مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

كلمة الحاجة عفاف الحكيم في افتتاح مؤتمر

كلمة الحاجة عفاف الحكيم في افتتاح مؤتمر "أثر الاتفاقيات الدولية على تفكيك الأسرة"

كلمة الحاجة عفاف الحكيم في افتتاح مؤتمر "أثر الاتفاقيات الدولية على تفكيك الأسرة".
المكان: مبنى الجمعيّات.
الزمان: الخميس 3-9-2015م.



بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين. محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
بداية أرحب براعي مؤتمرنا. رئيس كتلة الوفاء للمقاومة سعادة النائب الحاج محمد رعد. بضيوفنا المحترمين سماحة الدكتور الشيخ محمد تقي سبحاني رئيس مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي وسماحة الدكتور الشيخ محمد رضا زيبائي نجاد رئيس المركز العلمي للدراسات والأبحاث في شؤون المرأة والأسرة في قم المقدسة، والدكتورة أنسية خزعلي رئيسة جامعة الزهراء في طهران، والدكتورة خديجة المحميد الوزان الباحثة في الفكر الإسلامي وحقوق المرأة والأسرة من الكويت.
كما أرحب ببقية المشاركين المحترمين في فعاليات هذا المؤتمر من داخل لبنان، وبسائر الحضور المميز للهيئات النسائية والفعاليات الإعلامية والثقافية النشطة في مجتمعنا، من سائر المناطق وسائر المؤسسات..

أرحب بكم جميعاً وأهلاً وسهلاً بكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
اخترنا لمؤتمرنا هذا العام عنوان -أثر الاتفاقيات الدولية على تفكيك الأسرة- وذلك بهدف إلقاء الضوء على مجمل ما تحمله هذه الاتفاقيات من تفاصيل، وما ترمي إليه من أبعاد لا تطالنا كأسر وحسب بل تطال مجتمعاتنا ككل، وبالتالي تطالنا كأمة يُعمل بشتى الطرق لِحرفها عن مسارها ومعتقداتها وقيمها.


ونبدأ أولاً: بأن الإسلام العزيز، جعل الأسرة المسلمة لُبنة المجتمع الإسلامي، وأرسى لها نظاماً على أسس راسخة باعتبارها الوحدة البنائية الأساسية التي يتركب منها جسم المجتمع الكبير، والتي لها الدور الأساس في تشييد صرح المجتمعات وتماسكها وتدعيم وحدتها وتنظيم سلوك أفرادها، فإذا كانت الأسرة سليمة قوية كان المجتمع كله سليماً قوياً، وإذا كانت مفككة انعكس ذلك على المجتمع أيضاً.
وعليه، فإن الأسرة من منظورنا كمسلمين تحظى بفاعلية شديدة واهتمام، ليس فقط لما تمثله من عوامل الاستقرار النفسي والاجتماعي، وإنما باعتبارها الوعاء الحضاري الذي يشكل في النهاية شخصية وكيان ووجدان الأمة، فهي النواة والأساس والقاعدة التي لا بد أن تكون صلبة والقلب الذي لا بد أن يكون حياً نابضاً؛ لأنه بهذه الأسرة ومن خلالها نعاين نسب الضعف والقوة في مجتمعاتنا وأمتنا.


ثانياً: الأسرة من منظورنا كمسلمين هي المدرسة التي أريد لها أن تتولى احتضان النشأة الأولى للأبناء، وتربيتهم وحمايتهم وتعليمهم وإكسابهم العادات والمفاهيم واللغة والقيم الحميدة كما يتم إعدادهم واضطلاعهم بالمسؤوليات مستقبلاً.
وقد حرص الإسلام كل الحرص على جعل الأسرة المسلمة نموذجاً رفيعاً ومثالاً يحتذى؛ لما تمثله من عناصر الريادة والقيادة الصالحة في المجتمع الإنساني ككل.
قال تعالى في سورة التحريم في مقام التنبيه والتشديد والأمر لسائر المكلفين بتأمين الوقاية المتواصلة لعملية التنمية المستدامة والتداول الإنساني المستدام {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}/6، وفي سورة الشعراء {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}/214
وقال تعالى في سورة الإسراء {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}/23
إنها معالم وصور من مهام ومسؤوليات الدور الجليل للأسرة المسلمة كما عرضها القرآن الكريم ملفتاً إلى أن هذه المؤسسة الممتدة في الزمن والأثر، والعاملة على نقل الضوابط بسلاسة وتلقائية من جيل لآخر ليست إلا موقعاً تربوياً متقدماً ومكاناً للتكامل الإنساني، الذي لا بد أن يُحمى ويُصان ويُحرص عليه؛ لأن المجتمعات بدون رابطة الأسرة معرضة للتفكك والانهيار والزوال على كافة الصعد.
وإن ما يهمنا هنا، هو المفارقة التي تطالعنا بها دول الغرب المتهالكة اجتماعياً في هذه المرحلة من الزمن والمتمثلة في الهجمة الشرسة والمركزة على الأسرة بوجه عام وحيث باتت هذه القضية في عداد القضايا المعاصرة التي تستوجب البحث والدراسة والعناية لما لها من أثر بالغ على حاضر المجتمعات ومستقبلها.
وهذا إضافة إلى ما تشنّه هذه الدول من جهود مكثفة لتعميم النمط الغربي والأمريكي بوجه أخص على كل مجالات الحياة في المجتمعات الإنسانية. عاملة بوقاحة وهيمنة غير مسبوقة لاستغلال الأجهزة الأممية لهيئة الأمم المتحدة ومنظماتها المتعددة، لفرض هذه الثقافة من خلال اتفاقيات ووثائق عالمية تُصاغ من خلال مؤتمرات أممية حول الأسرة والمرأة والطفل والتنمية.
يلخص الرئيس الأمريكي السابق -كليتون- هذه الأفكار المدمرة للهويات والخصوصيات على امتداد المجتمع البشري بقوله: "إننا نريد أن نسيّر العالم وفق نمط الحياة الأمريكية. إن أمريكا اليوم مؤمنة بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري.. وإننا نشعر أن علينا التزاماً مقدساً بتحويل العالم إلى صورتنا
وإنه من دون حاجة للاستدلال، بتنا نجد من حولنا مخططاً عالمياً واتفاقيات ومؤتمرات دولية ترمي إلى هدم الأسرة ومحو الدور العائلي للمرأة وذلك عبر المناداة بشعارات التحرر والمساواة وضرورة تغيير تعريف العائلة ودورها الاجتماعي إلى ما يتصورونه من المساواة في جميع الأحوال، وصولاً إلى تغييب الهوية والخصوصية الدينية والثقافية لتصبح المفاهيم الغربية العلمانية ليس فقط عابرة للقارات بل للحضارات والديانات كذلك.
يقول الإمام الخامنئي دام ظله في إحدى توجيهاته وإرشاداته الكريمة: "إذا لم توجد الأسرة في المجتمع سوف تفشل كل التربية البشرية وكل الحاجات الروحية للإنسان، لأن الطبيعة البشرية هي هكذا، فبدون الأسرة ومحيطها، بدون أحضان الوالدين لا تحصل تلك التربية الصحيحة والكاملة الخالية من العيوب والعقد. ولا ذلك التعالي الروحي المطلوب.
فالإنسان إنما يكون سالما  من الناحية الروحية والعاطفية إذا تربى في أسرة، وإذا كانت بيئة العيش هادئة ومناسبة في العائلة أمكن الاطمئنان بأن الأطفال سيكونون سالمين من الناحية العاطفية والنفسية
".
وإنه بالعودة إلى المحرك الأساسي لهذه الاتفاقيات نجد أنها الحركة النسوية النوعية (جندر فيمنيزم) ومن يدعمها من منظمات وممولين وسياسيين ذوي نفوذ، غير أنّ هيئة الأمم المتحدة فيما بعد كانت هي الأداة والذراع التي تم استخدامها لتحقيق ذلك الهدف عبر أجهزتها ومنظماتها المتعددة وإمكاناتها، وذلك بعد الاجتماع العالمي الاستراتيجي الذي حضره في نيويورك نشطاء الحركة النسوية من أنحاء العالم وفريق العاملين في الأمم المتحدة للتخطيط لتلك المؤتمرات التي بدأت بالمكسيك، فكوبنهاكن، فنيروبي، فمؤتمر السكان في القاهرة عام/94 ومؤتمر بكين في الصين عام/95.
وأنه في العام/1975 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية -القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة- التي وضعت برنامجاً للعمل لإنهاء هذا التمييز بعد أن ضربت عرض الحائط بالقيم الدينية واستهدفت الثقافة والتقاليد بوصفها قوى مؤثرة في تشكيل الأدوار بين الجنسين والعلاقات الأسرية، والتي كانت من أخطر الاتفاقيات لكونها حملت مصطلحات خطيرة غير واضحة المعالم: منها تعريف أشكال متعددة للأسرة، ووضع دور المرأة في تربية الأجيال، وتوفير الأمن الأسري والمجتمعي بالأدوار النمطية التي لا بد من تغييرها.
ورغم أنه تمت مناقشات وحوارات وكتابات عديدة حول هذه الاتفاقيات ورغم رفضها شعبياً من العديد من الفعاليات الإسلامية والوطنية في مجتمعاتنا إلا أنها ما زالت تمثل موقع الصدارة في تحركات المنظمات النسائية الممولة من الغرب.
والجدير بالذكر أن هذه الاتفاقية وما أعقبها من مؤتمرات لشرحها ودعمها فإنها نصت في مادتها الثانية على إبطال القوانين والأعراف دون استثناء لتلك التي تقوم على أساس ديني واستبدلتها بقوانين دولية، وهي بذلك تخول الاتفاقيات الدولية حق إلغاء القوانين والتشريعات الوطنية والدينية وتمنح القانون الدولي الحاكمية والهيمنة على سائر الدساتير والتشريعات الوطنية.
ويبقى الأخطر من هذا كله هو أن هذه الاتفاقيات تعتبر ملزمة قانونياً لسائر الدول الموقعة عليها لتنفيذ بنودها- وقد وقّعت عليها معظم الدول العربية وغالبية الدول الإسلامية والضغوط متواصلة لسحب التحفظات.
والجدير بالذكر إنه لم تستطع أي دولة من رفع البنود المعترض عليها نهائياً من الوثيقة، ولم يبق لهم أي خيار سوى التحفظ الذي لا يعتد به من نظر هذه القوانين التي تريد نظاماً ثقافياً واحداً يهيمن على العالم.


أخيراً: نختم بأن التحدي الذي يواجهنا على صعيد ما تحمله هذه الاتفاقيات والمواثيق التي لبست لباساً دولياً، وجندت محلياً العديد من المؤسسات الأهلية، هو لا شك يحتاج منا إلى الكثير من اليقظة والتنبه، ولو أن الأسرة في ربوعنا كانت وما زالت وستبقى بإذن الله تعالى إحدى القلاع الأساسية في حماية القيم والتربية عليها.
وإنه ومن أجل الوقوف على ما يجري حولنا والتعامل معه بوعي ودراية، رأينا أن من واجبنا إلقاء الضوء على هذا الموضوع لنكون جميعاً بصورة الواقع المحلي والعالمي مع كل ما يتطلبه من تنبه، سائلين المولى سبحانه أن نكون من أهل الالتفاف الدائم لإبعاد ما يحاك للأمة من مكائد ومشاريع..

 

 


أشكر حضوركم جميعاً..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


 

التعليقات (0)

اترك تعليق