مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

أنت حظّي 2

أنت حظّي 2

تطلّب الأمر منها الكثير من المقاومة، والتقلّب بين أخذ ورد، والتأرجح بين كلمة أو اقتراح من قريب أو صديق، أو مدّعي مصلحة كما كان يقدّم نفسه، وبين شعور داخلي عميق بالميل إلى رجل لم تعرف غيره يومًا. كانت بعض العروض تغريها، أو على الأقل تخترق مناعتها –ولو نسبيًا- ولكنها، سرعان ما تستعيد قوتها –بمشقة حتمًا- وتستمد من ذكراه طاقة تستعين بها على دوائر الأيام. لم يكن سهلًا عليها تجاوز هذه الظروف الصعبة، ساعدها جو العائلة المتعاطف مع خطيبها، كونه ابن خالتها، وكون أمها المطلّقة تملك زمام أمورهم، بعيدًا عن تدخلات والدها، المعارض لفكرة ارتباطها بابن خالتها أصلًا. تكررت الرسائل، وتواصلت بينهما بانتظام، فصارت تملأ عليها حياتها، وتحصّن موقفها تجاه الآخرين. وهو يأنس كثيرًا كلما وصلته منها رسالة، مهما كان مضمونها، حتى إنها في إحداها، كتبت كلمتين فقط :" أنت حظّي".
كان مستعدًّا لتحمّل كل مشقّات السجن من أجلها، على الرغم من أنه لم يكن مهيّأً لمثل هذه الظروف، فهو اعتاد ارتياد الحقول والوديان، يرصد جنود العدو ويقارعهم، تارة بعبوة ناسفة، وأخرى بكمين مسلح، ولطالما نجا من الموت بأعجوبة. ولكنه بدأ يشعر بإحباط ما بعده إحباط، والسبب هي. كيف يربط مصيرها بمصيره، وهو يعلم أنّهم لن يتركوه قبل أن يخبرهم عن مكان بلال، شقيقه الأصغر الذي فجّر نفسه بقافلة إسرائيلية. كانت مخابرات العدو الصهوني تشك بأن شقيقه بلالًا هو منفذ العملية، والمقاومة يومها لم تعلن اسمه الحقيقي، حرصًا على ذويه وإخوته. ادّعى أول مرة سألوه فيها عنه بأنه مسافر. فانهالوا عليه ضربًا، ثم علّقوه على العمود في وسط باحة المعتقل، عاريًا معصوب العينين. في تلك الليلة، أحضروا أحد الأشخاص، وضربوه ضربًا مبرحًا، وحين كانوا يهمّون بسحبه إلى الزنزانة، ارتطم رأسه بالحائط وبدأ ينزف. ارتبك العملاء، وما كان منهم إلا أن ألقوه في الزنزانة، من دون أن يقدّموا له أية إسعافات. ظلّ أنينه يُسمع حتى الصباح، بعدها، لم يعد يسمعه، ولم يعد يسمع عنه اي شيء أصلًا، فاستنتج أنه قضى نحبه، وعلم لاحقًا أنهم عمدوا إلى دفنه في إحدى زوايا المعتقل.
والحال هذه، أليس ظلمًا أن تبقى في انتظاره؟ فكّر في أن يحرّرها من الارتباط به، أو لعلّه أراد أن يستبق تخلّيها عنه، لأنه يعلم ما قد يواجهها من ضغوط، خصوصًا من والدها الذي لا يطيق سماع اسمه، حتى تطلب الطلاق منه، وهو يريد أن يحفظ لها ذكرى جميلة في نفسه، ولذا يجب أن يبادر إلى اتخاذ خطوة جريئة، ولو كانت على حساب مشاعره، ولكن على الأقل سيكون معذورًا من جهة، ومن جهة أخرى، يكون قد أعفاها من الدخول في هذا الصراع، مع نفسها ومع الآخرين.
ولكن كيف سيكتب لها بهذا الشأن؟ وهل يستسهل هو مثل هذا القرار؟ إنها حلم حياته، أحبها مذ كانت طفلة، وتعهّد رعايتها وحمايتها من كل الأطفال الآخرين، إلى أن أصبحت فتاة يافعة، يراها أجمل بنات الأرض، وهي تراه فتى أحلامها، ولكم تمنّت أن يطلبها زوجة له، وهكذا كان. ارتبطا، وهما ابنا سبعة عشر ربيعًا. لم تمضِ شهور قليلة، حتى أُسِرَ خلال مهمة سرّية، كلّفته بها المقاومة في الشريط الحدودي المحتل، الذي احتفظ به الصهاينة في العام 1985، بعد انسحابهم من معظم أراضي الجنوب.
لن يكون وقع طلبه –لو فعل-  سهلًا عليها، فكر. ولكن في الوقت عينه، لن يسمح لنفسه بأن يستغل حبّها له، كي يحجز حريتها، وقد مضى حتى الآن أكثر من سنتين على اعتقاله.
كان يملك من بُعد النظر، ما يقوده لاستشراف المستقبل. " لن أخرج من هذا السجن، إلا وقد اشتعل الرأس شيبًا، أو أُدفن سرًا في إحدى زواياه، كما حصل مع ذاك المسكين". كانت تنتقل من سطر إلى آخر، وعيونها تشعّ شوقًا. تغاضت عن أسلوبه الذي لم يتحسّن كثيرًا عن آخر مرة كتب لها فيها، حين رد على رسالة "أنت حظي". تفعل الكلمات فعلها في نفسها، الحبر الأزرق، الورق الحزين، ورائحة السجن تسكن أنفها، وتتسلل إلى أعماقها، حتى تخال أنها نزيلة إحدى زنزاناته المعتمة الموحشة، فيتضاعف شعورها بالعذاب والقهر، إلا أن ذلك كان يشحذ حبها له، ويجعلها أكثر إصرارًا على التمسك به. "اذهبي في حال سبيلك، فأنت في حل من الارتباط بي".

يتبع...

المصدر: موقع المقاومة الإسلاميّة. منهال الأمين

التعليقات (0)

اترك تعليق