مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

لقاء مع الشهيد (أندرزكو)

لقاء مع الشهيد (أندرزكو)

لقاء مع الشهيد (أندرزكو):

وفقني الله في خضمّ هذه الحوادث أن أتعرف على الشهيد السعيد السيد (علي أندرزكو)(1)، كان قد حضر إلى هناك لهدف تقييم المجموعات المسلحة في خارج البلاد، وإيجاد الارتباط معها، وإعداد مقدار من الأسلحة والعناد.
قال لي الشهيد (منتظري) في أحد الأيام: "جاء شيخ من إيران، فلا بأس أن تذهبي إليه الليلة وتتعرفي عليه" كنت أسمع كثيراً أوصاف الشهيد (أندرزكو)، ولكنني لم أره أبداً، ولم يقل لي الشيخ (محمد منتظري) أن هذا الشيخ هو (أندرزكو). عندما ذهبت ليلاً لزيارة الشيخ لم أتصور أبداً أنه يعرفني، لكنه بعد أن نظر لي، وبعد السلام والتحية سألني مباشرة: "ألستِ أنت السيدة (دباغ)؟"، فُجئتُ لذلك وقلت: "كلا أنا الأخت "طاهرة"، فقال: "نعم، أنا أعلم أنك (طاهرة) هنا، ولكنني أعرفك من (إيران)..." فذكر لي كل من كنت أعمل معهم في إيران، أو كانت لي علاقة وصلة بهم، لم يكن سماع هذه المطالب مفهوماً لي، حيث إن هذا الشخص لديه كل هذه المعلومات، فسألته: "ومن أين حصلت على كل هذه المعلومات عني، وكيف عرفتني؟"، قال: "أنا أندرزكو" فتنفست الصعداء، وبدأت من جديد بالسؤال عن صحته وأخباره.
كان الشهيد (أندرزكو) على صلة وارتباط بجماعة (علماء الدين المناضلين في إيران)، وعلى معرفة تامة ببعض أعضائها، وصديق حميم لهم، ذكر لي عن الأوضاع والأحوال في داخل البلاد، ومن ثم تحدث لي عن (العراق) و(النجف)، وتحدثت لي بأمل عن انتصار الثورة ونضال الشعب وكفاحه تحت لواء وقيادة الإمام (الخميني)، وأعدّ البرامج والخطط وقال: "إنه قَدِم إلى (سوريا) لجمع الأسلحة"، لقد أوصى أن تجمع له أنواع الأسلحة، بدءاً من المسدسات الصغيرة التي تُشد بالأحزمة على الظهر المجهزّة بكواتم الصوت، وانتهاءاً بالأسلحة الرشاشة (إلعوزي)، وكان المسؤول عن تهيئتها وإحضارها السيّد (جلال الدين الفارسي)(2)، وأما أنا فقد كنت الرابط لاستلام ونقل وتسليم الأسلحة.
وبعد بذل جهد كبير استطعنا تلبية عدد كبير من الطلبات التي أوصى الشهيد (أندرزكو) بتهيئتها، وقمت بتحويلها إلى محل إقامته في أحد الملاجئ السريّة والآمنة للفريق في (سوريا).
اتسم الشهيد (أندرزكو) بالزهد والورع والتهّجد وتميّز في سلوكه بالمتانة والوقار، هذا جانب صغير من الخصائص التي اتسمت بها هذه الشخصية الفذّة والراقية، وأما صخب الباطن والأفكار السامية والمتعالية والكبيرة التي كان يحملها، فقد بقيت متسودعاً خفياً وسرّاً، لم يكشف عنه أحد بعدُ.
شاهدته بذلك الجسد النحيف، النشط البارع، بدأ وكأنه قطعة من اللحم في زاوية من زوايا الغرفة، رافعاً صوته بالتضرع والدعاء والعبادة في الليل، واضعاً جبهته على التراب، فأرتعش لمشاهدتي ذلك، وأقول: كم أنا بعيدة عن قافلة النور هذه، و...
كان الشهيد (أندرزكو) يحب أن يقدّم لنا خدمة وعمل، قلت له يوماً "نحن لم نتعود على استخدام السكر بل إننا نستخدم القند في شرب الشاي" فقال: "لا صعوبة في ذلك، سأصنع لكم القند الآن" ثم قام وأتى بقليل من الماء الساخن، ووضع قليلاً من السكر داخل صحن، ثم بدأ يقطّر الماء الساخن على السكر وصيّره رطباً، فدلكه بيده، وعمل قطع كثيرة وبحجم البندق، ثم وضعها جميعاً تحت نورالشمس لتجف، وبهذا النحو صنع لنا عدداً كبيراً من حبات القند، كان عمل الشهيد (أندرزكو) هذا رائعاً وجذاباً بالنسبة لي، شخص بهذا الحجم من المشاكل وتراكم وضغوط العمل، والبرامج الكبيرة التي كان يديرها، لم يغفل حتى عن مثل هذه الأمور الجزئية.
الشهيد (أندرزكو) وأثناء فترة إقامته في (سوريا) كان يتحدث لنا حسب مقتضيات حاله ووقته عن كفاحه ونضاله وتجاربه، فمثلاً نقل لنا فقال: "كان لي في يوم من الأيام موعد مع أحد الأخوة في تقاطع (بهلوي) –ولي العصر- فوصل لي خبر أن قد ألقي القبض على فلان، كنت على ثقة من صموده وصمته تحت التعذيب، قررت أن أقترب من مكان الموعد، ولكن عندما اقتربت منه شعرت بأن الوضع غير طبيعي، عندما وصلتُ إلى منحنى الشارع الفرعي، حيث كان من المقرر أن يقف هذا الشخص أمام نقطة معينة، ولكني لم أجده، وفي لحظة التفتُ إلى سيدة كانت ترافق ولدها الصغير وهو يتأوّه ويتذمر، فسرتُ أمامها، وقلت لها: "أماه، اسمحي لي أن أحتضنه لعلّه يهدأ ويسكت، إنه طفل لا يفهم، فأخذت الطفل ووضعته على كتفي، وأخذت أتكلم مع الأم، بعد أن ابتعدتُ قليلاً عن ذلك المكان، وضعت الصغير على الأرض وهربت..".
يريد الشهيد (أندرزكو) ببيان هذه الوقائع أن ينقل لنا تجاربه، ويعلمنا ماذا علينا أن نصنع في وقت الأزمة؟ كانت تجارب ومذكرات الشهيد (أندرزكو) تتميز بالقيمة العالية جداً والثمينة.
لقد كان من جملة إنجازاته مشاركة عائلته له في هذا الخط الجهادي الخطر.
كانت المعلومات عن المهام التي تناط بنا محدودة وبمقدار الحاجة فقط، لأن احتمال خطر إلقاء القبض علينا والكشف عن أنشطتنا موجود في كل الأحوال، لذا لم تكن تتضح كافة زوايا المهمة التي نريد القيام بها، وقد تكون الأوامر أحياناً شفوية وعلينا الاعتماد على ذاكرتنا في حفظها، ولا يذكر عن الأشخاص الذين يتعاونون معنا في المهمة سوى بعض الأوصاف الظاهرية، وعند القيام بالمهمة كانت التوصية هي أن لا نفكر بشيء سوى الوصول إلى الهدف، وعلينا أن لا نتدخل في أي شيء آخر.
في إحدى المهام اتخذ قراراً أن أذهب أنا وأحد الزملاء إلى الحدود بين (إيران) و(العراق)، وأن نسلّم حقيبة -لا نعرف ما فيها- لشخص يحمل مواصفات معينة، في مكان بين (الأهواز) و(آبادان)، قالوا لنا: "سترون شخصاً في النقطة الفلانية بيده حقيبة ذات لون كحلي أو أحمر، ولا يكون التسليم إلاّ من خلال قول كلمة السرّ، وبعد التسليم عودوا إلى مواقعكم وعليكم أن تسلكوا مسيراً آخر. لم يكن يسمح لنا بالدخول إلى البلاد، بل ولا حتى الاتصال بعوائلنا، المهمة كانت سرّية للغاية، مضت المهمة بشكلها الطبيعي إلى حين تحويل الحقيبة والبضاعة إلى الشخص المطلوب، لكننا أثناء العودة، واجهنا مشكلة عويصة في الطريق، قال لنا صاحب القارب، الذي كان من المقرر أن يوصلنا من (الهور) إلى الحدود، في أثناء الطريق: "إنّ الوضع غير طبيعي ومشكوك، وطلب منّا أن ننزل إلى داخل (الهور)، ونبقى ننتطر، فيأتي لنا في ظلام الليل لنقلنا من هنا في هذه الظروف التي لم نكن نتوقعها، أجبرنا على قبول كلام صاحب القارب، ووثقنا به، كان وضعنا صعباً ومحزناً في ذلك اليوم، حيث لا يمكننا أن نقف ف مكان واحد في (الهور)؛ لأنه ممتلئ بالسرطان البحري، وإن وقفنا فسيتسلق على رؤوسنا وأظهُرنا.
أنشب الجوع والتعب أظفاره ومخالبه في نفوسنا وأجسامنا، فزاد هذا من صعوبة الوضع، كنا ندعو الله أن لا ينسانا صاحب القارب، وأن يأتي الليل كما وعد، فتحقق ذلك بالفعل، وبعد طول انتظار، جاءنا ذلك الشخص، وأنقذنا من (الهور) والمهلكة، وأوصلنا إلى الحدود.


______________ 
1- ولد السيد علي (أندرزكو) في عام 1937م، في أسرة متدنية، في جنوب طهران، بعد أن أنهى دراسته الإبتدائية، ترك المدرسة بسبب الفقر واشتغل في إحدى الأسواق، ليساعد عائلته مادياً، ذهب إلى مسجد المحلة لتعلم الدروس الدينية والعلوم الحوزوية، التحق في تلك الفترة أيضاً بالجناح العسكري للجان المؤتلفة، وبعد الإعدام الثوري لــ(حسن علي منصور) رئيس الوزراء سافر إلى قم ليستمر في الدراسة، ثم ذهب إلى النجف الأشرف، وبعد عودته من العراق التحق مباشرةً بالحوزة العلمية لإكمال دراسته، فحضر دروس كبار العلماء ومراجع التقليد، أمثال: المشكيني، مكارم شيرازي، وكان مراقباً من قبل السافاك لهذا السبب، سمى نفسه في قم (الشيخ عباس طهراني)، ولكن عرفت هويته الحقيقية بعد مدة بسبب أنشطته السياسية المختلفة، فقدم إلى الحوزة العلمية في (جيذر) (محلة قريبة في شميران –طهران)، وتتلمذ عند آية الله السيد علي أصغر الهاشمي، وبعد مدّة سافر إلى مشهد المقدسة، فأقام بجوار الإمام الرضا(ع) وأخذ يتردد على أفغانستان، تزوج السيد (أندرزكو) في السابعة والعشرين من عمره، ولكنه ولمدة توارى عن الأنظار بسبب اغتيال (منصور) طلّق زوجته، وبعد ذلك تزوج بابنة السيّد عزت الله سيل سبور، فولد له أربعة أولاد من هذا الزواج. ارتبط الشهيد (أندرزكو) بمنظمة حزب الله عن طريق الشهيد محمد مفيدي في فترة الكفاح والنضال، ومع منظمة مجاهدين خلق عن طريق الشهيد أحمد رضائي، وبعد الإعلان والتصريح بالمواقف الالتقاطية والماركسية للمنظمة في عام 1975م، وبعد استشهاد (مجيد شريف واقفي) و (مرتضى صمديه لباف) وضع اسم (أندرزكو) في قائمة تصفيات واغتيالات المنظمة، بسبب حفاظه على مواقفه الإسلامية، وأخيراًلا تمّ التعرّف على هوية (أندرزكو)، فاستشهد على يد السافاك في ليلة 19 من شهر رمضان المصادف 24/8/1978م، من أسمائه المستعارة: 
1ـ الشيخ عباس الطهراني.
2ـ الدكتور السيد حسين الحسيني.
3ـ أبو قاسم واسعي.   
4_ عبد الكريم سبهر نيا.
5_ أبو الحسن النحوي
6_ محمد حسين الجوهري.
7_ جوادي.
2- ولد جلال الدين الفارسي في مدينة مشهد المقدسة عام 1933م، تعرف في الصف الأول من المرحلة الثانوية على الدكتور علي شريعيتي، وقد صادفت مرحلة دراسته في الثانوية اتساع حركة وانتفاض الشعب الإيراني، شارك في الاعتصامات والتظاهرات التي شهدتها إيران فترة العامين لحكومة الدكتور مصدق، ونضال الجبهة الوطنية لتأميم النفط، سافر خفية إلى العراق بعد تعرفه في عام 1960م على ثورة 14 تموز لعبد  الكريم قاسم في العراق ومعرفته بالتغييرات التي قام بها جمال عبد الناصر في مصر، فألقت الشرطة القبض عليه، وبعد إطلاق سراحه سافر إلى سوريا، فألقى عليه القبض بعد عودته إلى إيران، وزجّه النظام في السجن (قزل قلعة)، ومن ثم أطلق سراحه في عام 1962م، بذل (الفارسي) جهوداً كبيرة في الأعوام 1965-1970م بالتعاون والتنسيق مع الدكتور رجائي وباهنر وبهشتي، لتنشيط الحركة السياسيسة لنهضة الإمام الخميني، وقام في الأعوام 1963-1970م بنشر آثار ثورية ومن جملتها: رسالة الثورة تكامل للإسلام. قام بأنشطة ثورية كثيرة في سنوات القمع التي قام بها النظام، منها: إلقاء المحاضرات في مقر هداية وإرشاد الشباب وجامعات شيراز، فقام رجال الأمن (السافاك) بإغلاق هذا المركز بسبب محاضراته، سافر خفية عام 1970م إلى لبنان، واستطاع إعداد المئات من الثوار هناك وإرسالهم إلى إيران للقيام بأعمال مسلحة، عينه الإمام الخميني للتعاون والتنسيق المشترك مع منطمة فتح الفلسطينية، بعد انتصار الثورة الاسلامية دخل جلال الدين الفارسي مع ياسر عرفات إلى إيران، واختير عضواً في الحزب الجمهوري الإسلامي بعد تأسيسه، ممثلاُ في مجلس إعداد الدستور، الترشح لأول دورة في انتخابات رئاسة الجمهوريّة، وممثلاً في مجلس الشورى الإسلامي، هذه جملة من نشاطه السياسي بعد انتصار الثورة الاسلامية، له كتب ومؤلفات كثيرة مثل: الزوايا المظلمة، أربع ثورات والمنهجين الديني والدنيوي، فلسفة الثورة الإسلامية، قاموس مصطلحات الثورة الإسلامية، الثورة الإسلامية والقيادة والزعامة الاجتماعية.


المصدر: 23عاماً.. وسط الطوفان (مذكرات المناضلة الإيرنية الحاجة مرضية (دباغ))، إعداد وتقديم: السيد محسن الكاظمي، ترجمة ونشر: دار الولاية للثقافة والإعلام، الطبعة الأولى، 2015م

التعليقات (0)

اترك تعليق