مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

كيف نعرف أنّنا غير منسجمين... السبب الأوّل لفشل أي زواج

كيف نعرف أنّنا غير منسجمين... السبب الأوّل لفشل أي زواج

كيف نعرف أنّنا غير منسجمين... السبب الأوّل لفشل أي زواج

يمكن لضعف الانسجام أن يختبئ وراء نزوة العشق وفوران الشهوة وشدّة الحاجة، وهذه أمور طبيعية في حياة الشباب. فكثيرًا ما يكون الاندفاع نحو الزواج منطلقًا من هذه الحاجات والانفعالات التي قد تعمي الخطّاب عن أبسط المزايا والصفات الموجودة في الطرف الآخر. وحين تتأمّن الحاجة الأساسية في الزواج وتخمد الشهوة ويحصل الاستقرار وتنطفئ شعلة العشق، يتفاجأ البعض من وجود اختلافات عميقة أو كثيرة.
تضج أدبيات العصر بالدعوة إلى اتّباع القلب؛ لكن القلب من دون نور العقل لن يكون سوى مركب فاقد لربّانه وهو يمخر عباب بحر التحديات الهائج بأمواج الحياة المتلاطمة. 
أجل، إنّ القلب والعواطف والمشاعر أمور مهمّة، وقسمٌ أساسي من الزواج يرجع إلى تلبية هذه الحاجات العاطفية والنفسية؛ ولكن، ما الذي يمنع من تزويد قلوبنا بنورٍ إضافيّ وهو نور التمييز الدقيق بين الكامل والناقص، والنافع والضار، وضياء تبصّر العواقب؟
ربما لأنّنا نتصوّر أن التعقّل أمر مضاد للعاطفة، وأنّ الإنسان العقلاني لا يستمتع ببهجات الحياة ومتعة الحب والعشق والوصال.
لكن التجربة تكشف لنا أنّ كل علاقة بُنيت على أُسس هشّة لن تقوى على الصمود بوجه الاختلافات الجوهرية في الشخصية، والتي سرعان ما ستصبح العملة الرئيسية لتبادل المنافع الزوجية.
تتراجع الشهوة بشكل طبيعي مع مرور الزمن، ويخمد العشق الطارئ ما لم يُبنَ على أُسس عميقة، ونرجع نحن كما كنّا نحن. ففي الزواج سنعيش مع حقيقة الشخص الذي ارتبطنا به، وستكون الحياة عبارة عن التقاء واصطدام، بين الصفات الأساسية والخصائص الثابتة في شخصية كلّ واحد منّا. لأجل ذلك، فإنّ النظرة التعقّلية إلى أي علاقة أو حالة انجذاب، هي التي يمكن أن تحفظ هذه العلاقة إن كُتب لها القران والاتّصال الزوجي، وهي التي تمنع وقوع الكارثة وفشل الزواج فيما بعد. 
نحتاج كبشر إلى تبصّر العواقب والنظر البعيد المدى فيما يرتبط بشؤون حياتنا الأساسية؛ وكل ما نزرعه اليوم نحصده غدًا. وما أكثر ما يتفاجأ الناس حين يبلغون سن الكهولة بسرعة انقضاء عمر الشباب، وكأنّه لحظة أو غمضة عين. لهذا، علينا أن نفكّر في علاقتنا الزوجية المقبلة كيف ستكون بعد خمس سنوات أو أكثر. وكيف سيتعامل شريك حياتنا المقبل مع مقتضيات هذه الرابطة وتفاصيلها الأساسية، من إدارة المنزل وتدبير المعاش وتربية الأبناء وتقدير الظروف العملية وتفهّم تطلعاتنا وطموحاتنا و..
وباختصار، لن يكون العشق الشديد والانجذاب القويّ قادرًا لوحده على التعامل بحكمة ونجاح مع هذه الشؤون الضرورية.
إنّ إحدى أهم قضايا الزواج تكمن في قدرة أو استعداد كل زوج لتفهّم حاجات ومشاعر وأفكار زوجه (فنحن نقول زوجان). والأهم أن يكون قادرًا على تحمّل وتقبّل الخصائص والصفات الأخلاقية والنفسية؛ الأمر الذي لا يظهر في غمرة العشق والانجذاب.
ولأنّنا مختلفون ـ وهذا أمرٌ طبيعيّ ومتوقّع ـ ولأنّ طبيعة نظرة النساء تختلف عن نظرة الرجال إلى العلقة الزوجية، مثلما يختلفون حول كيفية إدارة مسألة الحب والتبادل العاطفي وحل المشكلات والتواصل، فمن اللازم أن نبحث منذ البداية عن القواسم المشتركة التي ينبغي أن تكون أساس بناء هذه الرابطة، ونعمل على تقويتها وتعزيزها إن وُجدت. وهذا ما نطلق عليه رحلة الانسجام في الزواج.
يُذكر أنّ الإمام الخميني (رضوان الله عليه) كان غالبًا ما يقول لمن يعقد قرانهم: "اذهبا الآن وانسجما". فالانسجام يمكن أن يكون أحد أهم مهمّات الزواج. ولكن هذا كلّه يعتمد على وجود القواعد الثابتة التي نعبّر عنها بالكفاءة؛ وهي أن يكون كل طرف كفوًا للطرف الآخر. 


الكفاءة هنا ترتبط قبل أي شيء:
أ. بالقدرة الذهنية والعقلية على تفهّم الطرف الآخر. 
ب. والتقارب العاطفي، الذي يعني عدم وجود فارق كبير بين حاجات الزوجين العاطفية وكيفية تعبيرهما عنها. فالبليد عاطفيًّا لا ينسجم مع المتأجّج عاطفيًّا. 
ج. وبالاستعداد النفسي لتحقيق التقارب الأخلاقي والنفسي والروحي. وهذا يعني الإيمان بأنّ الزواج مسيرة ورحلة على مدى الحياة نحو التكامل اللامتناهي، وليس هو نهاية العالم.
وبفضل وجود هذه الاستعدادات يمكن للزوجين أن يحلّا أعقد الخلافات التي قد تبرز على هذا الطريق المحفوف بالتحدّيات، وأن يتحمّلا أشد أنواع الصعوبات التي يمكن أن تحدث في هذه الحياة المتلاطمة.
ما نحتاج إليه لبناء هذا الانسجام وتقويته هو أن نتأكّد قبل عقد القران من وجود هذه المشتركات والاستعدادات. وهذا ما يتطلّب مهارة خاصّة وخبرة قلّما يمتلكها الشباب. ولأجل ذلك كانت المشورة والاستفادة من أصحاب العقل والتجربة والحكمة من الأهل والأقارب والأصدقاء أمرًا مهمًّا جدًّا.
إنّ استعداد الشباب لتقبّل توجيهات ونصائح الحريصين عليهم، يُعدّ عامل قوّة لهم. وبفضل هذا التواضع يمكنهم أن يشرفوا على هذه العلاقة ويتبصّروا عواقبها. وكل هذا يعتمد على مدى استعدادهم لمعرفة أنفسهم. فالانسجام يبدأ أوّلًا من معرفة الذات؛ وكيف لنا أن نعرف الطرف الآخر إن لم نعرف أنفسنا! ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: "فإنّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بَقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ". [نهج البلاغة]
 

 

المصدر: مركز باء للدراسات.
السيد عباس نورالدين

التعليقات (0)

اترك تعليق