مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

فِيلّا جناب العقيد

فِيلّا جناب العقيد

يقول السيِّد كاظم الحسينيّ: ذات مرّة روى لي عبد الحسين برونسي حادثة حصلت معه في زمن خدمته العسكريّة في جيش الشاه المقبور زمن حكومة الطاغوت، وكانت بالنسبة إليه ذكرى مرّة وحلوة معاً، منشؤها معنويّاته الإلهيّة العالية. فقال: ذهبنا في أوائل أيّام خدمتي العسكريّة إلى "صفر – أربعة" بيرجند1.
وبعد انتهاء دورة التدريب العسكريّ، جاء دور توزيع التكاليف والمهمّات العسكريّة على الجنود وتعيين مواضع الخدمة لهم.
وفي يوم من الأيّام استدعوا جميع العسكريّين إلى ساحة الثكنة ليبلّغوهم هذا الشأن، وقبل بدء التوزيع، جاء القائد إلى وسط الجنود الشباب، وأخذ يذرع الأرض جيئة وذهاباً بهدوء وطمأنينة. وكان خلال ذلك يتقدّم نحونا وينظر بدقّة إلى أشكال الشباب، ثمّ توقّف فجأة أمام أحد الصفوف، ونظر بتردّد إلى وجه أحد الجنود. وأخذ يقيسه جيِّداً من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه، ثمّ قال بشكل آمر: إلى الخارج.
وهكذا، اختار اثنين أو ثلاثة آخرين. وكنت طويلاً ممشوق القامة، وبحسب تعبير الجنود: كانت قامتي رياضيّة، ولكنّي في الحقيقة لم أكن أملك سوى قامة قرويّة لفلّاح مظلوم.
وكان القائد العسكريّ للثكنة مازال يتمشّى بين الجنود ويتقدّم إلى الصفّ الأمامي، حتّى وصل إلى قُربي، ثمّ توقّف بشكل مفاجئ، وحاولت جاهداً أن أُحافظ على برودة أعصابي، وهو يُحدّق في وجهي بشكل دقيق، ثمّ وبتلك النظرات من قمّة الرأس إلى أخمص القدمين، قال: أنت أيضاً إلى الخارج.

فسمعت أحد الجنود من خلفي يهمس في أذني: (يا لِحظّك الجميل)!.
وقبل أن أخرج من الصفّ سمعت أيضاً عدّة عبارات من هذا القبيل:
- أنت الآن أصبحت في رغد عيشٍ ونعيم!
- سوف تتمتّع إلى آخر خدمتك.
وعندما أصبحت خارج الصفّ كتب أحد أصحاب الرتب اسمي، ثمّ أمرني أن أقف إلى جانب الّذين اختاروهم قبلي. وكنّا قد أصبحنا في النهاية أربعة أو خمسة من بين الجميع. وتملّكني فضول شديد لأعرف طبيعة هذه المهمّة، وأخذت أسأل نفسي: ما هي النعمة الّتي يريدون أن يهبوني إيّاها وتجعل شباب المدينة يتحسّرون من أجلها! وكان كثير منهم ينظر إليّ بحسرة؟!
ثمّ جاء رئيس العرفاء وأخذنا إلى مكان استراحتنا وقال: اذهبوا وأحضِروا أغراضكم بسرعة واخرجوا، لا تتلكّؤوا.
زاد فضولي أكثر. وبما أنّني لم يكن لي سابق رفقة مع الباقين، فلم أستطع أن أسألهم عن الموضوع. ووضعت أغراضي في كيسي الشخصي وخرجت، وكان هناك جيب بانتظارنا، فوضعنا الأكياس في مؤخّرة الجيب وقفزنا إلى مقاعدنا.
ذهبنا برفقة رئيس العرفاء إلى بيرجند. وبعد عدّة دقائق توقّفت السيارة أمام "فيلّا". فترجّل رئيس العرفاء، والتفت إليّ وقال: تعال انزل.
وبينما هو قد ذهب وقرع جرس الباب. كنت قد أخذت كيسي وترجّلت من الجيب. فقال لي: أنت منذ الآن في خدمة صاحب هذا المنزل، وعليك أن تسمع وتُطيع كلّ ما يقولون لك بدون أيّ اعتراض.
نظرت إليه وأنا مصدوم. وأردت أن أقول شيئاً، ففُتح الباب. فظهرَتْ من بين دفّتي الباب امرأة عجوز وبسيطة. أصلحت شادورها المزهّر والباهت اللون على رأسها. ولم يُعطها رئيس العرفاء الفرصة للكلام. بل أشار إليّ وقال: اذهبي بهذا الجندي إلى السيّدة وعرِّفيها عليه.
تعجّبت من كلمة "السيّدة". ولمّا أراد رئيس العرفاء أن يذهب، قُلت له: ليس معي أسلحة هنا، وليس معي أيّ شيء؛ هل أُريد أن أحرس؟ ماذا سوف أفعل؟ ضحك ضحكة هزء وقال: اذهب يا شاب! ما أطيب قلبك! أنت من اليوم سوف تخلع لباسك هذا وتلبس لباساً مدنيّاً!
في الدورة التدريبيّة، وكما يُقال: "حرقوا سِلاّفنا". وكانوا قد علّمونا؛ أنّه إذا قال لك من هو فوقك: مُت! فيجب أن تموت، يجب أن تموت بدون أيِّ تردُّد أو سؤال. وعلى هذا الأساس أطعته ودخلتُ خلف تلك المرأة. ولكنِّي ما زلت أتساءل، ماذا سوف أعمل في منزل سيِّدَة؟
ومقابل مدخل القصر، في الجهة الأخرى من الباحة، كان يوجد بناءٌ يأخذ بالألباب. حيث الباحة الواسعة، والورود المتنوِّعة، والشجر الصاعد إلى السماء، كلُّ ذلك كان له جمالٌ آخر.
قالت المرأة: اتبعني.
حملت كيسي وتبعتها. وبعد أن دخلنا إلى البناء. ووقفت أمام درجات السلّم، أشارت إلى غرفة في الطابق الثاني وقالت: السيّدة هناك.
قلت معترضاً: هل أستطيع أن أعلم ماذا سوف أفعل؟ أن أذهب إلى واحدة من السيِّدات! هذه ليست خدمة عسكريّة!
بان الخوف في نظرتها. وقالت لي برجاء: اخفض صوتك يا ولدي! ونَظَرَتْ إلى الأعلى وأكمَلَتْ: اصعد إلى الأعلى، سوف تقول لك السيِّدَة ماذا سوف تفعل، هي ليست سيِّئة الأخلاق كثيراً.
سألت ثانية: يا إلهي ماذا سوف أفعل؟
وكأنّها خافت من إعطاء الجواب. ولكنّي استسلمت، وحتّى أعلم ما هو تكليفي، صعدت درجات السلّم. كان باب الغرفة مفتوحاً بشكل جيِّد، إلى درجة أنِّي لم أحتج إلى طرق الباب، نظرت إلى السجّادات الّتي هي صناعة يدويّة وباهظة الثمن. ففككت رباط حذائي العسكريّ وخلعته. وتقدّمت خطوتين باحتياط وقلت: يا الله.
لم أسمع صوتاً. قلت ثانية: يا الله، يا الله!
ارتفع في هذه المرّة صوت إمرأة شابّة: آكلة تأكل رأسك! ما قولك هذا يا الله؟ ادخل! كنت متردِّداً! أأدخل أم لا. فقلت في نفسي: يا إلهي عليك توكُّلي.

دخلت. اسودّت عيناني من المنظر الّذي رأيتُه. كنت سوف أقع على الأرض. ماذا تظنُّ أنِّي رأيت؟
امرأة سافرة كانت تجلس على الأريكة، وكما يصطلحون على تسميته في ذلك الزمان تلبس الميني جوب، وتضع الأصباغ الغليظة والمختلطة! وكانت تجلس مسترخية. واضعة قدماً فوق الأخرى، أخذ بدني كلّهُ يتصبّب عرقاً.
بقيت مبهوتاً للحظات، وكأنّ تلك المرأة قد أدركت وضعي، لأنّها لم تقل شيئاً. وعندما تمالكتُ نفسي، تراجعت قليلاً قليلاً ثمّ لم أعرف كيف أصبحتُ خارج الغرفة. وضعت قدَمَيّ في حذائي العسكريّ، ولم أدرِ أأحكمت رباطه أم لا، وأخذت كيسي. فصرخَتْ المرأة السافرة بعصبيّة: هاي أيّها الحرذون! إلى أين أنت ذاهب؟ ارجع!
لم أهتمّ لما تقول ولما تتفوّه به من بذاءات، ولم أُصغ السمع إليها. فنزلت السلّم درجتين درجتين. وأمّا المرأة العجوز الّتي تلبس الشادور فإنّها كانت قد اصفرّ لونها. ولم أُعرها التفاتاً هي الأخرى وخرجتُ إلى الباحة الخارجيّة. فركضَت خلفي. وقالت وهي مرتبكة: السيّدَة تُناديك.
قُلت: فلتنادِ حتّى تُسلم الروح!
قالت: إذا لم تعد، سوف يقتلونك!
قلت بعصبيّة: أحسن!
كنت أسيرُ والمرأة المسكينة كانت تقريباً تركض خلفي. انتبهت قرب الباب الخارجي إلى أنّي لا أعرف عنوان المعسكر. ثمّ فجأة توقّفتُ، ووقفت المرأة أيضاً. فسألتُها: معسكر صفر – أربعة من أيّ جهة؟
فقالت بحيرة وهي مبهوتة: لماذا؟ ماذا تُريد؟!
قُلت: أُريد الفرار من وادي جهنّم هذا.
قالت: ارحم نفسك يا ولدي، ما هذا العمل؟ هنا يعطونك أفضل مال وأفضل طعام، وكلّ شيء أفضل، وسوف تَستأنس.
فقلت بغيظ: لا يا أمّي، أُريد أن أعيش سبعين سنة سوداء ولا أُريد هذا الأُنس.
وعندما رأيت أنّ هذه المرأة تُريد أن تصرفني عن الذهاب، ركضت ثانية بدون أن أهتمّ بأخذ العنوان وخرجت من ذلك المنزل. كان الشارع خالياً إلى درجة أنّه لا يوجد حتّى عصفور يرفُّ بجناحيه، فقط بعض السيّارات القليلة تأتي وتعبر مسرعة.
في ذلك اليوم، وبأيِّ طريقة كانت، حصلت على عنوان المعسكر، وغلى دمي أكثر للمعلومات الّتي حصلت عليها هناك، فإنّ ذلك المنزل كان لأحد الضبّاط، وأنا كنت هناك سوف أعمل جندياً وصيفاً، وخادماً خاصّاً، لتلك المرأة الّتي هي زوجة ذلك الضابط الطاغوتيّ الّذي لا غيرَة له!
على كلِّ حال، أصرُّوا عليّ، ليومين أو ثلاثة، لأذهب إلى هناك مجدّداً، ولكنّهم لم يستطيعوا إقناعي. وفي النهاية قال ذلك الضابط بعصبيّة: عاقبوا ذلك اللعين ليعلم أنّ الجيش ليس بيت أمِّه وأبيه، ليعملَ ما يحلو له، ويرتكب ما يُريد.
كان يوجد في المعسكر ثمانيةَ عَشَرَ مرحاضاً، يتولّى تنظيفها أربعة جنود مأمورين، وهؤلاء الأربعة، كانوا يتبدّلون في كلِّ مرّة. فتقرّر أن يكون عقابي، أن أنظِّف المراحيض جميعها وحدي.
عملت هذا العمل لمدّة أسبوع، وحدي، وبشكل متواصل، وفي صباح اليوم الثامن، جاء الرائد في أوّل الدوام وقال وهو يضحك منِّي ساخراً: ها، أيّها الفتى القرويّ! هل رجع إليك عقلك أم لا؟
لم أُجبه. ونظرت في عينيه بافتخار ورأس مرفوع. فواصل كلامه بغضب أشدّ: هل أحسست الآن بقيمة تلك النعمة أم لا؟
نظرت إليه بطرف عيني، فقال: وكأنّك تُحبّ أن تعود إلى هناك، لا؟
مسحتُ عرق جبهتي بكمّي، في الحقيقة في تلك اللحظة كان الله وإمام الزمان (سلام الله عليه) يُنزلون سكينة على قلبي رويداً رويداً. كي لا أُقامر بنفسي، وقلت بكلِّ هدوء: جناب الرائد إنّ هذه الثمانيةَ عشر مرحاضاً أمرها سهل، ولو أنّك أعطيتني دلواً وقلت لي: أفرغ كلّ هذه القاذورات الّتي في المراحيض في برميل، وخذه إلى البريّة، ويكون هذا عملي طوال مدّة خدمتي العسكريّة؛ فإنِّي سوف أقبل بكلِّ سرور، ولكنِّي لن أضعَ قدمي في ذلك المنزل.
فقال بعصبيّة: هذا آخر كلامك؟
قلت: لو قتلتموني، فلن أذهبَ إلى هناك.
تركوني معاقباً هناك، أُنظّف المراحيض، لمدّة عشرين يوماً. وعندما رأَوا أنِّي لن أُغيِّرَ مسلكي وفكري، استسلموا أخيراً وأرسلوني إلى كتيبة الخدمات2.

________________________________________
1- معسكر لتدريب الجيش يقع في جنوب محافظة خراسان وفي مدينة بيرجند.
2- كانت بداية خدمة الشهيد برونسي، في تاريخ 13/6/1341 هـ.ش.
 

التعليقات (0)

اترك تعليق