مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

ما هي ضمانات الحياة الزوجية الطيبة؟

ما هي ضمانات الحياة الزوجية الطيبة؟

ما هي ضمانات الحياة الزوجية الطيبة؟

جعل الله تعالى الالتزام الأخلاقي ضمانة تطبيق الأحكام، مثلما جعل الإيمان به أساس قيام الأخلاق الفاضلة. فمهما حاولنا أن نرسّخ التقوى والالتزام بالشرع بعيدًا عن حسن الخلق وعن الملكات الفاضلة، فلن نتمكّن من ذلك؛ والأمر نفسه ينطبق علينا فيما إذا أردنا أن نبني صرح الفضائل النفسية والملكات الروحية بدون قواعد العقيدة والإيمان.
إنّ الخطوة الأولى نحو إنجاح الزواج الإسلامي ـوهو الزواج الذي يلتزم فيه الطرفان بسنّة الله ورسوله وبناء حياتهما المشتركة على قاعدة الإسلام والسعي نحو الآخرة والعمل بما يرضي الله تعالىـ تتمثّل في القناعة المشتركة بضرورة جعل الأحكام الشرعية البيّنة مرجعهما الوحيد في نظام الحقوق والواجبات. وأشهر هذه الأحكام التزام الزوج بالنفقة وتأمين الحاجات الأساسية للزوجة والعشرة الحسنة ومعاملتها بحسب الشروط المتّفق عليها حين العقد، والتزام الزوجة بتمكين الزوج منها والتهيّؤ له بما يحقّق ذلك؛ وحسن الخلق وعدم الخروج من المنزل بدون إذنه والوفاء بما اشترط عليها حين العقد.
قد يخرق أحد الزوجين شرطًا أو يقصر في أداء حقّ، والضامن الأوّل لعدم تكرار هذه المخالفة يكمن في حسن الخلق والتسامح والسعي للصلح باعتبار أنّ ما يوجد بين الزوجين من فضل وعطاء وخدمات جليلة هو أكبر ممّا حصل بكثير. وليس من شكر النعمة وتقدير المنعم أن ينسى الطرفان ما بينهما، ويسرعا إلى التنكّر لكلّ العطاءات والخدمات المتبادلة.
التسامح والعفو والصفح والشكر هي ضمانات أخلاقية ذات أهمية فائقة في تمتين العلاقة ومنع تصدّعها. بيد أنّه يوجد ما هو أعمق من هذه الأخلاق أيضًا؛ وقد لا نجد الفرصة للحديث عنه حين نكون عالقين في المرتبة الأولى ولم نقدر على الالتزام بها.. فما أكثر ما تسرع النفوس إلى استحضار الشح والأنانية، وتتناسى قيمة الخدمات التي يقدّمها الطرف الآخر، ولا تعرف معنى الصفح والعفو عن سيّئاته وكون ذلك من فضائل الدين الكبرى. فكيف يمكننا والحال هذه أن نتحدّث عمّا هو أعمق وما يشكّل الضمانة الكبرى لبقاء البصيرة والحكمة، التي نحتاج إليها أثناء تعاملنا مع أخطاء وإساءات وتقصيرات الطرف الآخر (بحسب ما نراه طبعًا)؟
إنّ أمر المعاش لا يدور بين أن يلتزم الزوج بواجباته أو لا يلتزم، حتى يُقال: طالما أنّه لم يلتزم فإنّ لي الحقّ بأن أكون سيّئ الخلق! لأنّ الأخلاق الفاضلة ليست في مستوى الأحكام ونظام الحقوق والواجبات (ليحصل المبادلة بينهما!)، بل هي قاعدتها وسورها وأساسها. ولأجل ذلك، يمكننا أن نصلح الزوج (والمقصود هنا بكلمة الزوج المرأة والرجل) بواسطة الأخلاق. وحين نغفل عن التأثير الكبير لحسن الخلق، فإنّنا نفقد الأداة والوسيلة الأولى لإصلاح معاشنا وحياتنا وعلاقاتنا.
فإذا كانت العقيدة المشتركة أوّل جاذب للقلوب ومؤالف للنفوس وجامع للأرواح {لأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ... وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ[1] فإنّ ما يلحم هذه القواسم ويشد أواصرها ويضفي عليها الغراء اللازم والمتانة المطلوبة والتأثير الطيب هو تلك الأخلاق الفاضلة، التي يُفترض أن تنبع منها وترتوي من معينها وتمنحها الحياة الطيبة والظهور الأجمل.
ولأولئك الذين يظنّون أنّ صلاح المعاش ممكن وميسّر من دون هذه المبادئ والقيم الأخلاقية السامية نقول: إنكم واهمون إلى أبعد حدّ.
ولهذا، يجب قبل أي شيء أن نؤمن ونثق بأنّ ما يتحقّق بواسطة حسن الخلق لا يمكن أن يتحقّق بغيره. فحسن إقبال الزوج ومودّته، وما هو أصعب: إصلاحه وإعادته إلى رشده وإلى الطريق المستقيم، بل جعله إنسانًا حقيقيًّا، كل ذلك ممكن بواسطة قوّة حضور الفضائل الجميلة.
من الصعب أن يؤمن الإنسان بقوّة الفضيلة ما لم يجرّبها. وحين يكون حال المجتمع عبارة عن هذا النزيف الأخلاقي المستمر، فلا نتوقع أن نشاهد النماذج والقدوات الأخلاقية الرائعة بسهولة. فالكل يموج في الكل، ونادرًا ما نسمع صوت الفضيلة والقيم السامية، وأندر منه أن نشاهد نماذجها الحيّة في وسطنا.
لكلّ من يبحث عن زواجٍ ناجح مفعم بالمودّة والرحمة والسكينة والحيوية نقول: إنّ كل ذلك لن يتحقّق إلا عبر ترسيخ قاعدة حسن الخلق والروحانية القويمة.
إنّ تجربتي ومشاهداتي الكثيرة أظهرت لي أنّ القسم الأكبر من مشاكلنا ـليس في الزواج فحسب، بل في جميع العلاقات والروابط الإنسانيةـ يرجع إلى ضعف حضور هذا البعد الأخلاقيّ والروحيّ. وغالبًا ما يرى أبناء مجتمعنا أنّ حسن الخلق يعني التنازل والضعف والهوان؛ وليس هذا إلا بسبب بعدنا عن تعاليم الدين الحنيف وضعف ارتباطنا بأوليائه. فحسن الخلق قوّة عظيمة، وما أجمل ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام) عن فضيلة الحلم التي هي عبارة عن التجاوز عمّن يخطئ بحقّنا والصفح عنه (الأمر الذي يُعدّ من أعظم فضائل الأخلاق): "أَوَّلُ عِوَضِ الْحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ".[2]
للذين يبحثون عن القوّة اللازمة للثبات والبصيرة والموقف الحكيم والتعامل اللازم مع المشكلات الحادّة والشخصيات الصعبة، فتّشوا عنها داخل هذه المنظومة القيمية الرائعة التي دعا إليها إسلامنا العزيز.. فنحن غالبًا ما نخسر ونتألّم ونعاني في زواجنا نتيجة ضعفنا. ثمّ تزداد معاناتنا وتتضاعف آلامنا حين نبحث عن القوّة اللازمة للمواجهة والصمود في غير محلّها، فنستقوي بما لا يزيدنا إلا ضعفًا.
لا شك بأنّ بعض المشاكل التي يمكن أن يخلقها لنا الشريك الزوج، قد تكون مؤلمة للغاية، وربما تقضّ مضاجعنا وتسلب النوم من أعيننا وتخلّف مرارات حادّة في ذائقة نفوسنا. وهذا أمرٌ طبيعيّ نظرًا لتوقّعاتنا الكثيرة من الزواج؛ إلّا أنّ العديد من هذه الآلام قد يستقر ويتجاوز قدرتنا على التحمّل حين نكون ضعفاء وحين نتعامل مع الطرف الآخر انطلاقًا من نفوسنا الضعيفة. ولا شيء يمكن أن يمنحنا القوّة مثل قوّة النفس النابعة من الإيمان. وفي ظلّ قوّة النفس هذه، تنشأ الفضائل وتترعرع وتنمو وتصبح الشجرة الوارفة التي نستظلّ بها كلّما واجهنا مشاكل الحياة.
إنّ واحدًا من الأخلاق الرفيعة والعميقة يتمثّل في التواضع الإسلاميّ، الذي ينبع من مبدأ التسليم المطلق والعبودية التامّة لله عزّ وجل. فحين نرى أنفسنا عبيدًا لله ونؤمن بأنّه تعالى مالك نفوسنا ومالك كلّ شيء في الوجود، يفعل بنا ما يشاء لما يشاء، فسوف نشعر بضرورة التسليم له في كلّ شيء، ولن نرى بعدها لأنفسنا أي حق ذاتيّ حتى لو كان للعيش.. وهذا ما يساعدنا على رؤية الوقائع المؤلمة التي تحدث لنا من منظورٍ مختلف تمامًا عمّا يمكن أن يراه من يعتبر نفسه مستحقًّا ومدينًا لربّه.
ففي ظلّ هذا التواضع الإسلامي، يرى المؤمن أنّ أي فضل يصله من الله عبر عبيده ليس سوى محض تفضل ومنّة. فحتى التحية والسلام الذي يلقيه عليه ولده أو زوجه، سيكون من باب المنّة الإلهية التي لا يستحقها. وإذا أساء إليه شخص (حتى لو كانت الزوجة) فإنّه سيرى ذلك من باب "ذلك بما كسبت أيديكم". ولا يعني هذا أن يتقبّل كل إساءة وكأنّها لم تحصل، بل يعني أن لا يكون رد فعله نابعًا من نفسه والانتقام لها. فما أحوجنا لمثل هذه القوّة والبصيرة التي تمنحنا الحكمة اللازمة لأخذ الموقف السليم في التعامل مع الإساءات والتقصيرات.
إنّ عمق الأخلاق والمرتبة الرفيعة من الملكات الفاضلة يتجلّى في تحديد من نحن في هذا الوجود. لأنّ جميع مواقفنا تنبع من هذه النقطة بالذات. فنحن نتصرّف تجاه أي فعل أو موقف انطلاقًا ممّا نراه في أنفسنا لأنفسنا. فإذا استطعنا عزل هذه النفس عن المشهد هذا، وإفناءها في ذات خالقها، فلن تكون مواقفنا إلا مواقف الله تعالى. وهل هناك شيء أقوى وأجمل من أن تتجلى إرادة الربّ المتعال فينا!
إن كنت تبحث عن القوّة للرد وعن الطمأنينة للقرار وعن الحكمة في الرؤية، فكل ذلك موجود فقط عند الله تعالى؛ ولا يحول بيننا وبينه سوى ذلك الشرك الخفيّ الذي جعلنا نعبد أنفسنا ونستقوي بها مع أنّها عين الضعف والهوان والفقر. 
إذا كنّا نبحث عن الحياة الطيبة بمعزل عن أخلاق الإسلام والتسليم لربّ العالمين فنحن واهمون جدًّا، ولن يكون لنا نصيب من العيش الهني ما دمنا أحياء في هذا العالم.

 

_____________________
[1]. سورة البقرة، الآية 221.
[2]. نهج البلاغة، ح 196.

 

 

المصدر: مركز باء للدراسات.

التعليقات (0)

اترك تعليق