مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

أثر مصطلح تحرير المرأة(1): المصطلحات الوافدة من الغرب وأثرها على الهوية الإسلامي

أثر مصطلح تحرير المرأة(1): المصطلحات الوافدة من الغرب وأثرها على الهوية الإسلامية


مقدمة:
أهمية المصطلحات في ضبط المعارف وفهمها:
المصطلحات هي مفاتيح العلوم فبدونها تتجمد المعارف، ويصعب تعلمها، وتدارسها، وتناقلها بين الأقران والأجيال والحضارات؛ وباستيعابها تنجلي المضامين وتنكشف المحتويات فتفهم المقاصد والمرامي.
وكل علم من العلوم له من المفردات والألفاظ والاصطلاحات، التي بها يُعلم العِلم ويفهمه طالبوه.
وهذه الاصطلاحات تأتي بعد اتفاق أهل الصنعة أو العلم عليها، فتصير دالة على مجموعة من المعاني، أو المبادئ، أو الخبرات المتراكمة، أو الاكتشافات، أو الاختراعات، أو الاستنباطات، أو الدلائل المكونة لهذا العلم أو تلك الصنعة. فتتحول اللفظة من مجرد لفظة لغوية في ذاتها إلى كلمة ذات دلالة على معان محددة أو مجموعة ألفاظ معينة متفق عليها بين فئة أو أكثر من الناس. وهنا تكمن أهمية المصطلح في كونه كالمعيار الضابط لفهم المتلقي والمستمع لخطاب المتحدث ومقاصده.
مجال البحث:
[......] نطاق هذه الدراسة المتعلقة بالمصطلحات الوافدة إلينا من الغرب تخرج عنها مصطلحات العلوم التجريبية من طب وهندسة وصيدلة وغيرها، فيصير مجال البحث دائرًا حول بعض المصطلحات التي تنتمي لميدان العلوم الإنسانية الغربية، والتي تنظم شؤون الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية في الغرب، خاصة أن تلك العلوم قد افرزت اصطلاحات ذات مضامين تخالف في أحيان كثيرة ظاهرها اللغوي، ووفدت إلى عالمنا الإسلامي عبر احتكاكات عديدة، فزاحمت مفردات شرعية كانت متفردة في المجتمع الإسلامي. فحدث الالتباس بتلك المصطلحات الوافدة إلينا، خاصة وأن "المصطلحات والمفاهيم لا خلاف حول ارتباطها بثقافة المجتمع الذي تنتمي إليه؛ تحكم بمضامينه، وتوجه بمعطياته، والاصطلاحية الغربية جزء من هذا الاطراد، بقيت وفيه لتقاليد عصر النهضة وفلسفة الأنوار ومرحلة ما بعد الثورات الصناعية"(1).

الغرب وآلية المصطلحات الوافدة:
(1) المصطلحات الوافدة وعولمة النموذج الثقافي الغربي:
الحضارة الغربية كغيرها من الحضارات لها طموحات وأهداف تفرضها عليها طبيعتها التقنية والتوسعية، فتسعى بناء على ذلك إلى تعميم نموذجها الثقافي والذي تعد المصطلحات الغربية جزءا منه وذلك لتكون له الريادة بين بقية الثقافات، وأيضا لضمان استدامة تبعية البلدان المستهدفة من قبل الغرب.
وهذا التعميم مدعوم بالاستعلاء الغربي الذي أفرزته التفاعلات التاريخية وما صاحبها من حملات استعمارية، فهو لا يدع في الحسبان تباين الثقافات إذ إن هدفه محدد في سيادة ثقافته فقط.
ويبطل العلامة محمود محمد شاكر هذه الدعوة العالمية لتعميم الثقافة الغربية بقوله: "ثقافة كل أمة وكل لغة هي حصيلة أبنائها المثقفين بقدر مشترك من أصول وفروع كلها مغموس في الدين المتلقى عند النشأة، فباطل كل البطلان أن يكون في هذه الدنيا -على ما هي عليه- ثقافة يمكن أن تكون (ثقافة عالمية) أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعا، ويمتزجون على اختلاف لغاتهم ومللهم ونحلهم وأجناسهم وأوطانهم، فهذا تدليس كبير. وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم، هدف آخر يتعلق بفرض سيطرة أمة غالبة على أمم مغلوبة لتبقى تبعا لها، فالثقافات متعددة بتعدد الملل، ومتميزة بتميز الملل ولكل ثقافة أسلوب في التفكير والنظر والاستدلال منتزع من الدين الذي تدين به لا محالة"(2).
وعلى ذلك فإن ما يعرف بالمصطلحات الكوكبية المكرسة للفكرة العولمية ينبغي أن ينظر إليها وفق هذا المنظار العقدي ذي الطبيعة المستقلة والمتفردة والمميزة للدين الإسلامي، وفق تأثيرها على المسلمين ودينهم، وأنها عندما تساق فإنما تساق في إطار ترسيخ فكرة التبعية، ومن خلال النظرة الفوقية التي ينظر بها الغالب إلى المغلوب. والذي وافق في نفس الوقت ولع المغلوب بالغالب وهيبته منه ورغبته في تقليد كل شيء يأتي به يقول (RAPHAEL PATAI) أستاذ علم الإنسان في (دوبسيي كوليج) بفيلادلفيا وجامعة كولومبيا في خمسينيات القرن العشرين: "إن البحث في الأسباب التي أدت إلى التغيرات في الاتجاهات العقلية التي سادت منذ قرون، لا يجعلنا نرد هذه التغيرات العقلية إلى التغيرات في الاتجاهات العقلية التي سادت منذ قرون، لا يجعلنا نرد هذه التغيرات العقلية إلى الاهتداء المفاجئ إلى التفكير الأكثر عقلانية ولكن إلى (الميل للغرب)... من أين أتى هذا الميل؟! تكمن الإجابة على هذا السؤال في هذه الهيبة للغربيين وثقافتهم، إن الهيبة التي يتمتع بها كل شيء غربي في عيون شعوب الشرق الأوسط أوجد فيهم نزوعا إلى محاكاة كل الطرائق الغربية، إنّه أدى إلى رغبة خانعة ليس فقط في الحصول على المعدات الغربية، ولكن رغبة في تقليد السلوك والاتجاهات الغربية كذلك. ولما كانت اتجاهات هذا الغرب نحو دينهم المسيحي فاترة فكان من الطبيعي أن يقلد هؤلاء المعجبون بالطرق الغربية من مجموع ما قلدوه الفتور نحو الدين واللامبالاة به، فأظهروا عدم الاهتمام بدينهم هم"(3).

(2) المشروع الثقافي الغربي وإجلاله للأهواء:
وهنا نقطة جدير ألا تغيب عند تأمل المشروع الثقافي الغربي، لأنها بطبيعة الحال تنعكس على المصطلحات المصدّرة للعالم الإسلامي؛ وهذه النقطة هي إجلال هذا المشروع "للأهواء" وكونها ركنا رئيسيا من الأركان التي يقوم عليها.
يقول محمود شاكر: "بديهة الفطرة في الإنسان تقضي بأن (الأهواء) مرفوضة في كل عمل يستحق أن يوصف بأنه عمل شريف أو عمل علمي. والثقافة الأوروبية والحضارة الأوروبية تستقبل الأهواء بلا نكير ولا أنفة، بل هي تسوغ استعمال رذيلة (الأهواء) في الدنيا وفي الناس بلا حرج، لأنها حضارة قائمة على المنفعة والسلب ونهب الأمم وإخضاعها بكل وسيلة لسلطانها المتحضر! والدلائل على ذلك لا تخفى على بصير ذي عينين تبصران، فهي تسوغ ذلك في العلم وفي الثقافة وفي السياسة وفي الدين وفي كل شيء، ما دام جالبا للمنفعة أو دافعا للمضرة، بل تسوغها أيضا في الدعوى الغربية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأمم؛ دعوى أنها (حضارة عالمية) وفحواها أن العالم كله ينبغي أن يخضع لسلطانها وسيطرتها، ويتقبل برضى غطرستها وفجورها الغني الأخاذ الفاتن"(4).
إذا نظرنا لتلك الجزئية بالمنظار الإسلامي فإنه يتبين أن هناك تباينا واضحا بين معطيات الشريعة الإسلامية القائمة على حق محض وبين المعطيات الغربية القائمة في معظمها على الأهواء.
(3)- [...]
 يقول تقرير مؤسسة راند الأمريكية -والمقربة من مواقع صنع القرار الأمريكي- والذي حمل عنوان "الإسلام المدني الديمقراطي": "إن مسألة تعديل دين عالمي ليس بالأمر السهل، فإذا كان بناء أمة مهمة خطيرة فإن بناء الدين مسألة أكثر خطورة وتعقيدا منها"(5).

الغرب ونظرية تشويش الأحكام القيمية:
هذا التحريف المتعمد في الدين الإسلامي والذي عبر تقرير راند عنه بلفظة (تعديل)، قد استخدم عددا من الأساليب منها ما يطلق عليه الغرب نظرية (تشويش الأحكام القيمية) أو إيقاع الاضطراب في هذه الأحكام، باستخدام اصطلاحات وأفكار مناهضة لها، حيث تقوم هذه النظرية الغربية على الأساس التالي والذي أوضحه (RAPHAEL PATAI) بقوله: "هناك توازن وتوافق بين عناصر ثقافة المجتمع التقليدي المستقر جيدا، بمعنى أن القيم التي تحكم وتسود هذا المجتمع تتسق وتؤيد واقعه المعيش؛ ولهذا تتميز ثقافة هذا المجتمع بالتماسك والتوازن الداخلي -والحال هنا للإسلام والمجتمع الإسلامي- حيث تفترض النظرية أنه يمكن للواقع الثقافي أن يعير وأن يستعير عناصر من ثقافة أخرى مخالفة، بصورة أكثر سرعة من استعارة القيم الثقافية، ولهذا يصعب حدوث تغير في الواقع. وعندما يحدث اتصال بين ثقافتين مختلفتين، فيدخل واقع جديد إلى إحداهما يمكن هنا أن يتحطم التوازن القديم، وتتغير القيم الثقافية بتغير الواقع الذي كانت تحكمه وإن احتاج الأمر إلى بعض الوقت، بسبب هذه الصلة العاطفية التي يحيط بها المجتمع ثقافته الخاصة، ومقاومته لإدخال أي محتويات ثقافية غربية أو جديدة. وهذا لا يعني بالطبع أن مكونات الواقع في ثقافة ما يمكن أن تزرع في ثقافة أخرى دون أن تسبب تغيرات في قيمها، أو أن قيم ثقافة ما يمكن أن تفرض على الثقافة الأخرى دون أن تحدث تغيرات في مكونات هذه الثقافة؛ لأن التناسق المحكم والاعتماد المتبادل بين مكونات الواقع والقيم الثقافية يجعل من غير الممكن أن تدخل تغيرات في واحدة منها دون أن تحدث تغيرات في الأخرى"(6).
وهذه النظرية تفسر أسلوب الخلط الذي تم اتباعه عند مزاحمة الشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية، وكذلك مزاحمة كافة التدابير والأفكار الغربية المنظمة والموجهة للشؤون الحياتية الغربية وفق رؤية ظنية وضعية، لتدابير وأحكام الشريعة الإسلامية ومنظومة القيم الإسلامية لتلك الشئون وفق مراد الشارع الكريم.
ونفس الأسلوب يتبع الآن في الفكرة العولمية ومصطلحاتها الشمولية، فهي تدعو لمزج كافة الثقافات والأديان في بوتقة واحدة، مظلتها وراية قيادتها بيد الغرب، وإن حدث تعارض واصطدام فالمرجعية لتلك الرؤية العولمية.

(4) المصطلحات كآلية معاونة للاستعمار العسكري:
يتمدد نفوذ الاستعمار الغربي، مستخدما كافة الأساليب والوسائل المعينة والتي تمهد له الطريق، والمصطلحات واحدة من هذه الوسائل يقول الدكتور "عبد الرحمن يسري أحمد": "لم يتوقف النفوذ الاستعماري عند نقطة السيطرة العسكرية ومحاولات إحكام السيطرة الاقتصادية على موارد العالم الإسلامي، بل امتدت إلى أبعد من ذلك فكانت محاولات الغزو الفكري والثقافي لأوطاننا. وكانت العقبة الكبرى أمام هذا الغزو الخطير متمثلة في الإسلام وبدأت محاربة الإسلام فكريا، بمحاربة اللغة العربية التي نزل بها القرآن ثم امتدت إلى محاربة الشريعة الإسلامية، بإدخال قوانين غربية وضعية تحل محلها، وفي ظل التطورات دخلت بعض المؤسسات الاقتصادية الغربية التي يتعارض نشاطها مع الإسلام مثل البنوك الربوية إلى العالم الإسلامي، وذلك تحت ستار مصطلحات مستحدثة تخفى هويتها الحقيقية"(7).
فهذا أحد الخبراء الاقتصاديين يوضح كيف لعبت المصطلحات المستحدثة دورا في تسهيل اختراق النظم الربوية الغربية للعالم الإسلامي، الأمر الذي أدّى إلى إطعام المسلمين من حرام فضعفت شوكتهم، وصاروا معرضين لحرب الله التي توعد بها آكلي الربا، وإذا تحقق هذا الضعف بهذه الصورة سهلت مهمة المستعمر الغربي عسكريا.
وإشارة هذا الخبير إلى دخول المؤسسات الاقتصادية الربوية تحت ستار "مصطلحات مستحدثة مبهمة"، يؤكد عدم وقوف المصطلح عند الاستعمال أو التعبير اللغوي. ولكنه له ثمرة عملية تخالف معلوما من الدين بالضرورة.

(5) الممانعة للمصطلحات الإسلامية:
يدرك الغرب جيدا تفوق الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية حتى وإن كان نجمها منزويا بعض الوقت، لذا فقد عمد الغرب إلى تشويه صورة بعض المسميات والمصطلحات الإسلامية التي تعد مظلة لمجموعة من الأوامر والنواهي والمكونات التي تبني الشخصية المسلمة القوية، والقادرة على صد العدوان ونشر الإسلام، ومن هذه المسميات المصطلحات التي يلمس الجميع الهجمة عليها (الخلافة الإسلامية، الشورى، الجهاد، المقاومة، الشريعة الإسلامية، الحدود الإسلامية، الحجاب، المرابحة).
وتعمل في ذات الوقت على طرح اصطلاحات بديلة تسعى من خلالها إلى تذويب المصطلحات الإسلامية الأصيلة، ومن هذه المصطلحات (القوانين الوضعية- الفوائد الربوية- الديمقراطية [بديلا عن الشورى]- حرية المرأة) بل وتدفع باصطلاحات مضادة تجعل الضعفاء يتجنبون استخدام الاصطلاحات الشرعية مخافة تصنيفهم وفق معايير المصطلح الغربي المدفوع ومن هذه المصطلحات:
(الإرهاب، التطرف، الأصولية، الجمود، الرجعية، التخلف).
ويلمس المتابع لهذه الاصطلاحات الممانعة أنه يدفع بها على أنها من مقومات الحضارة والتقدم، وأن نقيضها هو التأخر والتخلف كإشارة إلى أن المتمسكين بالإسلام قولا وعملا هم دعاة التأخر، بينما رافعو المصطلحات العولمية المدسوسة هم دعاة التقدم والرقى، وفي ذلك يقول محمود شاكر: "لا يغررك زخرف الألفاظ الوسيمة المتلألئة مثل قولهم: (الجديد والقديم)، و(الأصالة والمعاصرة)، و(التجديد والتقدم)، و(الثقافة العالمية) و(الحضارة العالمية)، و(التخلف والتحضر) فإنما هي ألفاظ لها رنين وفتنة ولكنها مليئة بكل وهم وإيهام وزهو فارغ مميت فاتك، توغل بنا في طريق المهالك، وتستنزل العقل حتى يرتطم في ردغة الخبال (أي طينته اللزجة)"(8).
وهنا يتفق الدكتور "أحمد إبراهيم خضر" مع العلامة "محمود شاكر" بقوله: "إن المصطلحات والمفاهيم التي يستخدمها التنويريون العرب القدامى والجدد -وإن كانت تحمل معرفة معينة- فإنها إذا جردت من أغطيتها الفنية، وطبقاتها اللفظية التي تحتمي بها، فلن تكون أكثر من مجموعة فارغة من الألفاظ الكاذبة ذات الرطانات الغامضة التي لا تخدم أي قضية ولا تفيد في أي تحليل"(9).

(6) الاستشراق والمصطلحات الوافدة:
لا يخفى على أحد المرتبة التي وصلت إليها العلوم الإسلامية على يد علماء المسلمين في كافة صنوف المعرفة، وأن تلك العلوم كانت النواة الرئيسية التي قامت عليها النهضة الصناعية والحضارية في الغرب الحديث، وما كانت هذه العلوم لتنقل إلى الغرب إلا بفضل طائفة منهم أطلق عليها اسم "المستشرقون"، هذه الطائفة جدت واجتهدت وخدمت قضيتها الكنسية والعرقية بإخلاص شديد فتعلمت اللغة العربية، وأخذت تبحث وتنقل وتترجم من الكتب العربية التي دون بها علماء المسلمين مفاتيح وجوامع العلوم، وركزوا في مدارساتهم وترجماتهم على العلوم المادية منها، كالطب والفلك والرياضة والكيمياء وغير ذلك من العلوم التي هي أساس أي نهضة صناعية وحضارية.
لكن كيف ساهم الاستشراق في المعركة الاصطلاحية؟
لا يمكننا أن نخرج المعركة الاصطلاحية عن المنظومة الغربية الصراعية ككل والتي تضم ثلاثة أجنحة: (الجناح الاستشراقي الفكري يمثله المستشرقون في الماضي، والمؤسسات الفكرية، والمؤسسات المعاونة لصانعي القرار، والجامعات والمعاهد المعنية بدراسة الإسلام وأهله في الحاضر - الجناح الاستعماري ويمثله الساسة- وأخيرا الجناح التبشيري وتمثله الكنيسة) وهذه الأجنحة الثلاث نشأت في العصر الحديث متتابعة ومتتالية، وأهمها كان الجناح الاستشراقي.
وقد عمد الاستشراق إلى الدفع بالشبهات الاصطلاحية في القرآن الكريم والتي بانطلائها، يخسر المرء دينه وتختل عقيدته لجرأته على الله سبحانه وتعالى.
"فالمدرسة الاستشراقية اللغوية أسست لتفكير عدد لا بأس به من الباحثين العرب ممن لم تبخل بعض المجامع اللغوية عليهم بصفة العضوية، وأخذ الوهم العلمي أصحابها إلى افتعال نظرية (ثورة القرآن على العربية) بسبب تبنيه حشدا من الكلمات الأعجمية، أثارت غضبة العرب وموقف الرفض لديهم للدين الجديد، لأنّه سوى بين كلامهم وكلام غيرهم.... وحملوا عددا من الآيات على محمل الجد بين الله تعالى وبين المتعصبين العرب للغتهم، إلى حد أن صوروا الله تعالى كأنما يشتري رضاءهم بالتأكيد على كون القرآن نزل بلسان عربي ممبين (تعالى الله عما يصفون)، ويخلصون إلى أن الألفاظ الدخيلة وقد شرعها القرآن على رغم عصبية عرب قريش، يمكن اليوم أن تشرعها أقلامهم كثورة ثانية على عربية المتزمتين، وقد أورثت قراءات المستشرقين لقضية الوقف والاصطلاح في المزهر للسيوطي، وللمؤلفين الذين ذكرهم مفاهيم خاطئة وربما مبنية على الغلط انتقلت على علاتها إلى كتابات بعض الدارسين العرب"(10). 
إنّ هذا مثالاً على الدفع بالشبهات العقدية من خلال المدخل الاصطلاحي، والذي وظفه الاستشراق في الماضي لتحقيق هذا الغرض، وعلى نفس الوتيرة تسير المؤسسات الاستشراقية الحديثة في دفعها للشبهات العقدية.

(7) النموذج الفرنسي ومواجهة المصطلحات الوافدة:
تُعدّ فرنسا نموذجا يمكن من خلاله أن نبين حساسية الدول للمصطلحات الوافدة، وانزعاجها من تأثيرها وتحسبها من خطورتها على ثقافتها المحلية، حتى ولو كانت تلك الدولة منتمية للمجتمعات الغربية وكانت الخطورة لا تتجاوز الحدود اللفظية واللغوية للمصطلحات، أو الخصوصية الثقافية رغم أن الجامع والمشترك الحضاري كبير بين الثقافة الفرنسية وبين بقية أفرع الثقافة الغربية الأم.
وسنقدم هذا النموذج من خلال الدولة الفرنسية، وتعاملها مع اللغة الإنجليزية التي غزت دارها وباتت تهدد ثقافتها وتراثها الحضاري المحمي بلغتها الفرنسية.
ففرنسا تنفق سنويا مئات الملايين من الدولارات لنشر الفرنسية والفرنكفونية في أكثر من 134 دولة عبر العالم وهذا انطلاقا من مبدأ أن "من يتكلم الفرنسية يفكر فرنسياً ويأكل فرنسياً ويلبس فرنسياً". وعبر المراكز الثقافية الفرنسية تحاول فرنسا أن تنشر الثقافة والقيم الفرنسية وهذا عن طريق توفير آخر الكتب والأعمال المنشورة لكبار المفكرين الفرنسيين، فضلا عن الأفلام والأشرطة والأغاني والجرائد والمجلات الفرنسية، وتنظيم المحاضرات وغير ذلك من النشاطات الثقافية.
ورغم الشبكة الكبيرة من المراكز الثقافية -1056 مركزا ثقافيا فرنسيا- عبر 134 دولة في العالم فإن اللغة الفرنسية لم تستطع أن تفرض نفسها في الكثير من الدول التي تدّعي أنها فرنكفونية وأصبحت النخب الثقافية في المستعمرات القديمة لفرنسا، وفي باقي دول العالم الثالث تتسابق على تعلم اللغة الإنجليزية(11).
هذه الدولة صارت تعاني من زحف اللغة الإنجليزية على ثقافتها ومزاحمتها الفرنسية وباتت تهدد حصونها اللغوية. فقد "انتبه الفرنسيون يوما ليجدوا أن علوما بكاملها تدرس في معاهد حرة باللسان الإنجليزي، وأن المتخصصين بالإعلام مثلا يستعملون لغة مليئة بالمصطلحات الأمريكية ومتأثرة في تراكيبها بالأنماط الأنجلوساكسونية، ولقاء هذه المعاناة التي تمر بها فرنسا جراء هذا الغزو اللغوي، فقد بذل الوزير السابق للثقافة (جاك لانج) قصارى جهده لحماية اللغة الفرنسية، وذلك بإصدار قوانين وتشريعات تمنع استعمال الكلمات والمصطلحات الإنجليزية التي طغت على الشارع الفرنسي.
كما قامت فرنسا في العديد من المرات بإصدار قوانين وتشريعات للوسائل الإعلامية المختلفة وخاصة الإلكترونية منها بالالتزام ببث ما لا تقل نسبته عن 60% من الإنتاج الثقافي الفرنسي سواء كان هذا الإنتاج أغاني أم أفلاما أم دراما أم غير ذلك.
والحكومة الفرنسية كانت قد اتخذت قرارا (في مايو 1994م) يقضي بالعقوبة سجنا، أو تغريما ماليا يصل إلى ما يعادل ألفي دولار بحق كل من تثبت عليه (جريمة) استخدام غير الفرنسية في الوثائق والمستندات والإعلانات المسموعة والمرئية، وكافة مكاتبات الشركات العاملة على الأرض الفرنسية، وخاصة المحلات التجارية، والأفلام الدعائية التي تبث عبر الإذاعة والتلفاز. وأوضحت التصريحات حينها أن هذا القرار جاء لمواجهة هجمة اللغة الإنجليزية، التي أوصلتها الأقمار الصناعية إلى البيوت الفرنسية(12).
ومواقف رؤساء فرنسا حيال تلك المشكلةـ تعبر عن حجم القلق الرسمي على اللغة الفرنسية؛ ففي اجتماع القمة الأوروبية للاتحاد الأوروبي في 23 مارس لعام 2006، 23 صفر 1427ﮪ وبحضور 25 دولة أوروبية قال الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك: إنه شعر بصدمة حقيقية دفعته إلى مغادرة اجتماع القمة الأوروبية لدى سماعه مواطنه الفرنسي (أرنست أنطوان سيليه) رئيس لوبي الأعمال الأوروبي يلقي كلمته بالإنجليزية، وقال الرئيس الفرنسي: إنه فضّل والوفد الفرنسي مغادرة القاعة على الاستماع إلى سيليه، مشيرا إلى أن بلاده حاربت طويلا لضمان التحدث بالفرنسية في المؤسسات والمنظمات الدولية من الإتحاد الأووبي إلى الأمم المتحدة إلى الألعاب الأوليمبية، وأكد الرئيس الفرنسي أن ذلك "ليس مصلحة قومية فقط لفرنسا، ولكنها مصلحة الحوار والثقافة بين الثقافات فلا يمكن بناء عالم اعتمادا على لغة أو ثقافة واحدة"(13).
أما الرئيس ساركوزي فقد حدد موقفه بتصريحه: "أعتقد أن شبكة (فرانس موند) العامة لا يمكن أن تكون سوى باللغة الفرنسية، وأنا لست على استعداد لاستخدام أموال دافعي الضرائب في تمويل شبكة لا تتحدث بالفرنسية"(14).
إن الموقف الفرنسي حيال اللغة الانجليزية وإدراكه لتسلل المفردات اللفظية الأجنبية لها، يستدعي من باقي الأمم دفع المفردات الأجنبية حفاظا على هويتها الثقافية من الذوبان، خاصة إذا كان اللفظ الأجنبي لا يقف عند حدوده اللغوية، بل يمتد ليشمل مضامين نشأت في بيئة مغايرة، وتتباين مع خصوصيات الأمم في معالجاتها.

______________
(1)سعيد شبار: الاصطلاحية الغربية في الفكر الإسلامي المعاصر؛ أبحاث ندوة الدراسات المصطلحية والعلوم الإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس، المغريب، 1414ﮪ، 1993م، ج2، ص307.
(2)محمود محمد شاكر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997، ص74-75.
(3)THE DYNAMICS OF WESTERNIXATION, RAPHAEL PATAI.
PP 1-16, WINTER 1955, V 9 NO 1, THE MIDDLEEAST JOURNAL.
في: د. أحمد إبراهيم خضر: أقوال منسية حول "التغريب"، مجلة البيان اللندنية، العدد 78، صفر 1415ﮪ- يوليو 1994م.
(4)محمود محمد شاكر: مرجع سبق ذكره، ص78.
(5)شاريل بينارد: الإسلام الديمقراطي المدني (الشركاء والمصادر والاستراتيجيات)، تقرير مؤسسة راند الأمريكية (مؤسسة راند RAND (قسم أبحاث الأمن القومي -الولايات المتحدة الأمريكية- أعد التقرير بدعم ورعاية مؤسسة سميث ريتشاردسون -الولايات المتحدة، تاريخ إصدار الدراسة: 18/3/2004)، ترجمة موقع إسلام ديلي، ص20.
(6)OP.CIT., THE DYNAMICS OF WESTERNIXATION, RAPHAEL TATAI. نقلا عن د.أحمد إبراهيم خضر: أقوال منسية حول "التغريب"، مصدر سبق ذكره، ص 37.
(7)د. عبد الرحمن يسري أحمد: المصطلح الاقتصادي بين الفكر الوضعي والفكر الإسلامي في العصر الحديث، أبحاث ندوة الدراسات المصطلحية والعلوم الإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس، المغرب، 1414ﮪ، 1993م، ج2، ص788.
(8)محمود شاكر: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، مرجع سبق ذكره، ص80.
(9)د. أحمد إبراهيم خضر: وقفة مع التنوير بين الجدد، مجلة البيان اللندنية، العدد92، ربيع الآخر 1416ﮪ، سبتمبر 1995، ص102.
(10)د. المنجى الكعبي: العربية ومشكل الوضع والاصطلاح؛ أبحاث ندوة الدراسات المصطلحية والعلوم الإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس، المغرب، 1414ﮪ، 1993م، ص608-609.
(11)د.محمد قيراط: منظمة الفرنكوفونية والبحث عن الفردوس المفقود، صحيفة البيان الإماراتية، 6/10/2006.             
(12)صحيفة الخليج الإماراتية: العدد(5502)، 7/6/1994م، ص9.
(13)صحيفة الشرق الأوسط: العدد(10687)، 25/3/2006م، الصفحة الأولى.
(14)شبكة ميدل إيست أون لاين: 10/1/2008.

المصدر: كتاب المصطلحات الوافدة وأثرها على الهوية الإسلامية، الهيثم زعفان، مركز الرسالة للدراسات والبحوث الإنانية، مصر- القاهرة 2009 م.

التعليقات (0)

اترك تعليق