مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

الأمة بين المذهبيّة والطائفيّة: بحث للحاجة عفاف الحكيم في المؤتمر الدولي الثالث

الأمة بين المذهبيّة والطائفيّة: بحث للحاجة عفاف الحكيم في المؤتمر الدولي الثالث والعشرين للوحدة الإسلامية

كلمة الحاجة عفاف الحكيم في المؤتمر الدولي الثالث والعشرين للوحدة الإسلامية:

المكان: عقد في طهران.

الزمان: من 15 إلى 17 ربيع الأول 1431 الموافق لـ 2 إلى 4 آذار 2010.

عنوان المقال: الأمة بين المذهبيّة والطائفيّة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وحدة الأمة وسبل التخلص من الطائفية والمذهبية

قال تعالى في كتابه الكريم {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عمران/ 103)

الحديث عن الوحدة الإسلامية والتقريب.. ونبذ الطائفية والمذهبية كان وما يزال هدف المخلصين من أبناء الأمة على امتداد تاريخها.. وقد شغل هذا الهدف الضمير والفكر الإسلامي من تلك القرون السالفة وطيلة القرن العشرين وإلى الآن.. وذلك نظراً لتأثيرات حالة التمزق والفرقة التي أصابت الأمة في الصميم بعد أن حولت أبناءها إلى طوائف ومذاهب ومجتمعات منفصلة بعضها عن بعض.

وإن ما يحزُّّ في النفس حقاً أن أمة تنتمي إلى القرآن الكريم عقيدة ودستوراً وعبادة ونظاماً ثم تكون على هذا النحو من التشرذم والتمزق، مع أنه من المبادئ الأساسية المعروفة أن المسلمين أمة واحدة وشعب واحد انسجاماً وتنفيذاً لقوله تبارك وتعالى {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتكُمْ أُمَّة وَاحِدَة وَأَنَا رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء/ 93) {وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}(المؤمنون/ 52)

كما وإن القرآن الكريم يحكم بأن قاعدة هذه الأمة ونسيج رابطتها هو الأخوة، فالمؤمنون في كافة أقطار العالم هم إخوة تحقيقاً لقوله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات/ 10).

فالوحدة جزء من إيماننا كمسلمين.. وهي الرابطة الوثيقة والضابطة الأساسية وحبل الله المتين..وهي على أساس الإسلام بمثابة الأصل الذي يجب أن يضعه الجميع أمامهم في حلّهم وترحالهم وفي كل عمل من أعمالهم.. بحيث يكون تفكير الجميع وأدائهم في كل شيء منسجماً مع حال الأمة التي لا بد أن تكون واحدة.

لكن من المؤسف في الواقع أن حال المسلمين آل إلى الإنقسام والتخلف والتباين في الموقف والتصادم حتى في حل المشكلات المصيرية التي تهددهم جميعاً كقضية فلسطين وغيرها.. وصولاً إلى ظاهرة التكفير والحقد والكراهية وعدم التورّع من خدمة مصالح ومخططات المستكبرين.. وذلك لا شك بسبب عوامل ومؤثرات عديدة أشارت إليها التعاليم الإسلامية وحذرت من مغاب التهاون في الميل إليها وذلك في كثير من الآيات المباركة والأحاديث الشريفة: فعن الرسول(ص) "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كتداعي الأكلة على قصعتها.

فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟

قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قيل يا رسول الله فما الوهن؟

قال:حب الدنيا وكراهية الموت".

فالدنيا التي تستحكم بإنسان وتجعله لا يسترخص الموت حفاظاً على الدين هي دنيا مذمومة..

وإنه بسبب حب هذه الدنيا والتعلق بمتاعها الزائل الذي ذلّ كثيرين فإن وحدة المسلمين ولحمتهم.. تعرضت لعملية تقطيع جغرافي وتمزيق سياسي وتجزيء قومي وعرقي قبيح.. وبذلك تعرضت الأمة الإسلامية لعملية اجتثاث كبيرة وتشويه مريع لجسدها جغرافياً وسياسياً وإقتصادياً وصارت بمثابة قطع متناثرة ومتناحرة.

من هنا ارتأينا في هذه السطور ان نقف عند أهم هذه العوامل والمؤثرات التي نخرت في جسد الأمة والتي استغلت من قبل أعدائها أبشع استغلال وهي:

1. الطائفية والمذهبية: 

لو درسنا اغلب الحالات الطائفية السلبية وفتشنا عن جذورها لرأينا اليد الخبيثة والخفية لقوى الاستكبار والهيمنة وراء الكثير من أساليب الإثارة والتوتر التي يستغل فيها الهوس الطائفي والتخلف الفكري والبدائية السياسية والجهل عموماً، وذلك بهدف توليد المشاكل وإيجاد المزيد من حالات التوتر..

لو تتبعنا أسباب الحالة الطائفية لوجدنا إنها ناتجة من القصور الفكري بالذات، وذلك لان الطائفي ينطلق من كونه مصيباً دائماً، معتقداً من حيث لا يشعر بعصمة تفكيره وإنه يملك الحقيقة المطلقة فلا يجد نفسه بحاجة أبداً إلى الآخر، الأمر الذي يؤدي به إلى الإنغلاق الفكري بكل ما يترتب عليه من مآسٍ على نفسه وعلى غيره..

فنجده يرفض الطوائف الأخرى ويغمطها حقوقها.. ومن جهة ثانية يحاول أن يكسب طائفته تلك الحقوق التي لغيرها.. وذلك تعالياً أو تجاهلاً أو تعصباً ضدها..

وإنه من هنا كان أخطر ما ابتليت به شعوب الأمة الإسلامية هو تحوّل حكامها وزعمائها إلى رجال طوائف، يعيشون على حساب الإسلام ولكن من دون إسلام وعبر هذا الواقع الأليم راحت المخططات الإستكبارية تعمل في الإسلام والمسلمين تمزيقاً على جميع المستويات عاملة على خلق الحواجز النفسية والفكرية التي تعمق الفواصل بينهم وحيث شكل الحضور الطائفي والمذهبي الحلقة الأضعف للتدخل الأجنبي والعمل على بث الفرقة والتشتت بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد في سبيل تحقيق مصالح لهذا المحور الدولي أو ذاك، وهذا لا شك أوجد الأرضية الخصبة التي تعمل من خلالها الجهات السياسية والدولية  لإضفاء الطابع الطائفي او المذهبي على الصراعات السياسية.

وعليه فإن بلداننا شهدت سيلاً من هذه المخططات الاستعمارية المغلفة بالواجهات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية بحيث راحت تلعب لعبتها حتى لا يقف المسلمون على أقدامهم كقوة جديدة تطرح الحلول الإسلامية الفكرية والعملية للإنسان وللحياة من أجل إقامة عالم الحق والعدالة الذي كان هدف الرسل والأنبياء فيما عبّر عنه الله تبارك وتعالى بقوله {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد/ 25) 

لو تتبعنا خطوات العدو الحاقد على الإسلام والمسلمين لوجدنا أنه يبذل جهوداً مضنية لترصد نقاط الضعف عندنا، من تخلف وجهل وتطرف وغلو وعصبيات مذهبية وقومية ويثيرها بين الحين والآخر خالقا منها فتناً وحروباً مذهبية وصولاً إلى إغراق مجتمعاتنا بمختلف أنواع الضعف السياسي والاقتصادي والاجتماعي وجعل الإنسان المسلم يتقوقع في الإطار المذهبي بدل أن يتسامى في إطار الشخصية الإسلامية..

ومن جهة ثانية جعل المسلمين بدل أن يعيشوا ضمن دائرة إسلامية واسعة لها أهدافها التنموية والحضارية والرسالية.. يجعلهم يعيشون ضمن دائرة من السلبيات والأحقاد والحساسيات المختزنة والتي يملك الأجنبي فتيل إشعالها حسب المرحلة المناسبة فإما حرباً حدودية أو داخلية طائفية ومذهبية..

ولو تأملنا واقع الساحة الإسلامية اليوم لها لنا ما تموج به من أزمات.. ومن احتقان وتعصب طائفي ومذهبي هذا الهوس من التحريض نجده استشرى في مختلف الاتجاهات.

فالسلاح الأقوى اليوم في تمزيق الأمة هو التعصب المطلق والأعمى الذي يتمظهر بأشكال مختلفة..

من هنا كان لا بد للروح الإسلامية العامة من أن تتحرك في وجه الخطر الداهم.. فأزمة التعصب من أخطر الأزمات التي يمكن أن تعصف بالفكر الاجتماعي فتقوده نحو التصادم والتحارب..

كما و لا بد لهذه الروح من أن تستلهم من كلمة أمير المؤمنين علي(ع) التي خاطب بها جماعة من جيش اهل العراق سمعهم يسبون أهل الشام في قتاله في صفين، فقد قال لهم فيما روي عنه(ع) "إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم، اللهم احقن دمائنا ودمائهم وأصلح ذات بيننا وبينهم وأهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به".

2. سبل التخلص من الحالة الطائفية والمذهبية: 

من البديهي القول بأنه ليس هناك أمة مثل الأمة الإسلامية لديها من الروابط الوثيقة كوحدة الدين والعقيدة ووحدة المباديء الخلقية والعبادات..

ففي كل يوم يشعر المسلم بالوحدة الإسلامية إن أدى العبادات اليومية على وجهها، فالرب واحد والقبلة واحدة والشعائر واحدة..

وإن هذا ما يدعو المسلمين وبإلحاح شديد إلى ضرورة التآزر والتعاون وتوحيد الصف عملاً بتوجيه القرآن الكريم {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة/ 2).

فعندما يعمل الجميع تحت سقف وحدة الأمة فهذا يعني انهم يعملون باستمرار على تذليل العقبات والمشاكل التي تعترضهم..

فوحدة الأمة لا تتحقق او تقوم إلا في إطار من المودة والوعي والحمل السليم للرسالة ولتعاليمها السمحاء، فهذه التعاليم القادرة على تربية الفرد والمجتمع وفق قيم ومعايير تزول معها كل الوان الصراع المصلحي..

وإن ما ينبغي الإلتفات إليه هو أن الفترة القصيرة التي مرت بها التجربة الإسلامية مع بداية البعثة النبوية.. سجلت في تاريخ البشرية أروع انتصار في خلق المجتمع الموحد، أفكاراً وعواطفاً وأهدافاً وسلوكاً.

فالإسلام يومذاك انطلق من أرض تسودها ألوان الصراع القبلي والعنصري والطبقي، لكن ما إن انتصرت كلمته حتى خلق مجتمعاً رافضاً لكل تمييز، انسجاماً مع روحية التعاليم والأوامر الإلهية.

قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات/ 13).

وعن النبي(ص): "كلكم لآدم وآدم من تراب"

وعنه (ص) أيضاً "لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى"

وكان أن سادت المودة والتسامح والإخاء بين أفراد ذلك المجتمع الذي كان غارقاً في ظلمات الجاهلية حيث راحت التجربة الإسلامية مع كل ما عصف بها من شدائد ومتاعب تمارس دورها خلال العصور التالية للبعثة في صهر القوميات المختلفة في بوتقة الإسلام وتربية العواطف الإنسانية والسمو بها مثبتة قدرة الإسلام على دفع أبنائه نحو الإعتلاء والتقدم على كافة الصعد..

وما استحضارنا للتاريخ أو الماضي إلا للتأكيد على أن الطاقة التي أوجدت هذه الحضارة الممثلة بالإسلام ومعارفه الحياتية لا تزال بين أيدينا، بل تنادينا وتستصرخنا عبر قول الله تبارك وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال/ 34) 

من هنا كان لا بد للأمة المتعطشة إلى الخلاص.. من عودة واعية إلى التمسك بالقواعد الأساسية التي وضعها الإسلام..

وإن القرآن الكريم يرشدنا إلى شروط تمكننا من تحقيق هذا الهدف الكبير وذلك في قوله تعالى حيث خاطب عموم الأمة مشدداً {أن أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى/ 13) 

وفي قوله تعالى {وَأَطِيعُوا اللَّه وَرَسُوله وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَب رِيحكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّه مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال/ 46)

وفي قوله تعالى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا..} (آل عمران/ 103)

إن عدم قيام هذه الشروط.. هو الذي ساق الأمة الإسلامية إلى وضعها المؤسف في هذه الآونة..

وإنه من اجل العودة بهذا الوضع.. إلى سياقاته الأصلية فإن جميع الأطراف مدعوون إلى تحمل مسؤولياتهم الشرعية وصولاً إلى إبعاد الحالة المذهبية والطائفية من خلال التركيز على الثوابت المشتركة التي تمكننا من تحويل الإختلاف إلى تنوع وغنى للجميع وذلك عبر عدة أمور منها:

◦ الثقافة التي تمكن من تحقيق التقريب:

لا شك إن أهم علاج الفرقة والتمزق الطائفي هو إشاعة ثقافة الحوار فالمسلم لا بد له من إدراك إن الإسلام يربي على البحث عن المشترك مع الآخر حيث يقول تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران/ 64).

فإذا كان هذا مع الآخر.. فكيف والأمر فيما بيننا نحن المسلمون حيث مساحة المشترك بيننا واسعة وكبيرة وتحتضن كل الهموم..والتي على رأسها استعادة وحدتنا واستعادة سيطرتنا على مقدراتنا وعلى تلك الإمكانات الضخمة التي منحها الله لنا؟ فمنطقتنا الجغرافية من أهم مناطق العالم وثرواتنا الطبيعية من أغنى ثروات الدنيا، ومعلوم إن كل بوابات آسيا وأفريقيا على أوروبا هي بأيدي المسلمين، وكل ما تحتاجه حركة عجلة المدنية العالمية هو أيضاً بأيدينا كالنفط والغاز وغيره..

إضافة إلى أن المسلمون يشكلون خمس سكان العالم... ويبقى الأهم من كل ذلك إن لديهم تراث حضاري عظيم ومدرسة فكرية قادرة على أن تدفعهم نحو حركة حضارية فاعلة وكبرى.. لديهم التجربة الإسلامية الرائدة لثورة الإمام الخميني المقدس الذي كان بحق إمام الوحدة إذ لم يكن يوماً قائداً مذهبياً يختص بفريق دون آخر، بل كان قائداً إسلامياً نذر نفسه لخدمة الإسلام ووضع إمكانات ثورته ودولته تحت تصرف كل المسلمين.. وهو الذي كان في كل خطبة يجسد معاني الوحدة الإسلامية ويعتبر أن هذه الوحدة من أسس هذا الدين وإنها تكليف إلهي إذ يقول(رض) "جميعنا إخوة وجميعنا نعيش قلباً واحداً، غاية الأمر أن الحنفي يعمل بفتاوى علمائه وهكذا الشافعي وثمة مجموعة أخرى هي الشيعة تعمل بأحاديث الإمام الصادق(ع) وهذا لا يبرر وجود الإختلاف، لا ينبغي أن نختلف مع بعضنا أو أن يكون بيننا تناقض، جميعنا إخوة و على الإخوة الشيعة والسنة اجتناب جميع الخلافات،فالاختلافات بيننا اليوم ستكون لصالح الذين لا يؤمنون بالسنة ولا بالشيعة ولا بالمذهب الحنفي ولا بغيره من الفرق والمذاهب الإسلامية، هؤلاء يريدون القضاء علينا جميعاً، فهدفهم بث الفرقة بينكم وعليكم أن تنتبهوا جميعاً". 

أيضاً: "لقد جاء الإسلام ليوحد جميع شعوب العالم بعربهم وفرسهم وأتراكهم وليشكل منهم أمة عظيمة باسم الأمة الإسلامية، ويرسخ أركان هذه الأمة العظيمة التي تستطيع بفضل اتحاد شعوبها وتراص صفوفها أن تقف بوجه جميع المستكبرين الذين يهدفون إلى إخضاع حكومات البلدان الإسلامية لسلطتهم وفرض هيمنتهم على المراكز الإسلامية".

إنه أنموذج التجربة الإسلامية المعاصرة والتي لا زالت تواصل النهج والمسار راسمة معالم العزة وفاعلية الحضور على مختلف الصعد..

وحيث يقول الإمام الخامنئي(دام ظله) بهذا الصدد أيضاً "فمسألة وحدة المسلمين تمثل المرتبة الأولى في سلم قضايانا الإسلامية، هذه المسألة يجب أن تؤخذ مأخذ الجد من قبل كل المسلمين السنة بكافة مذاهبهم والشيعة بكافة مذاهبهم، ولا تعني الوحدة ذوبان المذاهب في مذهب واحد، بل تعني تكثيف الجهود المشتركة بين أبناء الدين الواحد برغم ما بينهم من خلافات كي لا تنفتح أمام العدو ثغرة ينفذ منها للطعن والتمزيق".

هذه هي الثقافة التي تمكن من تحقيق التقريب والتي تمكن من عودة اللحمة إلى مجتمعاتنا فالتقريب في أصله يهدف إلى أن يحتفظ كل مذهب بخصائصه بشكل كامل، ووحدة المسلمين لا تعني ذوبان المذاهب في مذهب واحد، إنما هي وحدة الموقف أمام التحديات التي تشكل خطورة على الأمة كوجود الكيان الصهيوني والنفوذ الأجنبي والهيمنة الإقتصادية والإعلامية واكتساح وسائل المعرفة والاتصالات، كل ذلك بحاجة إلى توحيد الصف الإسلامي شعوباً وحكومات ومؤسسات من أجل الإنتصار للإسلام وإنقاذ ما يجب إنقاذه وعليه فإن عملية التوعية إذا كانت على هذا المستوى فإننا سنضمن حيوية وترسيخ ثقافة التقريب في الأمة.

◦ الإعلام والتقريب:

في ظل ما يشهده العالم من حركة اتصالات واسعة لا يسعنا تجاهل المسألة الإعلامية لأهميتها، خاصة مع هذا التطور الهائل الذي طرأ في العالم بحيث أصبح الخبر ينقل من أقصى الأرض إلى أقصاها بسرعة البرق والصورة تلحظ في كل الكرة الأرضية دفعة واحدة.

من هنا فإن مواجهة المسألة الطائفية والمذهبية في أوطاننا العربية والإسلامية تقتضي العمل على وضع سياسة إعلامية دقيقة وموجهة تساهم في تفتيت جذور الثقافة الاقصائية والعقلية الأحادية التي لا تقبل التعدد وتحارب مقتضيات الحوار الحر والموضوعي.

فالإعلام السلبي كما نلاحظ يولد جواً سلبياً بالضرورة، والإعلام الإيجابي يولّد جواً إيجابياً نافعاً بالضرورة، خاصة وأن أعداء الأمة يسيطرون اليوم على نسبة عالية جداً من سلاح الإعلام والاتصال الذي هو من أهم وسائل الدعم لفكرة التقريب..

لذا يحتاج موضوع التقريب إلى عناية إعلامية خاصة من قبل النخب الواعية لابتكار السبل المناسبة والناجعة.. فالقنوات الفضائية يمكنها أن تدفع بمسألة التقريب أشواطاً كبيرة إلى الأمام وأن تلعب دوراً إيجابيا في توعية الأمة وتوحيد صفوفها وتوجيه رأيها.

◦ السعي الدائم للوقوف على أرض مشتركة:

وذلك بتوفير وابتكار أساليب ووسائل لدعم فكرة التقريب لتكون بمثابة نقاط انطلاق وأدوات لتحريك القضية من مثل تكثيف عقد المؤتمرات والأعمال والملتقيات والأنشطة المختلفة، وإيجاد لجان ودور ومجامع للتقريب وللندوات العلمية المشتركة.

فكلنا يعلم ما للتواصل والتقارب من أثر إيجابي في زرع المحبة بين المتواصلين إضافة إلى بناء العلاقات التي تساعد في تذويب الفروقات.. وبالمقابل نعلم ما للتباعد والقطيعة من أثر سلبي خطر في زرع نبتة الفرقة بين الإخوة والأقرباء بحيث يحرمهم من روحية التعاون ومودة العلاقات المشتركة..

◦ ربط المسلمين بالأهداف والقضايا الكبرى للأمة: 

فالتوجه الوحدوي إنما يبدأ من الناحية العملية بالتأكيد الدائم على مواجهة التحديات المصيرية التي تواجه الإسلام والمسلمين لذا عندما نضع نظاماً لأولويات تلك التحديات فإن مواجهة الخطر الخارجي ستتقدم على الخلافات الداخلية طائفية كانت أم مذهبية..

ولا شك بأن أبرز عنوان من عناوين القضايا المشتركة التي تجمع الأمة هي مواجهة المشروع الصهيوني والاستكباري والعمل من أجل تحرير فلسطين. 

فالتفاف الجميع على هذا العنوان يجسد من جهة الوحدة الإسلامية التي أكدت عليها الأوامر الإلهية لجهة الإعتصام (جميعاً) بحبل الله.. ومن جهة ثانية تمكن من استنقاذ الأمة في هذه المرحلة القاسية من براثن الطائفية والمذهبية.. وقد لمسنا هذا الأمر بشكل واقعي من خلال التأييد العارم والتفاعل الشعبي الكبير الذي اجتاح العالمين العربي والإسلامي مع متابعة فصول انتصار المقاومة الإسلامية في لبنان في عدوان تموز2006، ومتابعة صمود وانتصار المقاومة الإسلامية على أرض فلسطين في العدوان على غزة عام2009 وهذا إضافة إلى المشاعر والعواطف الصادقة والجياشة المتبادلة بين المقاومتين والتي جعلت الناس لا تضع حدوداً لهذه العلاقة العملية رغم اختلاف السمة المذهبية لكلا المقاومتين..

فالقضية الفلسطينية هي القضية المركزية التي تهم الجميع والتي تقع في وجدان كل مسلم يشعر بانتمائه لهذه الأمة وينبض قلبه بالإيمان الصادق وهذا بالتالي ما أكد عليه النهج العملي للإمام الخميني (قده) ومن بعده للإمام القائد الخامنئي (دام ظله) الذين جعلا مسألة القدس وفلسطين محوراً للوحدة الإسلامية التي هي أيضاً أول الأولويات، باعتبار ان العامل الأساسي الذي حال دون عودة الحق إلى أصحابه يكمن في عدم توحدهم في سبيل هذه القضية.

 

والحمد لله رب العالمين 

عفاف الحكيم

السبت: 16/1/2010

التعليقات (0)

اترك تعليق