مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

عولمة المرأة.. المفهوم، المخاطر، الآليات، المواجهة

عولمة المرأة.. المفهوم، المخاطر، الآليات، المواجهة

عولمة المرأة بمعنى جعل قضاياها عالمية فوق الحكومات، وعابرة للقارات من خلال إخضاع كل نساء العالم، وخصوصا نساء العالم الإسلامي، إلى نمط نسوي محدد المعالم لابد من اقتباسه والقبول بنموذجه، هذا النمط هو "الأيديولوجية النسوية الجديدة" التي ترفض فكرة الذكر والأنثى، وتستبدل بدلا منهما مفهوم النوع (الجندر) للتعبير عن الجنس البشري، تفرضه الحركات النسوية في كل العالم، وفي كل الدول والشعوب وفي كل الأعمال.
خطورة هذه الأيديولوجية يكمن في أن الذي يُبشر بها، ويدعو إليها هو النظام العالمي الجديد، الذي حقق ما اعتبره انتصاراً نهائياً وعالمياً للفكر الغربي العلماني، ويريد أن يفرض هذه الأيديولوجية بالقوة على العالم كله، بحيث تكون هناك قوة عالمية واحدة، ومرجعية كونية واحدة، وإنسان عالمي واحد، وتنهار كل الحدود والقيود والحصون أمام هذه القوة العالمية الجديدة والمنفردة، بحيث تصبح إرادتها ورغباتها ومصالحها مُسلَّماً بها ومُرحَّباً بقدومها بلا أي عوائق من الدين أو اللغة أو اللون أو الجنس أو القومية أو الثقافة.
مخاطر عولمة المرأة:
عولمة المرأة والمفهوم الجديد للأسرة:

تكونت الأسرة في جميع المجتمعات الإنسانية على مدار التاريخ البشري من نتاج زواج شرعي بين رجل وامرأة، ركنه الأساسي هو قبول الطرفين والإشهار أو التوثيق في النظم الاجتماعية الحديثة، لكن في ضوء الأيدلوجية الجديدة فإن الأسرة تقوم على أسـاس مجمــوعـة مكــونه مـن الأشخاص يعيشــــون تحــت سقــف واحــد، حتـى في ظـــل انعدام المرأة والأولاد ورابطــة الــدم، ويرتكزون على مصالح اقتصادية واجتماعية وثقافيـة معينــة، وليس بالضــرورة أن تكــون الأســرة تشــتمل على رجــل أو امرأة، وقــــد تـتكــون مــن رجــال دون نســاء، أو نســـاء دون رجـــال.
تعــميم هــذه القــيم الأســرية والاجتماعية تحـت مظلــة العـولمـة يضـر كثيـراً بالقيـم الإنسانـية النجيبــة، وتوجـه ضـربات مؤلمـة للتجمعات البشــرية، فتعطيـل الأسـرة وسـحب وظائفهـا مثل وظيــفة التنـاسـل والتزاوج الشــرعي ما بين الرجـل والمــرأة، وتحويل هـذه الوظيفة التنــاسليـة إلـى مـجاميــع شـــاذة مــن الرجــال والنســاء لا ينجــبون أطفــالاً وتعميــم ما أصطلــح تســميته بالزواج المثــلـي، يعتبـر خطـراً على المجتــمع البشـــري، إذا ما استفحلت هـذه الظاهـرة والتي بــدأت تتفشــى في المجتمعـات الغـربيــة. والطــامة الكبــرى أن بعــض البلـدان الغربيــة بدأت تشرع للزواج المثـلي بطـرق قانونيــة، لا يجـد فيها الأفراد حـرجاً في ظـل حمايـة المؤسسـات والقوانين.
الأفكار النسوية عن الأسرة هي أفكار قديمة، بدأت مع ظهور الماركسية، حيث اعتبر فريدريك انجلز أن الأسرة هي صورة من صور العبودية الحديثة، تماثل عبودية الرومان لطبقة العبيد طالما ظل الرجل أو السلطة الأبوية هو المسيطرة لكن الأفكار النسوية الحديثة تمايزت عن الطرح الماركسي القديم، فاعتمدت الأساليب الاجتماعية بدل الاقتصادية لإيجاد مجتمع خالٍ من الطبقات والميول الطبقية، وتمثل "الأسرة" والأمومة في نظر "الماركسية الحديثة" التي تستمد النسوية أفكارها منها تمثل السبب وراء نظام طبقي جنسي يقهر المرأة لا يرجع إلا لدورها في الحمل والأمومة.
عولمة المرأة والجسد المعولم:
إذا كانت العولمة تحويل كل شيء إلى سلعـة، فقد ظهر ما يسمى بعولمة الجسد الأنثوي عن طريق تسويق نموذج للجسد الأنثوي العالمي والذي يتم بالنحافة، وتم الترويج لنموذج العروسة (باربي) من أجل أن يسود في العالم باعتبار النموذج المثالي للجسد الأنثوي، وراجت الصناعات التي تتناسب مع هذا الجسد المعولم، وتم استغلال هذه الجسد المعولم من قبل الــشركات العابرات للقوميات، ومن بينها شركات إنتاج مــواد التجميل وزبائنها من النســـاء بالمـلاييـن، ولا بـد من تقــديم كـل الإغراءات للنسـاء كمـستهلكات، فيجـري رســم صــورة للأنثــى المغريـة, الأنثــى الأبدية ذات الفتنـــة الخــالدة الــتي لا تصيبهـا الشيخوخة أبداً، ويظل سحـرها الجنســي فعــالاً، طالمـا استخدمت أدوات المكياج التــي تتنافــــــس الشركات فيما بينهــا لإنتاجهـا وتسـويقها. يصــبح جســــد المرأة إذن سلعـة مــن السلـع، ويفقــد مواصفاته الإنســــانية ويدخـل في النمــط التجــاري الاستهلاكي ما دام عنصــر جــذب لترويج البضــائع. بل إن الاحتكارات الإعـلامية الكبـرى تخصــص قنوات تلفزيونية للمتاجرة في أجســاد النســاء، بالإعلان عن أسعــار بائعات الهــوى والجنــس وتليفوناتهــن وتقديم صــورهن عاريات فــــــي أوضـاع جنســية صريحــة.
لقد حولت العولمة جسد المرأة إلى وحدة اقتصادية تعمل على تعظيم الربح وجلب المزيد من الفائدة، نازعة بذلك القداسة عن جسد المرأة، من خلال تحييد المضمون الأخلاقي لوظيفة المرأة، فهناك وظائف كانت مشينة وهامشية أصبحت مقبولة، بل مرغوبة، ومن ثم أصبحت المرأة تُعرف في كثير من الأحيان والمجالات من خلال حدود الجسد وما يوفره من امتيازات. وأصبحت المــرأة (جسدها) إلى سلـــعة مربحـة وجـذابة في السـوق، وفي ظلها تزدهـر أســواق الدعارة والمخـدرات وتنتشــــــر روائـح الفســاد في كل الأرجـاء، ومـــن المؤســف أن يتم التعامل مع المــرأة بطريـــقة مهينــة وكديكور إعلامي وتجاري للإثارة وشحــن الشـهوات.
شيـوع ثقافة الجســد والجنــس والشــذوذ الجنسـي والأخلاقـي عبر القنوات المشفرة والقنوات الفضائية الأخرى والإنترنت والهاتف النقال ووسائل الاتصال الأخـــرى، يتماهى مع خطوات العولمة لهدم الأسرة وتفكيكها إذ إنها تسير في نفسر الإطار والاتجاه.
آليات فرض العولمة النسوية:
لم تكن هناك استجابة كبيرة داخل المجتمعات لهذه الأطروحات فسعت الحركات النسوية لفرضها بالقوة على المجتمعات من خلال عدد من الآليات أبرزها:
أولا: أجهزة الأمم المتحدة المعنية بالمرأة:
هناك العديد من الأجهزة والهيئات التابعة للأمم المتحدة التي تهتم بأمر المرأة، عن طريق المؤتمرات والفعاليات الاجتماعية والسياسية بالمنظمة الدولية، وتوقيع المعاهدات والاتفاقيات العالمية، التي تلزم الحكومات بالتنفيذ، وتمثل توصيات المؤتمرات الدولية والمعاهدات والاتفاقيات العالمية "المرجعية العالمية الجديدة"، وتسيطر الأنثويات الراديكاليات على اللجان المسؤولة عن صياغة ومتابعة تطبيق الوثائق والمعاهدات الدولية في العالم. وكما تقول الأستاذة الأمريكية "كاثرين فورت": "إن المواثيق والاتفاقات الدولية التي تخص المرأة والأسرة والسكان.. تصاغ الآن في وكالات ولجان تُسيطر عليها فئات ثلاثة: "الأنثوية المتطرفة" و (أعداء الإنجاب والسكان) و(الشاذون والشاذات جنسيًا).. وإن لجنة المرأة في الأمم المتحدة شكلتها امرأة إسكندنافية كانت تؤمن بالزواج المفتوح، ورفض الأسرة، وكانت تعتبر الزواج قيدًا، وأن الحرية الشخصية لابد أن تكون مطلقة"[1]، ولقد انعكس هذا المفهوم "للحرية" في المواثيق التي صدرت عن هذه اللجنة، فالتوقيع على اتفاقية السيداو (CEDAW) يجعل معارضة الشذوذ الجنسي -حتى ولو برسم كاريكاتيري - عملاً يعرض صاحبها للمساءلة القانونية، لكون هذه المعارضة مُعارضة لحقوق الإنسان!.
ثانيًا: المنظمات الأهلية:
ولم يقف زحف هذا الشذوذ الفكري عند مجرد أجهزة الأمم المتحدة، وإنما ذهبت العولمة إلى استغلال المنظمات الأهلية الدولية التي تقوم بدعم وتمويل مئات المنظمات المحلية والأهلية في المجتمعات، والتي تعرف اختصارًا بـ(NGOs) وتعني المنظمات غير الحكومية، واستغلال عمليات التمويل التي تقدم في مقابل نشر هذه الأيديولوجيات الضغط على الحكومات لتتحول إلى برامج وتشريعات داخل المجتمعات. فعلى سبيل المثال لا الحصر تدفع مؤسسة (يو.إس.إيد) مبالغ طائلة لصالح مشروع يستهدف إقناع النساء الأردنيات والفلسطينيات بتحديد النسل، وقد اكتشفت السلطات الصحية في الأردن أن الأدوية المستخدمة في هذه الحملة تسبب السرطان وتؤدي للعقم الكامل.
ويساهم في خطورة هذا الأمر اتجاه الأمم المتحدة للتعامل مع المنظمات الأهلية مباشرة، بل وجعلها عينًا رقيبة على دولها، خصوصًا فيما يتعلق بشئون المرأة.
ثالثا: الإعلام:
صار الإعلام أداة طيعة في يد الأنثويات اللاتي طالبن بتطهير التلفاز من كل أنماط النوعية القديمة والصور المعهودة حتى ينمو الأطفال معتادين على الصور الجديدة غير المقيدة بإطار جنسي معين.
وهناك ست شركات عملاقة فقط تهيمن على وسائل الإعلام العالمي وبالذات القنوات الفضائية التلفزيونية وذلك حسب الترتيب التالي:
1- مجموعة تايم ورنر (time warner): أكبر شركة إعلامية في العالم، تفوق مبيعاتها 25مليار دولار في السنة، وتملك بعض القنوات التلفزيونية المؤثرة أشهرها CNN التي بلغ من قوة تأثيرها في صياغة الرأي العام العالمي في الثقافة والسياسة إلى حد جعل الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالي يعدها العضو رقم 16 في مجلس الأمن.
2- مجموعة برتلزمان (Bertels man): أكبر مجموعة إعلامية في أوروبا تفوق مبيعاتها السنوية 15 مليار دولار، وتمتلك عدة قنوات تلفزيونية في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا إضافة إلى 45 دار نشر وأكثر من 100 مجلة.
3- مجموعة فيا كم (Viacom): مجموعة أمريكية قوية دخلها السنوي يبلغ 13 مليار دولار، وتمتلك 13 محطة تلفزيونية أمريكة ومنها: شو تايم التي تعتمد الانحلال والتعري جزءًا رئيسيًّا من سياستها.
4- مجموعة دزني (Disny): دخلها يفوق 24 مليار دولار، وهي أكبر منتج لمواد الأطفال في العالم وتملك شبكة ABC التلفزيونية إضافة إلى مجموعة من القنوات الفضائية.
5- مجموعة نيوز كور بريشن (News Corporation): تعد اليوم أكبر لاعب دولي في مجال الإعلام حول العالم، وتملك شركة فوكس للإنتاج السينمائي والبث التلفزيوني، وشبكتي ستار وسكاي إضافة إلى 22 محطة تلفزيونية و132 صحيفة و25 مجلة، وتزداد خطورة بثها في انتهاجها سياسة بث البرامج بلغات البلدان المختلفة.
6- مجموعة (T.C.T): مجموعة متخصصة بالبث التلفزيوني عبر الكابل المدفوع بالاشتراكات، وتملك قمرين صناعيين للبث حول العالم.
فإذا أضيف إلى طوفان البث الإعلامي الفضائي، ثورة الاتصالات الحديثة المتمثلة في شبكة الإنترنت، وما تبثه القوى المسيطرة عليها من قيم ثقافية ومفاهيم وانحرافات سلوكية بطريقة مبهرة ملحة مستمرة؛ فإن الثقافة النسوية تتحول إلى نوعٍ من الفرض الواضح لثقافة واحدة، وليس مجرد النشر الاختياري لها، فالأمر أشبه ما يكون بغسيل الدماغ الذي ذكره (براون) أثناء حديثه عن دور الدعاية حيث قال: "إنها استخدام رموز معينة استخدامًا مدروسًا ومنظمًا بدرجات متفاوتة يعتمد فيه بالدرجة الأولى على الإيحاء، وما يتصل به من وسائل نفسية، ويقصد منه تغيير الآراء والأفكار والقيم والتحكم فيها، ثم في النتيجة تغيير الأفعال الظاهرة بحسب خطط مرسومة مسبقًا".
رابعاً: الضغوطات السياسية:
أصبحت قضايا المرأة أحد المعايير التي في ضوئها تتحدد علاقات الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية بغيرها، كما أنها أصبحت أحد الحجج التي تروجها هذه الدول للتدخل في شؤون غيرها، فإلى جانب قضايا الأقليات أصبحت قضايا المرأة بالمفهوم النسوي تحتل مركزا متقدما في صياغة علاقات الدول الغربية ببقية الدول دون مراعاة لخصوصيات ثقافية أو اجتماعية أو تاريخية.
تبرر الدول الكبرى موقفها من قضايا المرأة بأنها جزء لا يتجزأ من قضايا حقوق الإنسان، وبالتالي فإنها تعطي لنفسها الحجة لتدخلات خطيرة وواسعة في سيادة غيرها من الدول، وإزاء هذه التهديدات شرعت العديد من الدول في سن تشريعات وبرامج تتوافق مع ما تطرحه الأيدلوجية النسوية من مفاهيم.
دورنا في مواجهة التحديات:
عولمة قضايا المرأة تمثل تحديا كبيرا للمجتمعات الإسلامية، يهدد تماسكها ووحدتها، ومن ثم لزم أن تتم مجابهة هذه التحديات والبحث عن أفضل السبل لمواجهتها، وفيما يلي مجموعة من النقاط التي قد تعين في هذا الإطار:
- نشر موقف الإسلام من المرأة عالمياً، من خلال مبادرات إسلاميّة لعقد مؤتمرات عالمية عن قضايا المرأة والأسرة وحقوق الإنسان من منظور شرعي وتعظيم وظيفة الأمومة.
- إنشاء مراكز الإرشاد الأسري والنفسي داخل المجتمعات الإسلامية.
- إنشاء مجلس قومي للأسرة في الدول الإسلامية، تكون مهمته العمل على إصلاح الأسرة والحفاظ على تماسكها.
- إدخال منهج الأسرة في مناهج التعليم في مرحلة التعليم العام، بما يشمل قيمة الأسرة ومكانتها في الإسلام، المفهوم الشرعي للعلاقة بين الرجل والمرأة، الحقوق الزوجيّة.
- التنسيق بين منظمات المجتمع المدني المعنيّة بحقوق الأسرة، والعمل على تبني وثيقة ميثاق الأسرة في الإسلام ونشرها على أوسع نطاق.
- إقامة أسابيع ثقافية على مستوي المدارس والجامعات لبيان محالفة الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية بمقاصد الشريعة الإسلامية.
- المشاركة الفاعلة في هذه المؤتمرات، وطرح البديل الإسلامي في المسألة الاجتماعية.
- تفعيل دور الأئمة والخطباء والدعاة، وتدريبهم بصورة مكثفة حول هذه المؤتمرات.
- إنشاء القنوات الفضائية الإسلامية، ونشر الوعي بمفهوم الأسرة والزواج والمرأة.
- الضغط على المؤسسات السياسية لعدم الاستجابة للإملاءات الغربية والدولية في قضايا المرأة، وحثها لتكوين تحالف من الدول الرافضة للنسوية، لتعطيل أية مشاريع دولية أو مؤتمرات تفرض مقررات الأفكار النسوية.

المراجع:
- الجنـــدر... المنشأ - المدلول – الأثر، كاميليا حلمي محمد، من إصدارات اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل.
- عولمة المرأة، كمال حبيب ، موقع الإسلام ويب.
- عولمة الإعلام لمالك الأحمد مقال منشور بمجلة البيان العدد 148، 1420هـ، ص114، نقلا عن العولمة وآثارها الثقافية.
- المرأة والعولمة الاقتصادية، برنامج للنساء فقط ، قناة الجزيرة الفضائية.
- المرأة في زمن العولمة، أ.د. سمير عبد الرحمن الشميري، بحث منشور في: مجلة شؤون العصر (صنعاء)، السنه 7، العدد12، (يوليو- سبتمبر 2003م )، ص 5-31.


المصدر: وكالة حضرموت.

التعليقات (0)

اترك تعليق