أغلب الأحيان إلى انفصام العلاقة الزوجية وتهديم الأسرة، وهي عامل قلق لجميع أفراد الأسرة بما فيها الأطفال، حيثُ تؤدي الخلافات والأوضاع المتشنجة بين الوالدين إلى خلل في الثبات والتوازن العاطفي للطفل في جميع المراحل التي يعيشها، بدءاً بالأشهر الأولى من الحمل، والسنين الأولى من الولادة والمراحل اللاحقة بها.
والأجواء المتوترة تترك آثارها على شخصية الطفل المستقبلية، و(إنّ الاضطرابات السلوكية والأمراض النفسية التي تصيب الطفل في حداثته والرجل في مستقبله، تكون نتيجة المعاملة الخاطئة للأبوين كالاحتكاكات الزوجية التي تخلق الجو العائلي المتوتر الذي يسلب الطفل الأمن النفسي)23.
ويقول العالم جيرارد فوجان: (والأم التي لا تجد التقدير الكافي إنسانة وأم وزوجة في المنزل لا تستطيع أن تعطي الشعور بالأمن)23.
فالشعور بالأمن والاستقرار من أهم العوامل في بناء شخصية الطفل بناءً سوياً متزناً، وهذا الشعور ينتفي في حالة استمرار الخلافات والعلاقات المتشنجة، والطفل في حالة مثل هذه يكون متردداً حيراناً لا يدري ماذا يفعل، فهو لا يستطيع إيقاف النزاع والخصام وخصوصاً إذا كان مصحوباً بالشدة، ولا يستطيع أن يقف مع أحد والديه دون الآخر، إضافة إلى محاولات كلّ من الوالدين بتقريب الطفل إليهما بإثبات حقّه واتهام المقابل بإثارة المشاكل والخلافات، وكل ذلك يترك بصماته الداكنة على قلب الطفل وعقله وإرادته.
يقول الدكتور سپوك: (إنّ العيادات النفسية تشهد آلاف الحالات من الأبناء الذين نشأوا وسط ظروف عائلية مليئة بالخلاف الشديد، إن هؤلاء الأبناء يشعرون في الكبر بأنهم ليسوا كبقية البشر، وتنعدم فيهم الثقة بالنفس، فيخافون من إقامة علاقات عاطفية سليمة ويتذكرون أن معنى تكوين أسرة هو الوجود في بيت يختلفون فيه مع طرف آخر ويتبادلون معه الإهانات)24، ويختلف نوع التشنجات والخلافات من أُسرة أخرى، ويختلف أسلوب التعبير عن التشنجات من أسرة إلى أخرى، فقد يكون التعبير بالألفاظ الخشنة البذيئة والإهانات المستمرة، وقد يكون بالضرب واستخدام العقاب البدني، ويلتقط الأطفال الممارسات التي تحدث أثناء الخلافات فتنعكس على سلوكهم الآني والمستقبلي، فنجد في كثير من العوائل أن الابن يهين الأم أو يضربها، أو يستخدم نفس الأسلوب مع زوجته حين الكبر.
ومن أجل الوقاية من الخلافات والتشنجات بين الزوجين، أو التقليل من تأثيراتها النفسية والعاطفية أو تحجيمها وإنهائها، فقد وضع الإسلام منهجاً متكاملاً إزاء الخلافات والتشنجات، وقد مرّ في النقاط السابقة التأكيد على تعميق المودّة والرحمة داخل الأسرة، ووضع برنامج للحقوق والواجبات بين الزوجين، والاَهم من ذلك وضع برنامجٍ في أسلوب اختيار الزوج أو الزوجة كما سيأتي. والمنهج الإسلامي يبتني على أسلوب الحث والتشجيع على الوقاية من حدوث الخلافات أو معالجة مقدماتها أو معالجتها بعد الحدوث، وعلى أسلوب الردع والذم للممارسات الخلافية أو التي تؤدّي إلى الخلافات.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «خير الرجال من أُمتي الذين لا يتطاولون على أهليهم ويحنّون عليهم ولا يظلمونهم»25.
وشجّع الإمام محمد الباقر عليه السلام على تحمّل الإساءة، لأن ردّ الإساءة بالإساءة يوسّع دائرة الخلافات والتشنجات، فقال عليه السلام: «من احتمل من امرأته ولو كلمة واحدة أعتق الله رقبته من النار وأوجب له الجنّة»26، وشجّع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرجل على الصبر على سوء أخلاق الزوجة فقال: «من صبر على سوء خلق امرأته أعطاه الله من الأجر ما أعطى أيوب على بلائه»27.
والصبر على الإساءة من الزوجة أمر غير متعارف عليه لولا انّه من توجيهات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون محبوباً ومرغوباً من قبل الزوج المتديّن وليس فيه أي إهانة لكرامته فيصبر عن رضا وقناعة.
والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تعامله مع زوجاته يخفّف الكثير من التشنجات، وكذلك الاقتداء بسيرة أهل البيت عليهم السلام، قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: «كانت لأبي عليه السلام امرأة وكانت تؤذيه وكان يغفر لها»28، ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن استخدام العنف مع الزوجة فقال: «أيُّ رجل لطم امرأته لطمة أمر الله عزّ وجل مالك خازن النيران فيلطمه على حرّ وجهه سبعين لطمة في نار جهنّم»29.
وشجّع الإمام جعفر الصادق عليه السلام على التفاهم لُتجنب الخلافات الحادّة فقال: «خير نسائكم التي إنْ غضبت أو أغضبت قالت لزوجها: يدي في يدك لا أكتحل بغمضٍ حتى ترضى عني»30.
وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام: «وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغيرته»31.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزوجة عن الممارسات التي تؤدي إلى حدوث الخلافات فقال: (من شرّ نسائكم الذليلة في أهلها، العزيزة مع بعلها، العقيم الحقود، التي لا تتورع عن قبيح، المتبرجة إذا غاب عنها زوجها، الحصان معه إذا حضر، التي لا تسمع قوله، ولا تطيع أمره، فإذا خلا بها تمنعت تمنع الصعبة عند ركوبها ولا تقبل له عذراً ولا تغفر له ذنب»32.
ونهى صلى الله عليه وآله وسلم الزوجة عن تكليف الزوج فوق طاقته فقال: «أيما امرأة أدخلت على زوجها في أمر النفقة وكلّفته مالا يطيق لا يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً إلاّ أن تتوب وترجع وتطلب منه طاقته»32.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المنّ على الزوج فقال: «لو أن جميع ما في الأرض من ذهب وفضة حملته المرأة إلى بيت زوجها ثم ضربت على رأس زوجها يوماً من الأيام، تقول: من أنت؟ إنما المال مالي، حبط عملها ولو كانت من أعبد الناس، إلاّ أن تتوب وترجع وتعتذر إلى زوجها» 32.
وحذّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مواجهة الزوجة لزوجها بالكلام اللاذع المثير لأعصابه فقال: «أيّما امرأة آذت زوجها بلسانها لم يقبل منها صرفاً ولا عدلاً ولا حسنة من عملها حتى ترضيه..»33.
ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الهجران باعتباره مقدمة للانفصام وانقطاع العلاقات فقال: «أيّما امرأة هجرت زوجها وهي ظالمة حشرت يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون في الدّرك الأسفل من النار إلاّ أن تتوب وترجع»32، وهذه التوجيهات إن روعيت رعاية تامة فإنها كفيلة بالح التوترات والتشنجات، وإذا لم يستطع الزوجان مراعاتها فالأفضل أن يكون النقاش الحاد والمتشنج بعيداً عن مسامع الأطفال، وأن يكون تبادل النظرة السلبية، وتبادل الاتهامات والإهانات بعيداً عن مسامعهم، وأنْ يوضّح للأطفال أن الخلافات شيء طبيعي، وإنهما لا زالا يحبان بعضهم البعض، ويجب عليهما حسم الخلافات وانهائها في أسرع وقت.

خامساً: التحذير من الطلاق
حذّر الإسلام من الطلاق وإنهاء العلاقة الزوجية للآثار السلبية التي يتركها على الزوجين وعلى الأطفال وعلى المجتمع، فالطلاق مصدر القلق عند الأطفال ومصدر للاضطراب النفسي والعاطفي والسلوكي، حيثُ أن الطفل بحاجة إلى الحب والحنان من كلا الوالدين على حدٍّ سواء، بل إن التفكير المجرد بالطلاق يولد القلق والاضطراب في أعماقه، فيبقى في دوامة من المخاوف والاضطرابات التي تنعكس سلبياً على ثباته العاطفي وعلى شخصيته السوّية، وقد وضع الإسلام منهجاً في العلاقات وإدامتها للحيلولة دون الوصول إلى قرار فصم العلاقات الزوجية، وتهديم الأسرة، فحذّر من الطلاق في مواضع مختلفة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «أوصاني جبرئيل عليه السلام بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها إلاّ من فاحشة مبيّنة»34.
وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «ما من شيء ممّا أحلّه الله عزَّ وجلَّ أبغض إليه من الطلاق وإن الله يبغض المطلاق الذوّاق»35.
وقال عليه السلام: «إنّ الله عزّ وجلّ يحب البيت الذي فيه العرس، ويبغض البيت الذي فيه الطلاق، وما من شيء أبغض إلى الله عزّ وجل من الطلاق»36.
وحثّ الإسلام على اتخاذ التدابير الموضوعية للحيلولة دون وقوع الطلاق، فدعا إلى توثيق روابط المودّة والمحبّة، ودعا إلى حلّ المشاكل والخلافات التي تؤدي إلى الطلاق، فأمر بالعشرة بالمعروف، قال الله تعالى: ﴿... وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا37.
وحثّ على الإصلاح وإعادة التماسك الأسري، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ... ﴾38. فالصلح أولى من عدم ، وبما أن القلوب ت المشاعر تتغير من وقت لآخر ومن ظرفٍ لآخر، فإنّ الإسلام حثّ على إجراء مفاوضات الصلح قبل القرار بالانفصال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا39، (وإذا لم تنفع كل محاولات الإصلاح وإعادة العلاقات إلى مجاريها، وإذا لم تتوقف التشنجات والتوترات إلاّ بالطلاق، فقد يكون الطلاق سعادة لكلا الزوجين، ولكنّه يؤثر على نفسية الطفل، وينعكس على سلوكه، ولهذا منح الإسلام فرصة جديدة للعودة إلى الحياة الزوجية فأعطى للرجل حق العودة أثناء العدّة دون عقد جديد، وبعد العدّة بعقد جديد وجعل للرجل حق العودة بعد الطلاق الأول والثاني، فإذا لم تنجح محاولات إعادة العلاقة الزوجية، وتمّ انفصالها، يجب على الوالدين مراعاة مشاعر الطفل ومنحه الحنان والحب، ويجب عليهما توفير كل الظروف التي تساعده على الإيمان بسلامة أخلاق والده أو والدته، حيثُ حرّم الإسلام البهتان والغيبة وكشف المساوئ، وبهذا الأسلوب يستطيع الطفل تحمّل صدمة الطلاق، أما إذا لم يُتّبع هذا الأسلوب وحاول كلٌّ من الوالدين كشف مساوئ الآخر أمام الطفل، فانّ الطفل سوف يبغض الحياة ويحتقر نفسه، وتنعكس على عواطفه اتجاه والديه فهو يحبهّما ويبغضهما في آن واحد بعد اطلاعه على مساوئهما، فيبقى يعيش في دوامة من القلق والاضطراب وتزداد همومه يوماً بعد يوم وتنعكس سلبياً على علاقاته الاجتماعية، وعلاقاته الأسرية في المستقبل)40.





الهوامش:
1. علم النفس التربوي، للدكتور فاخر عاقل: 111ـ دار العلم للملايين 1985 ط11.
2. القرآن الكريم: سورة الروم (30)، الآية: 21، الصفحة: 406.
3. يراجع الميزان.
4. مشاكل الآباء في تربية الأبناء، للدكتور سپوك: 44ـ المؤسسة العربية للدراسة والنشر 1980 ط3.
5. تحف العقول، للحرّاني: 188ـ المكتبة الحيدريةـ النجف 1380 هـ ط5.
6. من لا يحضره الفقيه، للصدوق 3: 281| 14 باب حق المرأة على الزوج.
7. من لا يحضره الفقيه، للصدوق 3: 281ـ دار صعب ـ بيروت 1401 هـ.
8. مستدرك الوسائل، للنوري 2: 550 ـ المكتبة الإسلامية طهران 1383 هـ.
9. من لا يحضره الفقيه، للصدوق 3: 278| 1 باب حق المرأة على الزوج.
10. مكارم الأخلاق، للطبرسي: 201ـ منشورات الشريف الرضي ـ قم 1410 هـ ط2.
11. مكارم الأخلاق، للطبرسي: 200ـ منشورات الشريف الرضيـ قم 1410 هـ ط2.
12. مكارم الاخلاق: 200.
13. من لا يحضره الفقيه 3: 278| 6 باب حق الزوج على المرأة.
14. الكافي، للكليني 5: 324| 2 باب خير النساء، كتاب النكاحـ دار التعارف بيروت 1401 هـ ط3.
15. تحف العقول: 239.
16. القران الكريم: سورة النساء (4)، الآية: 34، الصفحة: 84.
17. من لا يحضره الفقيه 3: 277| 1 باب حق الزوج على المرأة.
18. a. b. مكارم الأخلاق 215.
19. من لا يحضره الفقيه 3: 279| 2 باب حق المرأة على الزوج.
20. a. b. مكارم الأخلاق 218.
21. a. b. عدة الداعي، لاَحمد بن فهد الحلّي: 72ـ مكتبة الوجداني قم.
22. عدة الداعي، لاَحمد بن فهد الحلّي: 81ـ مكتبة الوجداني قم.
23. a. b. أضواء على النفس البشرية ، للدكتور الزين عباس عمارة: 302ـ دار الثقافة بيروتـ 1407هـ ط1.
24. مشاكل الآباء في تربية الأبناء: 45.
25. مكارم الأخلاق 216ـ 217.
26. مكارم الأخلاق 216.
27. مكارم الأخلاق 213.
28. من لا يحضره الفقيه 3: 279| 4 باب حق المرأة على الزوج.
29. مستدرك الوسائل 2: 550.
30. مكارم الأخلاق 200.
31. من لا يحضره الفقيه 3: 277| 4 باب حق الزوج على المرأة.
32. a. b. c. d. مكارم الأخلاق 202.
33. مكارم الأخلاق 214.
34. من لا يحضره الفقيه 3: 278 | باب حق المرأة على الزوج.
35. الكافي 6: 54| 2 باب كراهية طلاق الزوجة الموافقةـ الذواق: السريع النكاح السريع الطلاق.
36. الكافي 6: 54| 3 باب كراهية طلاق الزوجة الموافقة.
37. القرآن الكريم: سورة النساء (4)، الآية: 19، الصفحة: 80.
38. القرآن الكريم: سورة النساء (4)، الآية: 128، الصفحة: 99.
39. القرآن الكريم: سورة النساء (4)، الآية: 35، الصفحة: 84.
40. الفصل الأول من كتاب (تربية الطفل في الإسلام)، من تأليفات مركز الرسالة.

التعليقات (0)

اترك تعليق