مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

إخراج الإمام الحسين عليه السلام للنساء إلى كربلاء وآثاره على الإسلام والمسلمين

إخراج الإمام الحسين عليه السلام للنساء إلى كربلاء وآثاره على الإسلام والمسلمين

 ليس من السهل على الباحث الوقوف بشكل دقيق ـ-ليكون مطابقاً لعين الواقع- على الحكمة التي اقتضتها مشيئة الله تعالى في إخراج عيال حجة الله تعالى الإمام الحسين عليه السلام إلى أرض المعركة التي كانت نتائجها العسكرية قطعية عند الإمام الحسين عليه السلام؛ وهي استشهاده مع جميع أبنائه وأبناء عمومته وأصحابه ومن ثم سبي هؤلاء النسوة.
وعليه: أصبح أمر الوقوف على هذه الحكمة أقرب إلى المستحيل، لاسيما ونحن نتعامل مع أدق القضايا الغيبية التي ارتبطت بدين الإسلام؛ هذا الدين الذي أحيطت به خصائص خاصة جعلته الدين الذي ارتضاه الله لرسله وأنبيائه.
من هنا: نلمس بعمق أن هذه القضية، أي عاشوراء، هي من أدق القضايا الغيبية المرتبطة بالله تعالى وبرسوله الأعظم محمد صلى الله عليه وآله.
إلا أنّنا نستطيع أن ندور في فلك هذه القضية ونقترب من نواتها الحكمية مرة أو نبعد مرة أخرى، وذلك بحسب الآثار التي حققتها هذه المسألة، أي خروج النساء والأطفال، مستعينين بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله) وصاحب هذه الرزية الإمام الحسين (عليه السلام) وبما يفتحه علينا من باب لطفه وعطائه، وهو المأمور بالضيافة والإجارة وهو الذي أعطاه ربه سبحانه ما فاق عطاءه لسليمان.
ثم لا غنى لنا في حياتنا ومماتنا عن كتاب الله تعالى نستعين به على معرفة بعض هذه الآثار التي حققها هذا الخروج والاصطحاب للنساء والأطفال، فضلاً عن الوقائع والأحداث التي تجلّى فيها هذا الأثر أو ذاك في خروج هؤلاء النسوة.


الأثر الأول: اصطفاء الذرية للدفاع عن الشريعة، وشاهده القرآني:
إنّ أول هذه الآثار التي حققها وجود النساء والأطفال في كربلاء والتي من خلالها تظهر بعض جوانب الحكمة في إخراجهن إلى أرض الطفوف هو: أن الإمام الحسين عليه السلام أراد بيان حقيقة مفادها: أنه امتداد للأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وأن الله تعالى جعل فيه من السنن ما جعل في أنبيائه من إشراك ذريتهم في الاصطفاء لحفظ شريعة الله تعالى.
وقد تجلى هذا الأثر جلياً حينما خرج علي الأكبر عليه السلام فقد أرخى الإمام الحسين عليه السلام عينيه بالدموع وصاح بعمر بن سعد: ما لك؟ قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسلط عليك من يذبحك على فراشك ثم رفع شيبته المقدسة نحو السماء وقال: «اللهم اشهد على هؤلاء فقد برز إليهم أشبه الناس برسولك محمد خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً وكنا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيك نظرنا إليه، اللهم فامنعهم بركات الأرض وفرقهم تفريقا ومزقهم تمزيقاً واجعلهم طرائق قددا، ولا ترضِ الولاة عنه أبداً فإنهم دعونا ينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلونا ثم تلا قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))[1].
وعليه: فقد احتج عليه السلام بكتاب الله تعالى وبيّن لهم أنه وولده امتداد للأنبياء عليهم السلام فضلاً عن اصطفائهم على العالمين، وأنهم ذرية بعضها من بعض، ومن ثم فهم بذلك يكونون قد اعتدوا على جميع الأنبياء وأجرموا في حقهم وانتهكوا حرماتهم.


الأثر الثاني: هواية القلوب للذرية، وشاهده القرآني:

 يعرض القرآن الكريم شاهداً آخر من فلسفة وجود عنصري المرأة والأطفال في حياة الأنبياء، ودفاعهم عن شريعة الله حتى يكاد القرآن لا يجعل فاصلة بين تضحية الأنبياء بأنفسهم عن تضحيتهم بنسائهم وأبنائهم في حفظ الشريعة كما حصل لنبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام حينما أخرج زوجته وولده الرضيع نبي الله إسماعيل إلى وادٍ غير ذي زرع يحف بهم الخطر من كل جانب فضلاً عن فقدان ضروريات الحياة والبقاء كالماء والمأوى قال تعالى على لسان نبي الله إبراهيم عليه السلام: ((رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ))[2].
فهذه الآية المباركة تكشف جانباً من الحكمة في إخراج إبراهيم الخليل عليه السلام لعياله على قلة عددهم فيما لو قيسوا مع عيال الإمام الحسين عليه السلام فشتّان بين أن يكون المعصوم عليه السلام مأموراً من الله تعالى بحمل امرأة واحدة وولد واحد كإبراهيم الخليل عليه السلام الذي خرج بزوجته هاجر وولدها الرضيع نبي الله إسماعيل عليه السلام، وإخراجهم من بيت المقدس إلى أرض مكة عند بيت الله الحرام.
وبين إخراج الإمام الحسين عليه السلام لعشر من أخواته وخمس من بناته وأزواجه الثلاث فهؤلاء ثماني عشرة امرأة بين فتاة في الرابعة من عمرها وبين عقيلة في السادسة والخمسين فضلاً عن مجموعة من الإماء اللاتي خرجن مع عقائل النبوة وبنات الوحي، ومن لحق بهن من نساء أصحاب الإمام الحسين عليه السلام اللاتي توقفت معاناة السبي لديهن في الكوفة حينما جاءت كل قبيلة فأخرجت نساءها من بين قافلة الهاشميات.
وعليه: تظهر الآية المباركة التي تتحدث عن إخراج إبراهيم الخليل لذريته وإيداعهم في أرض قاحلة جانباً من الحكمة في هذا الخروج الذي ورثه ولده الحسين بن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والذي تلازم معه في الدلالة والأثر مع الفارق في المصائب والخطوب والرزايا التي ألمت بابن إبراهيم الحسين عليه السلام وبين ولده إسماعيل.
فعلى الرغم من توحد المصداق في فداء بيت الله الحرام بين نبي الله إسماعيل وحجة الله الحسين عليه السلام إلا أن المذبوح هو الحسين بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمفدى هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام لا عن تفاوت في الشأنية بين رياضة الحبيب وولد الخليل وإنما لعظم البلاء الذي لا يتحمله قلب إبراهيم ورقّ له قلب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الممدوح بالذكر الحكيم: ((مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى))[3].
وأما الأثر في هذا الخروج الإبراهيمي والحسيني فهو إقامة الصلاة،((رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ))[4]، وحينما كانت الغاية إقامة الصلاة بدلالتها البنائية لا الأدائية كانت الهواية القلبية مقرونة بالذرية وهم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولعل المسلم اللبيب لا يحتاج دليلاً أو بياناً لمعرفة الشخص الذي تهوي إليه الأفئدة أهو إسماعيل بن هاجر أم الحسين بن فاطمة عليهم السلام. أم تراه لا يجد التشخيص بين رضيع إبراهيم المسقي بماء زمزم أم رضيع الحسين المسقي من دم الوريد فهذا الخروج لعيال الحسين كذا الخروج لعيال إبراهيم لكنما الأفئدة تهوي لآل الطفوف.


الأثر الثالث: إن الحسين وعياله خير أمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وشاهده القرآني:
لعل المرء يتوقف متأملاً في هذا الأثر الذي حققه إخراج الحسين عليه السلام لعياله إلى أرض المعركة، ألا وهو كونهم من أهم الأدوات التي عملت على إحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طول الدهر.
إذ يقتصر دور المرأة غالباً في الاهتمام بشؤون الأسرة وإن سنح لها المجال ببعض الوقت وهي في خضم تلك المسؤوليات أن تمارس هذا الدور في الأسرة من خلال تنشئة أبنائها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي لا يتعدى في هذه الحال عن مجموعة من الأوامر والنواهي والمرغبات والمحذرات عن القيام ببعض الأعمال أو ترك بعض الأفعال للأبناء دون أن تلفظ المرأة هذه المفردات وأعني (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في مسامع أبنائها.
والعلة في ذاك محصورة بين رؤية الأم أو الأب لتصرفات الأبناء ضمن نطاق الحسن والقبيح ومدلولاتهما التربوية والأخلاقية.
لكننا هنا: في أرض الطف نلمس نوعا جديداً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يظهر في المجتمع الإسلامي الذي أصبح فيه المسلم يرى المنكر معروفا والمعروف منكراً، ذلك المجتمع الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حاله حينما توجه إلى أصحابه قائلاً: «كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر». فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ فقال: «نعم، وشر من ذلك كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف». فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ قال: «نعم، وشر من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً»[5].
وعليه: لزم أن تكون هناك أدوات فاعلة ومؤثرة تحيي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتصحح الأذهان في تشخيصها للمعروف والمنكر فتأمر بالأول وتنهي عن الثاني.
ولذا: نجد أن سيد الشهداء عليه السلام حينما خرج بعياله قد أشركهم في الهدف من هذا الخروج وأدخلهم في الغاية من تحركه فقال عليه السلام: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالما إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»[6]. فكانوا مصداق قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ))[7].
ولعل الباحث أو القارئ حينما يستعرض تاريخ الأمم ومسيرة الأديان لا يجد أمة كالحسين وعياله قد خرجت وأُخرجت للناس، قد قدمت أرواحها ودماءها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالكيفية التي جرت في عاشوراء وبالصورة التي شهدتها كربلاء.
وإذا كان إبراهيم الخليل عليه السلام ((أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ))[8]، فكيف لا يكون الحسين وعياله عليهم السلام أمة.


الأثر الرابع: الأثر التصديقي؛ وشاهده القرآني:
إنّ من السنن التي يعرضها القرآن الكريم في نهج الأنبياء عليهم السلام منهج الدفاع عن صدق دعوتهم، وبيان ذلك إلى الناس، فكان من خلال تقديم النساء والأطفال في إلقاء الحجة على من لم يؤمن بهم، فضلاً عن المكذبين لهم؛ وهذا ما قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حادثة المباهلة حينما كذبه النصارى في دعواه بالنبوة حينما خاطبه الباري عزّ وجل: ((الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ))([9]).
وقد نص كثير من كتب التفسير والتاريخ، كتفسير الكشاف للزمخشري، وتفسير الثعلبي، وتفسير العلامة الطباطبائي، ومجمع البيان، وتفسير البغوي، والنسفي، والفخر الرازي وغيرها: على أن الأثر الذي تركه إخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنسائه ممثلاً ذلك في بضعته النبوية فاطمة عليها السلام وذريته ممثلا بولديه الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام على النصارى في تصديقهم بدعواه للنبوة وأنه خاتم الأنبياء ما لم يكن تحقيقه في المعجزة.
إذ قد يفسر هؤلاء المعترضون والمشككون فيما لو جاءهم صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزة من المعاجز بأنها ضرب من السحر كما حصل ذلك لموسى الكليم عليه السلام حينما سجد له السحرة فقال فرعون عند ذلك: ((إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ))[10].
ولذلك لم يأتهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزة ولو شاء لأمده الله تعالى بما لا طاقة لهم به، إلا أنه صلى الله عليه وآله وسلم وجد أن إخراجه ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين عليهم السلام، هو أمض أثراً وأشد تصديقاً لهم بدعوته ورسالته.
فضلاً عن إشراكهم في الدفاع عن رسالته ونبوته، وذلك بقوله لهم: «إن أنا دعوت فأمنوا». فكان ذلك بمسمع ومرأى من النصارى  والصحابة الذين وقفوا ينظرون هذا الخروج المهيب، فما كان من النصارى ورهبانهم وقادتهم إلا أن قالوا: (إن خرج عليكم محمد بأصحابه فباهلوهم وإن خرج عليكم بأهله فلا تباهلوهم)[11]، وذلك إن الإنسان لا يعرض أبناءه ونساءه ونفسه للهلاك ما لم يكن يوقن بأنه وأبناءه ونساءه لله رب العالمين.
وعليه: فإن إخراج الإمام الحسين عليه السلام لعياله من أخواته وبناته وأبنائه حتى الرضيع منهم وإشراكهم في أمره كان اتباعاً لسنة جده المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، والتزاماً بالمنهج القرآني في الدعوة إلى التصديق بما خصه الله تعالى به، وهو الإمامة، وإنه حجة الله على خلقه، فكان الأثر الذي أوجده خروج النساء والأطفال في التصديق به كما كان في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بابنته فاطمة وولديها وزوجها للمباهلة.
فانعكس ذلك على أصحابه وبني عمومته وأعدائه في يوم عاشوراء وانعكس ذلك على الإنسانية جمعاء بعد استشهاده لتتهاوى أمامه العروش وترقى به النفوس وتحنو إليه القلوب بأنه صادق ومصدّق لما أتى به جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقائد للصادقين والمصدّقين برسول رب العالمين.


الأثر الخامس: الأثر التوثيقي:
 إن حادثة بحجم يوم عاشوراء تحتاج إلى مجموعة من الشواهد التوثيقية تتناسب مع حجم تلك المأساة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن قضية التوثيق هي في حد ذاتها معركة تدور رحاها بين كلا الخصمين اللذين شهدت أرض الطف ما جرى بينهما.
فبنو أمية حرصوا أشد الحرص على طمس هذه المأساة وإخفاء تلك الجرائم التي ارتكبها جيش عمر بن سعد وقادة الجيش وعامة الجند –وبالطبع- هي حالة ملازمة لكل جريمة وقعت منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل، فقد سعى لإخفاء آثار جريمته فأخذ يبحث عن وسيلة تنفعه في إخفاء جريمته وضياع كل ما من شأنه أن يوثق هذه الحادثة.
ولولا حرمة هابيل عند الله لما كان هناك ما يدل قابيل على دفن أخيه، قال تعالى: ((فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ))[12].
فنشأت عند ذلك حالة نفسية تجذرت في النفس البشرية إلى قيام الساعة.
ولذا: جهد بنو أمية على طمس آثار مأساة الطف وكسب معركة التوثيق حينما يكون الشهود هم ممن تم تصفيتهم سواء أكانوا موالين أم مخالفين.
في المقابل: كان الإمام الحسين عليه السلام قد أعد العدة لتلك المصادر التوثيقية حينما أخرج عياله وأطفاله إلى كربلاء وعلى رأسهم الإمام زين العابدين وولده الإمام الباقر عليهما السلام فضلاً عن بنات النبوة.
من هنا: نلمس خطورة المأساة ودقة هذا الخروج للنساء والأطفال، أما بقية الشهود من الخصم وهم الذين تلطخت أيديهم بالدماء وغيرهم ممن حضروا في كربلاء مكثرين للسواد وقد بلغوا أكثر من ثلاثين ألفاً، فأغلبهم لم يكونوا أدوات توثيقية بمثل ما قدّمه عيال الحسين عليهم السلام والسبب يعود لأمور:
1ــ أن الذين خرجوا لقتال الإمام الحسين عليه السلام أصبحوا بعد المأساة ملاحقين من المختار الثقفي، فتتبعهم حتى قتل منهم (ثمانية عشر ألفا)[13] وبذلك يكون نصف هؤلاء الذين شهدوا المعركة قد قضي عليهم.
أما من فرّ منهم من المختار إلى مصعب الزبيري فكانوا (عشرة آلاف)[14]، فهؤلاء لم يتجرأوا على كشف ما فعلوه كي لا يقع أحدهم تحت عيون المختار وأعوانه المنتشرين في الكوفة وغيرها.
2ــ إنّ الذين تداركوا أمرهم وخرجوا من الكوفة إلى مكة ليدخلوا تحت راية الزبيريين أو الذين لحقوا بالشام سواء من كانوا من أهلها أو الذين كانوا من أهل الكوفة لم يجرؤ كثير منهم على البوح بما فعلته يداه وذلك هروباً من عار ما اقترفه والمرء لا يبوح بما هو عار عليه. وبذلك لم يكونوا من أدوات التوثيق.
3ــ إن الذي نجا منهم من سيف المختار لم ينجُ من عقاب الله الذي أخذ يلاحقهم فرداً فرداً، فكانوا عندئذ مادة توثيقية لبيان حرمة أهل البيت عليهم السلام. بقي عندنا بعض الذين كانوا من الأصل شواهد من هذا الجانب فقط ولذلك لم نشهد هناك أدوات توثيقية كثيرة كحميد بن مسلم أو ما استطاع جمعه أبو مخنف ممن شهد الفاجعة سواء كانوا من أفراد جيش عمر بن سعد بن أبي وقاص أو من أهل القرى القريبة من كربلاء كالغاضريات وهم من بني أسد الذين استعان بهم الإمام زين العابدين في دفن الأجساد.
وعليه: يبقى وجود النساء والأطفال والإمامين السجاد والباقر عليهما السلام هو المادة الأساسية لتوثيق مصائب كربلاء، أما إجمال القضية التي شهدت مظاهر يوم الطف فقد أرخها المؤرخون لكن تبقى كثير من مشاهد المأساة لم تكشف بعد، كالحملة الأولى للأصحاب فقد اكتفى التاريخ بقوله عنها: (فما انجلت الغبرة إلا واثنين وخمسين صريعاً على الأرض). أو تلك الأيام التي سبقت المعركة.
وكمصائب الرأس الشريف وما لحق بمسير النساء والأطفال من كربلاء إلى الكوفة والشام ومجريات ليلة الحادي عشر وغير ذلك، فكثير منه لم يكشف بعد، ولولا وجود عيال الحسين عليه السلام لغيب كثير مما وصل إلينا.

الأثر السادس: حفظ نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الانقطاع:
إن المتتبع لحركة السيرة النبوية منذ أن بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وما تبعها من أحداث سجلت في تاريخ المسلمين، يلمس من الشواهد التي تدل على أن المنافقين والمشركين كانوا يصبون جل غضبهم على كل ما له صلة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولاسيما بني هاشم فما سلم منهم إلا من كان غير مؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأبي لهب أو الذين كتموا إسلامهم كالعباس بن عبد المطلب وأبو طالب رضوان الله عليه وعقيل بن أبي طالب، ومن هذه الشواهد:
1ــ فرض الحصار عليهم وهجرهم في شعب أبي طالب حتى كادوا أن يهلكوا جميعاً وهي أول محاولة للإبادة الجماعية عند العرب.
2ــ التنكيل بهم، فقد روى الطبراني عن عبد الله بن عمر أنه قال: إنما أنا لقعود بفناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ مرّت امرأة فقال بعض القوم هذه بنت محمد؛ فقال أبو سفيان إن مثل محمد في بني هاشم كمثل الريحانة في وسط النتن أو قال التبن، فانطلقت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فخرج ويعرف في وجهه الغضب فقال: «ما بال أقوام يؤذونني في أهلي». ثم قال: «إن الله خلق السماوات سبعا فاختار العليا فسكنها وأسكن سائر سماواته من شاء من خلقه وخلق الأرضين سبعا فاختار العليا وأسكنها من شاء من خلقه ثم خلق الخلق واختار من الخلق بني آدم فاختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشا واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار فمن أحب العرب فلحبي أكرمهم ومن أبغض العرب فلبغضي أبغضهم»[15].
3ــ الحط من قدرهم وإن قرابتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تنفعهم. وهو ما أخرجه أحمد في المسند عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: تزعمون أن قرابتي لا تنفع قومي والله أن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، إذا كان يوم القيامة يرفع لي قوم يؤمر بهم ذات اليسار فيقول الرجل: يا محمد أنا فلان بن فلان ويقول الآخر أنا فلان بن فلان فأقول: أما النسب قد عرفت ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم على أعقابكم القهقرى.

وهنا: أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يضع قريشاً على حقيقتين:
أ . ان قرابته تنفعهم يوم القيامة فمن شاء فليتمسك بهم ومن شاء فليعرض عنهم.
ب . انهم سيرتدون على أعقابهم لما أحدثوا في الأمة والانتهاك لحرمته وقتل قرابته.
ويروي الحافظ الهيثمي في زوائده عن عبد الله بن عباس قال: توفي ابن لصفية عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكت عليه وصاحت فأتاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لها: يا عمة ما يبكيك. قالت: توفي ابني. قال: يا عمة من توفي له ولد في الإسلام فصبر بنى الله له بيتا في الجنة.
فسكتت، ثم خرجت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبلها عمر ابن الخطاب فقال يا صفية قد سمعت صراخك، إن قرابتك من رسول الله (ص) لن تغني عنك من الله شيئاً، فبكت فسمعها النبي (ص) وكان يكرمها ويحبها، فقال: يا عمة أتبكين وقد قلت لك ما قلت؟!
قالت: ليس ذاك أبكاني يا رسول الله استقبلني عمر بن الخطاب فقال إن قرابتك من رسول الله (ص) لن تغني عنك من الله شيئا.
 قال: فغضب النبي (ص) وقال: يا بلال هجر بالصلاة فهجر بلال بالصلاة، فصعد المنبر (ص) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع؟ كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي فإنها موصولة في الدنيا والآخرة.
فقال عمر فتزوجت أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما لما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أحببت أن يكون لي منه سبب ونسب. ثم خرجت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت على نفر من قريش فإذا هم يتفاخرون ويذكرون أمر الجاهلية فقلت –منّا- رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الشجرة لتنبت في الكبا قال: فمررت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال يا بلال هجر بالصلاة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله. قال: أنسبوني.
قالوا: أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قال: أجل أنا محمد بن عبد الله وأنا رسول الله فما بال أقوام يبتذلون أصلي فو الله لأنا أفضلهم أصلا وخيرهم موضعا.
قال: فلما سمعت الأنصار بذلك قالت قوموا فخذوا السلاح فإنّ رسول الله (ص) قد أغضب، قال: فأخذوا السلاح ثم أتوا النبي (ص) لا ترى منهم إلا الحدق حتى أحاطوا بالناس، فجعلوهم في مثل الحرة حتى تضايقت بهم أبواب المساجد والسكك، ثم قاموا بين يدي رسول الله (ص) فقالوا: يا رسول الله لا تأمرنا بأحد إلا أبرنا عترته، فلما رأى النفر من قريش ذلك قاموا إلى رسول الله (ص) فاعتذروا وتنصلوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الناس دثار والأنصار شعار. فأثنى عليهم وقال خيرا[16].
4ــ الإشارة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتلهم كما في معركة بدر. وهذا ما يخص بني هاشم بشكل عام. ولو أردنا أن نحصي الشواهد على محاربة علي وفاطمة وولديهما في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخرج الكتاب عن العنوان.
ولكن: يكفي بالباحث والقارئ التتبع لهذه الحقيقة، أي: محاربة كل ما له صلة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن هذه الحرب تزداد ضراوتها كلما كانت هذه الصلة أقوى وأقرب لتتبلور في علي وفاطمة عليهما السلام بالرجوع إلى أول عملية قتل لنسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي كانت بعد وفاته مباشرة حينما تم الهجوم على بيت فاطمة فأسقطت المحسن عليه السلام، وهو أول شهيد من بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لو قدر الله له البقاء لكان ثلث نسل رسول الله منه.
لكن شاء الله تعالى أن يشهد علي وفاطمة عليهما السلام أول القرابين إليه في حياتهما.
ثم تلته بعد ذلك قتل فاطمة عليها السلام التي كان نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها بعد مرور خمسة وسبعين يوما على وفاة أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبذلك يكون أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم قد سددوا رميتهم إلى قلب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وقطعوا مشكاة نسله. ثم قتلوا ولده الإمام الحسن عليه السلام حينما دس إليه معاوية وابنه يزيد السم بعد أن تمكن أعوانه من الوصول إلى زوجته جعدة بنت الأشعث فدفعوا السم إليها والمال وتزويجها بيزيد بن معاوية[17].

حتى إذا وصلنا إلى كربلاء نجد إصرار المنافقين على إبادة الحسين عليه السلام وذريته جميعاً وبشتى الطرق، والمناداة بذلك:
1ــ فقد روى الطبري أن: شمر بن ذي الجوشن حمل حتى طعن فسطاط الحسين برمحه ونادى عليّ بالنار حتى أحرق هذا البيت على أهله، قال فصاح النساء وخرجن من الفسطاط، قال: وصاح به الحسين عليه السلام: «يا ابن ذي الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي، أحرقك الله بالنار!»[18].
2ــ حينما تصدى أصحاب الحسين عليه السلام وبنو هاشم لجيش عمر بن سعد ومنعوهم من الوصول إلى خيام الإمام الحسين عليه السلام نادى عمر بن سعد بالجيش: أحرقوها بالنار فأضرموا فيها النار فصاحت النساء، ودهشت الأطفال، فقال الحسين عليه السلام: «دعوهم يحرقوها فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا إليكم» فكان كما قال[19].
3ــ لم يزل ابن سعد يحاول القضاء على الحسين وأهله فنراه يأمر الجيش بقوله: ويحكم اهجموا عليه ما دام مشغولا بنفسه وحرمه، والله إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم، فحملوا عليه يرمونه بالسهام حتى تخالفت السهام بين أطناب المخيم وشك سهم بعض أزر النساء فدهشن وأرعبن وصحن ودخلن الخيمة ينظرن إلى الحسين كيف يصنع[20].

كل هذه المحاولات كشفتها وقعة الطف حتى إذا انجلت الحرب وإذا بنا نشهد صوراً جديدة تؤكد هذه الحقيقة وهي السعي في القضاء على نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإبادة أهل بيته، لكن أنّى لهم ذلك وقد شاء الله أن يحفظ نسل رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وحبيبه، فبوجود العقيلة زينب عليها السلام وبجهادها استطاعت أن تحفظ بقية الله وحجته ومورد ذرية رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
فكانت هذه المشاهد كالآتي:
1ــ روى الطبري عن حميد بن مسلم، أنه قال: انتهيت إلى علي بن الحسين ابن علي الأصغر وهو منبسط على فراش له وهو مريض وإذا شمر بن ذي الجوشن في رجالة معه يقولون: ألا نقتل هذا؟ قال، فقلت: سبحان الله، أنقتل الصبيان إنما هذا صبي.
قال: فما زال ذلك دأبي أدفع عنه كل من جاء حتى جاء عمر بن سعد فقال: ألا لا يدخلن بيت هؤلاء النسوة أحد، ولا يعرضن لهذا الغلام المريض ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليرده عليهم، قال: فو الله ما رد أحد شيئا[21].
وفي رواية السيد المقرّم «رحمه الله» كان المشهد أكثر وضوحا فقال «رحمه الله»: وانتهى القوم إلى علي بن الحسين وهو مريض على فراشه لا يستطيع النهوض فقائل يقول: لا تدعوا منهم صغيراً ولا كبيراً، وآخر يقول لا تعجلوا حتى نستشير الأمير عمر بن سعد وجرد الشمر سيفه يريد قتله فقال له حميد بن مسلم: يا سبحان الله أتقتل الصبيان؟ إنما هو صبي مريض فقال: إن ابن زياد أمر بقتل أولاد الحسين، وبالغ ابن سعد في منعه خصوصاً لما سمع العقيلة زينب ابنة أمير المؤمنين تقول: «لا يقتل حتى أقتل دونه فكفوا عنه»[22].
2ــ وحينما أمر عبيد الله بن زياد بإدخال بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قصر الإمارة، وبعد فظاظته وعجرفته مع ابنة أمير المؤمنين زينب عليها السلام التي عقرت بكلماتها رحم سلطانه أن قال لعلي بن الحسين عليهما السلام وقد التفت إليه: ما اسمك؟ قال: «علي بن الحسين».
فقال: أو لم يقتل الله عليا؟ فقال زين العابدين عليه السلام: «كان لي أخ أكبر مني يسمى عليا قتله الناس». فرد عليه ابن زياد بأن الله قتله، قال عليه السلام: «الله يتوفى الأنفس حين موتها وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله»[23].
وروى الطبري: أن ابن زياد حينما سمع هذا القول من الإمام زين العابدين عليه السلام قال: أنت والله منهم،  [...]  قال: اقتله. قال علي بن الحسين عليه السلام: «من توكل بهؤلاء النسوة». وتعلقت به زينب عمته فقالت: «يا ابن زياد حسبك منا، أما رويت من دمائنا، وهل أبقيت منا أحداً». قال: فاعتنقته، فقالت: «أسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لما قتلتني معه».
قال: وناداه علي بن الحسين فقال: «يا ابن زياد إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلاً تقياً يصحبهن بصحبة الإسلام». قال: فنظر إليها ساعة ثم نظر إلى القوم فقال: عجباً للرحم والله إني لأظن أنها ودت لو أني قتلته أني قتلتها معه، دعوا الغلام انطلق مع نسائك[24].
إذن: إن من الآثار التي ظهرت في إخراج الإمام الحسين عليه السلام لعياله إلى كربلاء هو حفظ نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الانقطاع فضلاً عن حفظ حجة الله تعالى الذي كان منه أئمة ثمانية سلام الله عليهم أجمعين.


الأثر السابع: الأثر الوجداني:
 لم يشهد التاريخ الإنساني ولاسيما العربي أن هناك امرأة استطاعت أن تمتلك القدرة على تحريك الحس الوجداني كعقيلة الطالبيين وابنة أمير المؤمنين زينب عليهما السلام، بل تكاد تكون هذه الصفة منحصرة بها وكأنها هي الوحيدة التي أصيبت من بين بنات علي أمير المؤمنين عليه السلام حتى لقبت بألقاب عديدة تنم عن حجم تأثيرها عليها السلام بالمشاعر الإنسانية.
فلقد لقبت بأم المصائب، وكعبة الرزايا؛ ومرفأ الدمعة، وأم الحزن، وغيرها من الألقاب التي يدركها الإنسان الحي والمنصف -بغض النظر عن دينه أو مذهبه- وذلك أن المناط بهذا كله هو الوجدان الإنساني.
ولذا: حينما يكون هذا الأثر الحساس والفعال متلازماً مع خروج النساء والأطفال نوقن أن النتائج التي حققها هذا الخروج -لاسيما فيما يخص هذا الأثر-  لها من الخطورة بمكان ما جعل الحكام الأمويين والعباسيين وبعض المذاهب المخالفة لمذهب العترة النبوية أن تشد العزم بمحاربة كل ما له علاقة بتحريك هذا الحس الوجداني، لغرض التمكن من منع الإنسان من التأثر بهذه الرزية أو الانقياد لها وإتباعها مما يعني نشر مذهب العترة النبوية عليهم السلام.
فضلاً عن كشف حقيقة هؤلاء الحكام، بل أبعد من ذلك تقديم صورة نقية لا تشوبها شائبة عن تلك الحقبة الزمنية التي أعقبت وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن التاريخ الذي وضعته أيدي المتزلفة للحكام إنما صيغ بمقاس يتناسب مع مقتضيات الحكام وغرائزهم وشهواتهم.
ومن ثم: يصبح الناظر أمام حالين إما:
1 . إعادة النظر والتأمل والتفكر ليصل به الفكر إلى القطع بظلامة أهل البيت عليهم السلام وضياع حقهم وإنهم أولى بالإتباع والاقتداء في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
2 . وإمّا أنّه بحاجة اولاً إلى النظر في نفسه وطريقة تفكيره ونظرته للأمور، وذلك أنّ عدم التأثر وجدانياً بهذه الأحداث هو خلاف الطبيعة الإنسانية. ولعل تتبع الشواهد الإنسانية المفعمة بالعاطفة والحزن والدمعة والزفرات يخرج البحث عن عنوانه إلا أننا نكتفي بشاهد واحد من التاريخ الإسلامي الذي عمل الرواة جاهدين على حبس هذه المشاهد عن الظهور إلى الناس.
فقد روى الطبري عن أبي مخنف عن أبي زهير العبسي، عن قرة بن قيس التميمي قال: نظرت إلى تلك النسوة لما مررن بحسين وأهله وولده، صحن ولطمن وجوههن. قال: اعترضتهن على فرس، فما رأيت منظرا من نسوة قط كان أحسن من منظر رأيته منهن، ذلك والله لهن أحسن من مهى يبرين، قال فما نسيت من الأشياء لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة حين مرت بأخيها الحسين صريعا، وهي تقول: «يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء، هذا حسين بالعرا، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء. يا محمداه، وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا». قال: فأبكت والله كل عدو وصديق[25].
أقول: يعز على كل مسلم غيور، وعلى كل عربي صاحب حمية أن تتعرض بنات النبوة وربيبات الرسالة إلى هذا الهتك للحرمة، وقد قتلت رجالهن وحماتهن وهن لا حول لهن ولا قوة فان كان الرجال برزوا للحرب فقاتلوا وقتلوا فما بال النسوة وهن بهذه القرابة القريبة من سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، وأي دين أصبح لدى الناس في أرض الطفوف؟!


الأثر الثامن: الأثر الفقهي:
الأصل في الحقوق الفردية للمسلم حرمة دمه وماله وعرضه وهذا الحكم الشرعي منجّز في ذمة المكلف الذي يعتقد بالإسلام ديناً، أما من لا يعتقد بالإسلام فإن دم المسلم وماله وعرضه مباح لديه.
ومن ثم فإن دلالة: (شاء الله أن يراهن سبايا) هو لكشف حقيقة معتقد شيعة آل أبي سفيان الذين خاطبهم الإمام الحسين عليه السلام بقوله: «يا شيعة آل أبي سفيان إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم هذه وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عرباً كما تزعمون»[26]. فناداه شمر فقال: ماذا تقول يا حسين؟!
فقال: «أقول أنا الذي أقاتلكم، وتقاتلونني، والنساء ليس عليهن جناح، فامنعوا عتاتكم وطغاتكم وجهالكم عن التعرض لحرمي ما دمت حيا».
ولذلك لما تعرضوا للنساء والأطفال كشفوا بذلك عن عدم إيمانهم بأي دين. وهو ما حققه وجود عيال الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء في كشف هذا الأثر الفقهي حينما أباحوا مال رسول الله والتعرض لسلب بناته وسفك دماء ذريته.


الأثر التاسع: الدفاع عن حق علي عليه السلام في الوصاية والخلافة التي اغتصبت
إنّ من الآثار التي أظهرها إخراج النساء إلى أرض كربلاء هو الدفاع عن حق علي عليه السلام في الوصاية والخلافة التي اغتصب بلحاظ كونه أول الحقوق التي انتهكت وضيّعت، وإن الأمة التي اغتصبت حق الله في تعيين الخليفة وجعله في مقام الوصاية لرسوله المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وتعديهم على هذا المقام ودفع صاحبه الشرعي عنه، وإعطائهم أنفسهم الحق في الاختيار والتعيين على الرغم من نهي القرآن عن ذلك، لحري بها أن تنساق إلى ما هو أعظم من الانتهاكات لمقام الخلافة، وهو سفك دماء حجة الله ووصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسفك دماء أهل بيته وولده وأصحابه.
قال تعالى: ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ))[27].
وقال سبحانه: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا))[28].
من هنا: كان دفاع بنات النبوة عن الشريعة وإرجاع الحق إلى موضعه ولو من باب الاحتجاج على الخصم الذي لم ينته من التعدي على تلك الحرم الإلهية التي كشفت حقيقة اعتقاده وثقافته الشرعية التي تختلف جذرياً عن المعطيات القرآنية والتعاليم السماوية.
لكن الملاحظ في هذا الدفاع هو تسلسله في التوجيه وكأنه ضربات سيف تتوالى على المعاند لتقطع تلك القيود التي قيد بها قلبه المنافقون وعقله فانصاع إلى أعداء الله مناصراً وعن حجج الله منصرفاً بل ومحاربا.

ولذا: كان المنهاج الدفاعي يترتب على مجموعة من الخطب التي استخدمت فيها العلاجات المناسبة والأدوات الفعالة لاستئصال هذا الورم الخبيث الذي ضرب بجذور العقيدة الإسلامية.
فكان أول الدفاع على لسان العقيلة زينب التي استطاعت -كما أسلفنا- تحريك القلوب التي أطبق عليها الرين فأظهرت عظمة حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يراعوا له حرمة ثم بينت التلازم بين حرمته وحرمة أهل بيته حتى عظم من أهل الكوفة الندم ودعوا بالويل والثبور على أنفسهم، لتأتي بعد ذلك فاطمة الصغرى وهي ترى هذا الفتح الذي حققه خطاب العقيلة زينب، فتأتي هي بجولة جديدة من الدفاع عن الشريعة، فتضع أمامهم ذلك الحق الذي انتهكوه والحد الذي تعدوا عليه ألا وهو حق علي بن أبي طالب عليه السلام في خلافة مقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو الوصي الذي جعله الله تعالى فيه.
فقالت بعد حمد الله تعالى والثناء عليه والصلاة على محمد وآله مدافعة عن خلافة علي عليه السلام: «اللهم إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، وأن أقول خلاف ما أنزلت عليه من أخذ العهود لوصيه علي بن أبي طالب عليه السلام، المسلوب حقه، المقتول من غير ذنب، كما قتل ولده بالأمس في بيت من بيوت الله، وبها معشر مسلمة بألسنتهم، تعسا لرؤوسهم! ما دفعت عنه ضيما في حياته ولا عند مماته، حتى قبضته إليك محمود النقيبة، طيب الضريبة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه فيك لومة لائم، ولا عذل عاذل، هديته يا رب للإسلام صغيرا، وحمدت مناقبه كبيرا، ولم يزل ناصحا لك ولرسولك صلى الله عليه وآله صلواتك عليه وآله حتى قبضته إليك، زاهدا في الدنيا غير حريص عليها، راغبا في الآخرة مجاهدا لك في سبيلك، رضيته فاخترته، وهديته إلى طريق مستقيم»[29].
وهذه الكلمات قد احتضنت كثيراً من الحقائق التي ضمت حياة الإسلام منذ بعث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والى يوم عاشوراء لا يسع المجال للإسهاب في دلالاتها ففيها الكفاية لمن كان له قلب، وإلا أي منصف وبغض النظر عن معتقده وهو ينظر في هذه الكلمات ولا يجد فيها ما نزل بعلي بن أبي طالب من الظلم من هذه الأمة فضلاً عن بيان شخصه المتفرع من القرآن والسنة المحمدية.
بقلم: السيد نبيل الحسني.
ــــــــــــــــــــ
[1] سورة آل عمران، الآية: - 3433.
[2] سورة إبراهيم، الآية: 37.
[3] سورة النجم، ألآية: 11.
[4] سورة إبراهيم، الآية: 37.
[5] الكافي للكليني: ج5، ص59، ح14؛ المعجم الأوسط للطبراني: ج20، ص172، ح11381.
[6] بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج44، ص329.
[7] سورة آل عمران، الآية: 110.
[8] سورة النحل، الآية: 120.
[9] سورة آل عمران، الآية: 60.
[10] سورة طه، الآية: 71.
[11] بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج21، ص278.
[12] سورة المائدة، الآية: 31.
[13] مقتل الحسين عليه السلام للمقرم: ص330.
[14] المصدر نفسه.
[15] المعجم الأوسط للطبراني: ج6، ص200؛ مستدرك الحاكم: ج4، ص73.
[16] مجمع الزوائد للهيثمي: ج8، ص216. ذخائر العقبى للطبري: ص6.
[17] تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر: ج13، ص284. الوافي بالوفيات للصفدي: ج12، ص68. البداية والنهاية لابن كثير: ج8، ص47. مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصفهاني: ص31. شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي: ج3، ص123. الاستيعاب لابن عبد البر: ج1، ص389. أسد الغابة لابن الأثير: ج2، ص15. تهذيب الكمال للمزي: ج6، ص252 ــ 253. تهذيب التهذيب لابن حجر: ج2، ص260.
[18] تاريخ الطبري: ج4، ص334؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج4، ص69؛ البداية والنهاية لابن كثير: ج8، ص197؛ مقتل الحسين لأبي مخنف: ص141.
[19]تاريخ الطبري: ج4، ص334؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج4، ص69.
[20] مقتل الإمام الحسين عليه السلام للمقرم: ص291.
[21] تاريخ الطبري: ج4، ص347. مقتل الإمام الحسين عليه السلام لأبي مخنف الأزدي: ص201.
[22] مقتل الإمام الحسين عليه السلام للسيد المقرم.
[23] المصدر السابق: ص242.
[24] تاريخ الطبري: ج4، ص348. البداية والنهاية لابن كثير: ج8، ص211، مقتل الإمام الحسين عليه السلام لأبي مخنف: ص206.
[25] مقتل أبي مخنف: ص204؛ تاريخ الطبري: ج4، ص349؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير: ج4، ص82؛ البداية والنهاية لابن الأثير: ج8، ص210؛ اللهوف لابن طاووس: ص79؛ جواهر المطلب لابن الدمشقي: ج2، ص291.
[26] اللهوف في قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس: ص71.
[27] سورة القصص، الآية: 68.
[28] سورة الأحزاب، الآية: 36.
[29] الاحتجاج للطبرسي: ج2، ص27؛ مثير الأحزان لابن نما: ص67؛ البحار: ج45، ص110.

المصدر: موقع العتبة الحسينية المقدسة

التعليقات (0)

اترك تعليق