مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

هيام* المُقاوِمة

هيام* المُقاوِمة

هيام* المُقاوِمة

بعد مضي خمسة عشر يوماً على تسليم المبلغ للشيخ علي خاتون، تحصل هيام على مبلغ جديد من عدة مصادر إضافة إلى مجموعة من القمصان القطنية والجوارب، فتقصد منزل خالتها وتسلِّمها إلى الشيخ علي بكل سرور وتصل الأمانة إلى أهلها بشكل فوري.
لكن الذي فاجأ هيام، أنّ الشيخ علي يطلب حضورها إلى منزله وقت آذان المغرب بعد يومين من تسليمه المال والأغراض، لم تفكر بل سارعت في الحضور، فعلاً إنَّها مفاجأة.
يستقبلها الشيخ علي في مطبخ المنزل ويقول لها: هيام، بدي عرفك على أخ من المقاومة، بس تصلي أعطيني خبر، لأن الأخ عم يصلي بالصالون.
هيام تكاد لا تصدق وتقول: حاضر رح صلي فوراً وأعطيك خبر.
ويدخل الشيخ علي وهيام إلى الصالون، ويقوم الشيخ بالتعريف بهيام ويضيف هذا الأخ ساجد من أبطال المقاومة، حابين يقعدوا معك.
هيام: إلي الشرف.
الأخ ساجد: أهلاً وسهلاً بالأخت هيام، طبيعي بعد معرفتنا بجهودكم طلبنا من الشيخ يرتب قعدة مع حضرتك لسببين: الأول عشان نشكركم أنت وكل الأخوات على دعمكم، والأمر التاني سألنا عنك منيح وعملنا تحرياتنا وشهادة الشيخ بحقك عنا أساس، نحن بحاجة لأخت متلك تشتغل معنا، وهذا الأمر ضروري جداً ومُلح، ونحن على علم بأجواء بيتكم وأهلك وكل الأمور من جهتك مريحة، إلاَّ إذا عندك مانع لا حول ولا.
هيام: أنا أشكر ثقتكم وثقة عمي الشيخ علي، وما نقوم به أقل الواجب، وما بدي قول بدي فكر، بس قبل أي كلام لازم أعرف مع مين بدي اشتغل.
تبسم الأخ ساجد وقال: معو حق الشيخ لمن قال إنك ذكية، طبعاً حقك، نحنا من المقاومة الإسلامية، بس لا عدو ولا صديق بيعرف هيدا الشي، والشيخ بيعرف لأنو مقاومة وسند للمقاومة، وعلى كل حال بيته مفتوح إلنا ولغيرنا من المقاومين بس ما حدا عارف إنو نحنا كمان منجي على هيدا البيت، وأكيد هيدا سر وما حدا لازم يعرف.
هيام: أكيد ما حدا رح يعرف أبداً وأنا حاضرة وبالخدمة، بس شو نوع الشغل المطلوب مني حتى شوف إذا قادرة أم لا.
الأخ ساجد: أكيد رح نحكي بالتفاصيل، ولكن اليوم نريد أن نأخذ موافقة مبدئياً ومن ثمّ نحدد لقاء آخر بأسرع وقت إن شاء الله.
هيام: أنا موافقة من كل قلبي مبدئياً، ووقت اللقاء ومعرفة نوع العمل منحكي إن شاء الله.
الأخ ساجد: توكلنا على الله، موعدنا الخميس بعد صلاة الظهر بربع ساعة بإذن الله.
هيام: إن شاء الله.
تستأذن هيام وتشكر الشيخ علي بحرارة وتعود أدراجها إلى المنزل.
إنَّها البهجة التي لا يوازيها شيء، تغدو هيام أكثر سعادة من أي وقت مضى، لقد حان الوقت لتسير في موكب المجاهدين المقاومين إنَّه مكانها الطبيعي، وهي التي نذرت نفسها للعمل في سبيل الله، واليوم تتشرف بهذا الوسام العظيم، وعليها اغتنام هذه الفرصة التي لا تُعوّض.
تلك الليلة وهيام مستيقظة أغلب الليل، تستعيد كل كلمة قالها الأخ ساجد مرات ومرات، وتشكر الله على هذه النعمة العظيمة.
وفي اليوم الموعود، تذهب هيام بعد صلاة الظهرين إلى الموعد، تجد الشيخ علي على درج مدخل منزله وبعد ما ردَّ عليها السلام يقول: لا داعي أن يعلم أحد بوجودك. فتدخل فوراً إلى الصالون، تجد الأخ ساجد في انتظارها، تلقي عليه السلام وتجلس بانتظار حديثه.
الأخ ساجد: سأبدأ بالحديث دون مقدمات، نحن نحتاج إلى أخت في جويا وأحياناً قد تضطرنا الظروف أن نطلب مساعدتها في أمور خارج البلدة، وقد أخذنا قرارنا بأن تكون هذه الأخت هي أنتِ، وعناوين العمل: رصد، نقل أسلحة أحياناً، وقد نحتاج لنقل شيفرة، أو رسائل، والمساعدة في إيواء المقاومين، مداواة جرحى...
ومن المؤكد أنّك ستحتاجين إلى من يعينك في هذا الأمر، نحن ليس لدينا أي مشكلة في الأمر، ولن يكون هناك علاقة مباشرة مع أحد ممن ستختارين على الإطلاق، ستكون العلاقة معك فقط لا غير، وأنتِ لديكِ الوعي الكافي في اختيار الأخوات أو الأشخاص المناسبين، أما آلية العمل، سوف تتلقين المعلومات والمطلوب تباعاً عبر الأخوة المجاهدين وتكون العلاقة معهم مباشرة إذا وافقتِ على العمل معنا، فما رأيك؟
هيام: آجركم الله، من جهتي أشكر الله على هذه الفرصة ولا مانع عندي أن أكون في خدمة المقاومة، ولكن عندي طلب لو سمحت.
الأخ ساجد: تفضلي.
هيام: أنت تعرف اسمي هيام، ولكن لا أريد أن يعرف الأخوة الذين سأتواصل معهم اسمي الحقيقي ولا أي أحد.
الأخ ساجد: طلب سهل تكرم عينك وهذا وعد منا لك، وأي اسم تختارينه لا مانع عندنا.
هيام: من الآن فصاعداً اسمي حوراء.
الأخ ساجد: اتكلنا على الله أخت حوراء، ونحن من اليوم فصاعداً لن نلتقي هنا لأسباب أمنية، ونريد أن يكون تواصلنا معك بطريقة تختارينها أنت، وسيكون عبر عدد من الأخوة بين الحين والآخر، وكلمة السر الأخ ساجد، ومن جهة مكان التواصل نحن لا نريد إحراجك لذا عليك اختيار المكان.
هنا ترتبك هيام وتقول: يعني أي وقت بدو يكون اللقاء، بالليل أم بالنهار؟
وحطوا ببالكم أهلي ما عارفين شي، طبعاً أهلي كلهم مع المقاومة، ولكن الظروف المحيطة صعبة.
الأخ ساجد: أنسب وقت بعد الساعة ۱۲ ليلاً، عشان حركة الأخوان وعيون العملاء، والظاهر إنت مربكة والأمور صعبة عليك.
هيام: مربكة صحيح ولكن ما في شي صعب، بس ما طالع معي فكرة، والوقت كتير محرج وصعب.
تبسم الأخ ساجد: أخت حوراء نحن ما بدنا منك تكوني خارج البيت أبداً بهيدا الوقت، القصد هو استلام وتسليم ولمن بدنا شي عملي بيكون بالنهار.
وتنفرج أسارير هيام وتقول: هلق ارتحت، بس وين استلام وتسليم؟
الأخ ساجد: عندكم بالبيت مثلاً.
هيام: كيف عنا بالبيت؟ ما فهمت.
الأخ ساجد: الموضوع سهل، ارسمي لنا خريطة بيتكم أو بالأحرى حددي الغرف، نحن على علم بطبيعة البيت، المهم نعرف غرفتكم، والأخ المعني بدق على الشباك ثلاث دقات، بس تردي عليه لازم يقول كلمة السر "الأخ ساجد" وكلمة السر من قِبلك "حوراء" وبعدها بصير استلام وتسليم، منيح هيك أو لا؟
هيام: صار لازم قول لأهلي، لأن حضرتك بتعرف ما معقول يجي رجال على بيتنا دون علم أهلي، وأنا متأكدة أنهم لا يمانعون أبداً، وهم بخدمة المقاومة.
ساجد: أكيد لازم تخبريهم، ونحن حاسبين حساب هذا الإجراء، توكلي على الله.
هيام: موافقة توكلنا على الله.
ساجد: جيد، ثمَّ يمسك ظرفاً بيده ويضيف: في داخله ورقة مكتوب فيها المطلوب، ادرسيها جيداً، وبعد أسبوع يأتي الأخ هادي ويأخذ منك الرد إن شاء الله.
هيام: أسأل الله أن يوفقني لأداء المطلوب. 
 
 
 
*تدور أحداث هذه القصة حول سيرة وحياة المجاهدة هيام حسن زيدان من بلدة جويا الجنوبية ونلفت إلى أنّ أحداث وشخصيّات هذه القصة حقيقية إلَّا أنه تم تغيير الأسماء لأسباب ضرورية..
 
المصدر: قصة فراشة الليل، من إصدار جمعية الرابطة اللبنانية الثقافية، مشروع التأريخ لدور المرأة المقاومة.

التعليقات (0)

اترك تعليق