مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

المرأة في الاتفاقيات الدولية من منظور إسلامي(2): مسائل منهجية في بحث قضية المرأة

المرأة في الاتفاقيات الدولية من منظور إسلامي(2): مسائل منهجية في بحث قضية المرأة ودورها في المجتمع

 المرأة في الاتفاقيات الدولية من منظور إسلامي(2)
المطلب الثاني
مسائل منهجية في بحث قضية المرأة ودورها في المجتمع
أولاً: الاتفاق على المرجعية:
يمثل الاختلاف حول (المرجعية) في بحث قضايا المرأة، مسألة محورية ذات أهمية كبرى؛ بحيث لو تم الاتفاق عليها؛ فلسوف تبقى المسائل الأخرى فرعية، يمكن تجاوزها والتعامل معها بسهولة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يتفق العالم الإسلامي - والعالم العربي في مقدمته - على كون القرآن والسنة أو لنقل الإسلام بما يتضمن (الوحي والاجتهاد المنضبط) مرجعية في مسائل المرأة والأسرة بوجه عام؟ أم المواثيق الدولية والدراسات العالمية؟
الجمهور العام من أبناء الأمة بما يتضمن القادة والعلماء (المجامع الفقهية والعلمية) والحركات السياسية (الإسلامية والمنتمية إلى الحضارة الإسلامية) ترفض فكرة استبعاد الشريعة من المرجعية، كما ترفض جعل الفكر الغربي مرجعية للتشريع والفكر، في قضايا المرأة والأسرة والأحوال الشخصية عموماً، مع الاختلاف في طريقة التعامل مع الفكر الإسلامي في هذا الشأن.
وهناك فئة قليلة بدأت تظهر على الساحة - وإن كانت مطالبها معروفة من قبل - تحارب جعل الشريعة مرجعية لتشريعات الأسرة؛ بل تذهب أبعد من ذلك، حيث تزعم أن الشريعة ضد المرأة؛ فهذه كاتبة تقول: "ينتقص الفكر الإسلامي السلفي([1]) التقليدي من حقوق المرأة جميعاً، استناداً إلى القرآن والسنة، في القوامة، والولاية، والزواج، والطلاق، وتعدد الزوجات، والإرث، والشهادة، حيث المرأة مأمورة بالطاعة دائماً للرجل الذي له عليها درجة، ومن واجبها الطاعة التامة له، ما لم يأمرها بمعصية الله، والرسول هو نفسه القائل ما معناه: إن النساء ناقصات عقل ودين، وإنه لن يفلح قوم ولوا عليهم امرأة. ولا نستطيع كباحثين في ظل هيمنة السلفية والجمود أن نقول إن النبي قد أخطأ، في حين أن البحث يفترض الخطأ والصواب في كل الفرضيات والمقولات"([2]).
وآخر يقول متحدثاً عن مشروع (الإسلاميين) لتنقيح قانون الأسرة في بعض (البلاد): "والاحتكام إلى النصوص الفقهية لتنظيم العلاقات بين الرجل والمرأة في الحياة الأسرية ما هو إلا مقدمة للإجهاز رويداً رويداً على مبدأ التشريع الوضعي ككل"([3]).
وهنا نقول: لا بد لنا من إنشاء حوار مباشر صريح تتم فيه الإجابة على التساؤل التالي:
- هل نريد الإسلام؟
- وهل نريد أن يكون الإسلام منطلقاً ومرجعية لنا في تشريع الأسرة وقضاياه؟
لا أظن أننا بحاجة إلى إجابة على التساؤلات حقيقة؛ لأن الأمة التي تؤمن بهذا الدين، وتجعل القرآن كتابها الهادي، وتنص على أن "دين الدولة الإسلام" لا يمكن أن تقبل بحال التنكر لهذا الدين في مسائل الأسرة؛ فالله سبحانه يقول: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/50، ويقول سبحانه: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) النساء/65.
إن مثل هذه الدعوات إنما يقصد منها أن تؤثر على قوانين الأحوال الشخصية، لتعدل بما يوافق مطالب تلك الفئات، وللوصول إلى تلك الغاية يتم الاستعانة بالمواثيق الدولية، ومن ثم تمارس الضغوط على الدول المعارضة لتتماشى قوانينها مع تلك الاتفاقيات، وإن كانت متعارضة - أي الاتفاقيات - مع ثقافة أو دين تلك الدول.
ثانياً: مظاهر أزمة قضية المرأة:
لا شك أن طرح قضية المرأة على بساط البحث يحتاج إلى جرأة، وموضوعية، ومنهجية محددة تستند إلى أُصول فكرية، منبثقة من الحضارة التي تنتمي إليها، وبدون ذلك نكون أمام "طرح غريب لا يمثل الرؤية الذاتية، ولا يعبر عن هوية القضية المتحدث عنها، ولا انتمائها للأُمة".
ومن هنا وقع القصور في تناول قضية المرأة في العصر الحاضر، ذلك القصور الذي تمثل - من وجهة نظري - بظهور أزمة في (الطرح) تمثلت مظاهرها فيما يلي:
أولاً: التمثل بردة الفعل، حيث إن الكثير من المطالبات والتحركات إنما كانت استجابة واتباعاً لمطالب وتحركات مسبوقة في الغرب عموماً، وانعكس هذا على المعالجة، فما حدث في بلد نريد مثله، وما صدر في تلك الدولة نريد أن نصدر مثله، ولو كانت الظروف مختلفة.
ثانياً: اعتماد النموذج الغربي للمرأة، وقد وقعنا في هذا المأزق لدخولنا إلى هذا المعترك ولم نستعد له العدة الكافية، التي تسلحنا بالتصور الكامل لهذه القضية في الفكر الإسلامي المعاصر.
ثالثاً: التنازل (المنهجي) في القضية، حيث انتقلت القضية من الإصلاح العام المنطلق من الفكر والمبادئ والأصول، إلى الحديث عن (مكاسب) محددة يكثر الحديث عنها من مثل: مقاعد في برلمان أو بلدية، كوتا نسائية، أو تعديل نص في تشريع، أو الحصول على حق الانتخاب، أو ترشيح الحصول على مناصب ومراكز قيادية، أو غير قيادية.. إلخ.
رابعاً: افتعال لصراع ثنائي بين الرجل والمرأة، بين (المؤيدين) و(المعارضين)... فالرابح هو الذي يحصل على (مكاسب)، والخاسر هو المتنازل عن تلك المكاسب مهما كانت، والأصل العودة للنظرة المتوازنة لا الأُحادية الجانب.
خامساً: الانطلاق - وبدون قصد في كثير من الحالات - من أن نموذج الرجل وما يثبت له هو النموذج الأمثل، وفي مثل هذه الحالة لن تكون المرأة رجلاً، وكذلك العكس، وليتنا نعلم أن الرجل ليس هو النموذج المحتذى للمرأة، وأن التميز والخصوصية لكلٍّ من نوعي الإنسان مقصود للشارع سبحانه، ولن يكون يوم القيامة الحساب اليسير للرجال والعسير للنساء، فالقاعدة في التفاضل بالتقوى والعمل الصالح (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الحجرات/13.
سادساً: إغفال أو تحجيم دور المرأة في الأُسرة، منذ البناء والتفكير بإنشاء الأُسرة. فالدعوات القائمة التي تنظر إلى دور المرأة في الأُسرة على أساس أنه دور عادي لا قيمة له، وأن الدور الحقيقي يكمن في المشاركة على قدم المساواة، وفي كل مجالات الحياة، دون أي حساب للدور الأُسري، وهذا التوجه فيه ظلم كبير للمرأة أولاً، وللأُسرة وخاصة النشء وللمجتمع.
ومردُّ ذلك في نظري يعود إلى ضعف (التقييم) لدور المرأة وللنظرة التي يضفيها المجتمع بفئاته المختلفة لهذا الدور، فالمحصلة النهائية التي ترى في أي عمل قيمته المادية وإضافته للناتج القومي الاجمالي (رقماً في إحصاء) لأي مجتمع، تغفل وبإحجاف المشاركة والإسهام الكبير لدور المرأة في التربية، وهو إضافة لا يستغنى عنها، والخسارة فيه خسارة لا تعوض، والواجب إعادة حساب وإدخال هذا الجهد المبذول من قبل المرأة ضمن المعدلات العليا في ميزان الناتج الاجمالي للمجتمع.

تعقيب:
إن الدور الأساسي للمرأة في الأُسرة أولاً، يضعها في مقام الجهاد الذي لا يقل أهمية بل يفوق الجهاد القتالي لحماية الأُمة والوطن، فالبيت ثغر من ثغور لا يسده ولا يقوم بالمرابطة فيه غير المرأة، وهذا الثغر يحتاج إلى قوة وإرادة وعزيمة أكثر من ذي قبل، ذلك أن التحديات التي تواجهها الأُسرة المسلمة والنشء بوجه خاص أكبر بكثير من العصور الماضية، فمن سيقوم بالدور الذي يبني سياجاً أمنياً ثقافياً في عقول أبناء الأُمة ويبني شخصيتهم على مواجهة التيارات المختلفة التي تبثها وسائل الاتصال المختلفة والتي سيلقاها الناشئة في مستقبلهم أمامهم أو سيتلقونها لا محالة.


الهوامش:
[1] معلوم أن مقصود الكاتبة بـ"الفكر الإسلامي السلفي" الإسلام نفسه الذي يأمر بالحجاب وبتطبيق قواعد السرة والميراث.. إلخ.
[2] أوردت هذا النقل الباحثة سعاد الناصر في كتابها القيم: "قضية المرأة"، وهو من سلسلة إصدارات "كتاب الأمة" ص112، وأشارت إلى مقال فريدة النقاش بعنوان: "إقرار المرجعية العالمية لحقوق المرأة هو المعركة". والنقاش هي التي ذكرت المقولة.
[3] راجع ما كتبه شكري لطيف في كتابه: "الإسلاميون والمرأة: مشروع الاضطهاد"، ط2، 1988، تونس.


مصدر: موقع دائرة الإفتاء العام- الأردن، د. عبد الناصر أبو البصل

التعليقات (0)

اترك تعليق