مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

تأثیر القیم الأخلاقیة في حفظ هویة ومکانة المرأة المسلمة

تأثیر القیم الأخلاقیة في حفظ هویة ومکانة المرأة المسلمة

قدّم الإسلام النموذج الأرقى والأمثل لنظام إنساني متکامل یقوم على أسس عقائدیة وأخلاقیة وإنسانیة  واجتماعية تسعى إلى خدمة وصلاح الإنسان والمجتمع في کل زمان ومکان. بهذا المعنى نرى أن الشریعة الإسلامیة المقدّسة تقدم نفسها کرؤیة ومنهاج حیاة لکل الأزمنة والعصور.
انطلاقا من ذلك نجد في الإسلام برنامج تفصیلي لبناء حضاري متمیز یقوم –بشکل أساسي– على المثل والقیم الأخلاقیة العلیا التي تعتبر اللبنة الأساس والمدماك الأول لتحقق المجتمع الإلهي على الأرض وهذا ما تضمنه حدیث رسول الإنسانیة محمد(ص) عندما حصر الهدف من بعثته المبارکة في "تحقیق الفضائل وإتمام الأخلاق" حیث قال(ص): "إنما بعثت لأتمم مکارم الأخلاق" وهذا ما جعل البعض یصف الإسلام بأنه "دین القیم".
إن الحدیث عن محوریة دور القیم الإنسانیة الأخلاقیة –بالمفهوم الإسلامي– في بناء المجتمع الإنساني الأمثل لا یعد شعاراً  یرفعه المسلمون في وجه من یعارضون الإسلام وشریعته بل أصبح واقعاً متحققاً في التجربة والممارسة. وما وجود وازدهار الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة إلا بفضل المنظومة القیمیة الإسلامیة القرآنیة المحمّدیة الأصیلة التي تشکل الأساس لبنائها وعملها... وبالمقابل إن الحرکات الثوریة والإصلاحیة التي یشهدها عالمنا الیوم لیست إلا ثورة على اللاقیم واللافضائل واللاإنسانیة... التي تمارس من قبل  الأنظمة السیاسیة الحاکمة، وعلیه فإن السلاح الأجدى لمواجهة هذه الأنظمة الظالمة والفاسدة هو التمسك بالقیم وبالهویة الإسلامیة الأصیلة.
وهنا تُطرح مجموعة من الأسئلة حول ماهیة هذه القیم وأنواعها والدور الذي یمکن أن تلعبه في حفظ  الهویة والمکانة للإنسان المسلم بشکل عام وللمرأة بشکل خاص، وطبیعة  وحجم المعوقات التي  تعترض تحقق هذه القیم وما یمکن أن یعتمد من سیاسات وإجراءات یمکن أن تساهم في تعزیز دور الأخیرة في دعم حرکة النهضة الإسلامیة والوصول بها إلى هدفها المنشود.
إن القیم الإنسانیة –من المنطلق الإسلامي– هي مجموعة من المبادئ السامیة والمثل العلیا التي توجه السلوك الإنساني نحو الفضائل والکمالات وتغذّي فیه مشاعر الأخلاق النبیلة بحیث تحیي فیه ملاك الخیر وتؤدي إلى تعزیز إنسانیته بحیث یسمو بنفسه ویرتقي بها في سلّم الکمالات الإنسانیّة.
ومما لاشك فیه أن هذه القیم تتناسب لا بل تتناغم مع الفطرة الإلهیة التي أودعها الله فینا «فطرة الله التي فطر الناس علیّها» وذلك بمقتضى الحکّمة الإلهیة بحیث یشعر الإنسان عند عمله بالقیم براحة وطمأنینة وسلام داخلي وینعکس إیجاباً على الصعید العملي في طریقة تعاطیه مع من هم حوله.
والجدیر ذکره هنا وبالرغم من اختلاف سُلّم القیم بین الشعوب والمجتمعات ماضیاً وحاضرا ... إلا  أننا نجد قیماً مشترکة -على الأقل بمسماها- وإن اختلفت طرق تطبیقها ووتیرة الالتزام بها ودرجة أهمیتها بین الشعوب وهي ما یطلق علیه "بالقیم العالمیة" کالحق في العمل والتعلم والحصول على الحریات والحقوق البیئیة السلیمة والعدالة وحقوق المرأة والطفل.
لا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّه جرى تقسیماً نظریاً للقیم لناحیة کونها أخلاقیة واجتماعية فالقیم الاجتماعية یعبر عنها بأنها أنظمة متکاملة تستند إلیها مجموعة من الناس من أجل تنظیم سلوکیاتها وتحدید مثلها وضمان وحدتها ضمن المجتمع الواحد کقیم التعاون والدیمقراطیة.
والقیم الأخلاقیة هي قیم فردیة شخصیة توجّه السلوك الشخصي نحو الکمالات وتنعکس إیجاباً  على شخصیة الفرد کفرد وعلى دوره في المجتمع کفاعل اجتماعي مؤثر، وهذا ما یمکن أن یعود بالخیر على الفرد والمجتمع على حد سواء.
وهنا تطرح الإشکالیة الأساسیة لهذا البحث وهي دور هذه القیم في حفظ هویة ومکانة المرأة في موجة الصحوة الإسلامیة؟ 
لمعالجة هذه الإشکالیة لا بد من تفرید البحث فی مفرداتها: المرأة، موجة الصحوة، القیم ودورها.
إذا أردنا البدء بمسألة المرأة فنرى أنه من المسلّم القول أن للمرأة دور أساسي وجوهري في حرکة الصحوة الإسلامیة وهذا ما شاهدناه وعایشناه في الکثیر من الدول العربیة. وهذا الدور یتناغم مع الدور الطبیعي الذی أراده الله تعالى لها والذي یتلخّص بالآیة الکریمة: «وإذ قال ربك للملائکة إني جاعل في الأرض خلیفة».
فالمرأة قبل أن تکون أنثى هي -کما الرجل- إنسان، خلیفة الله على الأرض، حیث أن کل ما أعطاه الإسلام للإنسان هو للمرأة، فهي الخلیفة وهي المکرّمة وهی تتحمّل الأمانة الإلهیة وهی مکلّفة بإعمار الدنیا کالرجل تماماً. وللإمام الخمیني(قده) قول عمیق في هذا المجال إذ یقول "أن المرأة إنسان بل إنسان عظیم"1
إن الإمام(قده) یدعو إلى الالتفات لمقامها الإنساني والتصرف على هذا الأساس"نحن ندعو لأن تحتل المرأة مکانتها الإنسانیة السامیة... فالإسلام یرید للمرأة والرجل أن یسموا في مدارج الکمال".2
وله(قده) قول یؤکد على محوریة ومرکزیة دور المرأة في المجتمع إذ نراه یقول "لو جرّدوا الأمم من النساء الشجاعات والمربیات للإنسان، فسوف تهزم هذه الأمم وتؤول إلى الانحطاط". فالمرأة إذاً هي "مربیة الإنسان" وبهذا المعنى نجد أن للمرأة دور مزدوج فهي من ناحیة صانعة للإنسان -هذا الإنسان الخلیفة– فهي هنا حجر الزاویة في صلاح المجتمع وهي الکائن الوحید الذي بمقدوره أن یمنح المجتمع من أحضانه أفراداً تسوق المجتمع بل المجمتعات، بلطف برکاتهم، إلى الاستقامة والقیم الإنسانية السامیة، کما وأنه من الممکن أن یکون العکس، هذا مع کل ما یتطلبه هذا الدور من إمکانات واستعدادات وقدرات... وهي من الناحیة الأخرى الفاعلة في المجتمع والشریکة الأساسیة للرجل عبر مشارکاتها ومبادراتها وأفکارها.
وقد حفل التاریخ الإنساني ولا یزال بأسماء شخصیات نسائیة کان لها الفضل الأکبر في الوقوف بوجه الأنظمة الظالمة وفي مقاومة مشاریع الاستعمار وفي مواجهة مشاریع الغزو والتغریب الثقافي.
  وعلیه فإن السبیل الوحید الذي یمکّن المرأة من القیام بهذا الدور هو أن یکون ذاتها مصنوعاً صناعة أخلاقیة أصیلة، فالهویة والمکانة الحقیقیة للمرأة هي في أصلها تنبثق من المعنویات وهذه الأخیرة تنبثق من مجموعة الفضائل والمثل التي تسمو بالمرأة إلى المکانة التي خصّها الله تعالى بها. ففي القرآن الکریم یخاطب الله تعالى المرأة والرجل على قدم المساواة في خصوص التقوى وتجنّب الأعمال السیئة والتصدي لقضایا الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر «وَلْتَکُنْ مِنْکُمْ أُمَّةٌ یَدْعُونَ إِلَى الْخَیْرِ وَیَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَیَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وأولئك هم المفلحون».
إن المقام هنا لا یسمح لنا بالخوض في دور کل قیمة أخلاقیة وأثرها في المساهمة في نهضة الأمّة وتحرّرها بالإضافة إلى کون دور هذه القیم هو أقرب إلى البداهة ولا یحتاج إلى شرح وتفصیل وأدلة وحجج.
إن ما یشهده عالمنا المعاصر هو تجاوز البشریة الواضح للإدیولوجیات المادیة، حیث نرى کیف أن المارکسیة واللیبرالیة والرأسمالیة العالمیة بقیمها المادیة فقدت الکثیر من جاذبیتها، فالجاذبیة الأشد بین الأمة الإسلامیة في الوقت الراهن هي للإسلام وللقرآن ولمدرسة الوحي، وقد وعد الله تعالى أنّ بوسع المدرسة الإلهیة والوحي الإلهي والإسلام العزیز أن یوفّر السعادة للبشر... إن هذا القرن هو قرن الإسلام، هذا القرن هو قرن المعنویة، الإسلام یقدّم العقلانیة والمعنویة والعدالة مجتمعة هدیة للشعوب... إسلام التوجه إلى الله تعالى والتوکل علیه، إسلام الجهاد، إسلام العمل، إسلام الإقدام والمبادرة...3
إن هذا الکلام یجد صداه فیما عکسته "مشارکة المرأة المسلمة في الاحتجاجات الجاریة في بعض دول الشرق الأوسط بأنها ترید التحرر من قیود المادیة الغربیة وأن هذه الاحتجاجات جاءت من أجل الخلاص من الحکام الدکتاتوریین المرتبطین بالغرب.. ولیس لهم أمل إلا في الله تعالى، ولا سلاح إلا المقاومة. وتعکس مشارکة المرأة الفعالة في هذه الاحتجاجات الصحوة الإسلامیة لدى المرأة المسلمة..
 
الهوامش:
1-من کلمة له (قدس) بمناسبة یوم المرأة العالمی بتاریخ 6-5-1976.
2-من کلمة له (قدس) بتاریخ 9-11-1978.
3-من کلمة ألقاها السید الخامنئی (حفظه الله) فی مؤتمر الشباب والحوة الإسلامیة الدولی.
4-نقلاً عن وکالة المرأة والأسرة، ترجمة سناء الأنصاری (بتصرف).
 

المصدر: مجلة الطاهرة.
مهى نصرالدین - لبنان

التعليقات (0)

اترك تعليق