مُمَهِدَاتْ... وحقيق أن تبادر المرأة المثقّفة الملتزمة الواعية فتمهد الطريق وتفتح الآفاق.

واقع المرأة المسلمة ودورها في التنمية

واقع المرأة المسلمة ودورها في التنمية

الخلط في مسألة معاناة المرأة بين التقاليد والأعراف وبين الصورة الأصليّة للدين:
عانت المرأة لفترات طويلة في ظل عصور الاستبداد السياسي والفكري من تقاليد وأعراف بالية أدت إلى إقصائها عن هموم المجتمع ومشاغله الثقافية والسياسية،كما أدت إلى عزلها وترسيخ ضعف ثقتها في نفسها وقدراتها.. ولقد ساهمت المؤسسات الدينية التقليدية والتابعة لمؤسسات الدولة، في معظم الأحيان، في ترسيخ وتثبيت هذا الواقع، وبالتالي عملت على عدم تعميق نمط قيمي هام، وله مرجعية تاريخية إسلامية يحقق توازن المرأة المسلمة ويصقل شخصيتها. ولقد استغل الاستعمار الذي عانت منه معظم البلاد العربية، الوضعية السيئة التي كانت عليها المرأة، في العمل على نشر قيمه الثقافية عن طريق المدارس، ومؤسسات الإعلام، وأطلق دعوات الغرب لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل، دون وجود منظومة قيم تحمي هذه الدعوات، التي تلقفتها المرأة ووجدت فيها بعض التنفيس عن التهميش، والظلم الواقع عليها.
وفي الحقيقة لقد كان وضع المرأة يحتاج إلى ثورة، ولأن الموروث الثقافي والأعراف السائدة، والتي كانت تحميها المؤسسات الدينية التقليدية بما كان يخيم عليها من السلبية والعجز والتي لم تكن مؤهلة،كما أوضحنا لانجاز هذه الثورة من منطلق الإسلام الحق ضد إسلام الزيف، فقد انطلقت الثورة ضد هذه الأوضاع من خارج الأجهزة الدينية، وموجهة ضدها بعيدا عن الدين، بل على حسابه، ومعتمدة الخلط بين التقاليد والأعراف، وبين الصورة الأصلية للدين، هذا طبعا دون التقليل من شأن بعض أصوات الإصلاح من داخل المؤسسات الدينية، ولكن تيار التغريب عمل على تهميشها، وأصبح المعيار الغربي هو المعيار الوحيد الذي يحكم النظرة إلى وضع المرأة (باعتبار أن الغرب هو التمدن وأن ما عداه تخلف)، ولعل هذا هو أخطر ما في قضية المرأة، فقد أصبح دورها الاجتماعي التنموي خاضع لمعايير التقييم السائدة في الغرب، وأصبح المعنى الوحيد لتحررها هو خروجها لسوق العمل، وكما ينظر للتنمية بشكل أحادي وفردي، باعتبارها حسب المفاهيم الغربية تنمية رأس المال والاستثمارات، بغض النظر عن أنها تنمية اقتصادية وثقافية وسياسية واجتماعية شاملة، كذلك ينظر للمرأة بشكل أحادي باعتبار تحررها، هو خروجها للتنمية من هذا المنظور القاصر.
فلا عجب أن وجدت الحركات الإسلامية، منذ انطلاقها، أنها تواجه مجتمعا يستمد فلسفته وقيمه من الغرب، وقد أثمرت الحركات الإسلامية في العديد من البلاد العربية والإسلامية بعد سنوات من النضال ضد هذه المفاهيم الشائعة، جيلا جديدا من الشباب من الجنسين ممتلئا حماسا لدينه، وعزما على النضال، من أجل قيام مجتمع يعيش وفق تعاليمه.
ولقد أدركت بعض الحركات الإسلامية منذ انطلاقها أهمية المرأة في الإصلاح وخصتها ببعض الاهتمام حتى تقوم بدورها الريادي في إقامة مجتمع العدل، والحق، والحرية، وتكون شريك حقيقي في تنمية مجتمعها، ولا مناص لذلك إلا من إزالة بعض العقبات والمفاهيم الخاطئة، التي تهدر طاقتها، وتعترض طريقها، وتحد من حريتها، وفي هذا السياق فقد قطعنا شوطا لا ينبغي التقليل من دلالاته، وإن تباين مداه بين قطر عربي وآخر.
إهدار تقييم عمل المرأة داخل المنزل:
في ظني أن من النقاط التي ينبغي أن نعيد التأمل فيها هي تلك المتعلقة بالتسوية بين حرية المرأة وكرامتها من ناحية، وبين العمل خارج المنزل من ناحية أخرى، وفي الترويج لأن النمط الوحيد لدور المرأة التنموي يتمثل في مشاركتها خارج المنزل. وتحديدا فإنّ دور المرأة في إدارة شؤون الأسرة وفي إنجاب الأطفال وتنشئتهم يعتبر خارج الجهد التنموي، وهذا المفهوم غاية في الغرابة وهو امتداد واضح للمفاهيم الغربية الضارة في التنمية فهو من ناحية يعني أن التنمية تنحصر في المكون الاقتصادي وحده، فدور المرأة على سبيل المثال في دور الحضانة والملاجئ والمدارس ومعاهد التدريب يعكس نتائج التنمية المعترف بها، أما أداء الوظيفة نفسها بالطريقة التقليدية العائلية فيهدر تقييمه، والأمر المؤكد عندي أننا ينبغي أن ننشئ مبادئ جديدة تعيد الاعتبار لكل الأنشطة العائلية وضمنها تربية الأطفال وتنشئتهم. أفهم أن يقال أن من حق المرأة العمل خارج المنزل، ولكن إذا رأت أقسام من النساء ألا تستخدم هذا الحق، أو إذا تطلبت ظروف ما أن تؤدي أقسام من النساء دورها الإنتاجي داخل المنزل، فإنّ هذا لا ينبغي أن ينقص من حقوقها واستقلاليتها وكرامتها.
ولا بد من ابتداع كافة الآليات التي تضمن ذلك ومن هذه الآليات:
1- تعميق الوعي بالمفهوم التنموي الصحيح، والذي تحتل بمقتضاه إدارة الأسرة وتنشئة الأطفال موقعها المحوري في خريطة تقسيم العمل الاجتماعي، وبتعبير آخر ينبغي محاربة النظرة الشاذة التي تعتبر هذه المهمة مسئولية من الدرجة الثانية بالنسبة للتنمية وتنقص من وضع المرأة التي تقوم بها.
2- وتأكيدا لهذا المفهوم، ينبغي أن تتلقى من تقوم بهذا الدور داخل المنزل مقابلا نقديا منتظما، وعادلا يعكس المكانة، ويحقق الاستقلال الاقتصادي على النحو الذي يحفظ للمرأة حقوقها، وكرامتها، ويضمن مشاركتها في القرارات المتعلقة بالأسرة، ويضمن مشاركتها في أوجه النشاط  الاجتماعي المختلفة خارج الأسرة.
3- وهذه النقطة الأخيرة ذات أهمية جوهرية. ففي ظروف عصرنا (زيادة التشابك الاجتماعي– تنوع الأنشطة السياسية والاجتماعية والثقافية والرياضية– توفر الإنتاج السلعي المساعد في العمل المنزلي) لم يعد دور المرأة داخل المنزل يتعارض مع المشاركة في أدوار أخرى، بل انه مع استرداد العمل داخل المنزل لمكانته الاجتماعية الطبيعية، يصبح شأن المرأة العاملة في هذا المجال شأن أي مواطن أو مواطنة يعمل في أي مجال من مجالات العمل الأخرى، ويجب أن تعبر القوانين والقيم التي تغرسها الثقافة الجديدة عن هذه الحقوق والضمانات. وغني عن القول أن قيام المرأة بدورها داخل المنزل يتطلب تأهيلا عاليا يتحدد نوعه ومستواه بمدى الاستعداد والميول وطبيعة الدور المختار.
إنّ هذا التركيز على دور المرأة العاملة في المنزل يصدر عن عدد من الاعتبارات:
الاعتبار الأول: هو أن نسبة كبيرة من النساء تعملن فعلا داخل المنزل، ولا يمكن تجاهل الدور التنموي الذي يلعبه هذا القسم من النساء وفي تكامل مع باقي أقسام قوة العمل.
الاعتبار الثاني: هو أن معظم الدراسات التي أجريت في مصر، تؤكد أن عمل المرأة خارج البيت حمّل العلاقات الأسرية بأنماط جديدة من المشاكل، لا تقل في آثارها النفسية (إن لم تزد) عن آثار المشاكل التقليدية (بالنسبة للمرأة أصبحت هناك مشكلة الوقت وتنافس الأدوار المختلفة على استخداماته، فمحاولة التكيف تعني الهبوط بتطلعاتها في العمل، وفي البيت، وما يترتب على ذلك من إحباط... و تردي العلاقات مع الزوج والأولاد... وتحديد النسل والانغلاق في الأسرة النووية... الخ
وتركزت الحلول لهذه المعادلة الصعبة في زيادة مشاركة الزوج في الأعمال المنزلية، وزيادة دور الدولة في تقديم الخدمات وزيادة استخدام الأجهزة الحديثة.
ولا اعتراض عندي على هذه الحلول، ولكن التحفظ هو في الإصرار على تعميمها جنبا إلى جنب مع تعميم مبدأ العمل خارج المنزل، وعلى هذا فإنّ هذه التوصيات معقولة ومبررة بالنسبة لفئات معينة، ولكن تعميم هذه الحلول متعذر، وذو تكلفة اقتصادية واجتماعية عالية، لا تقابلها زيادة متكافئة في الإنتاجية الاجتماعية. ولابد من التسليم بأن مهام إدارة شئون الأسرة والتنشئة هي وظيفة قائمة بذاتها، وتحتاج إلى إعداد وساعات عمل طويلة، وتحويلها إلى مسألة هامشية لا يعتبر مسألة مقبولة في كل الحالات ومن منظور تنموي صحيح.
إن ما تقوم به المرأة من عمل داخل بيتها يعد من العمل المعتبر عند الاقتصاديين. وقد أفرد الاقتصاديان (رونالد إيرنبرج وروبرت سميث) في كتابهما [اقتصاديات العمل] فصلاً كاملاً حول الإنتاج المنزلي  والأسرة وعرض العمل، تحدثا فيه بإسهاب عن توزيع الوقت المحتاج بين العمل في المنزل وخارجه، ومن يقوم بالعمل في المنزل، ونحو ذلك.
وقد كان هناك تقرير صدر في  الولايات المتحدة عن لجنة مكونة من دائرة الصحة والتربية والرعاية الاجتماعية، لدراسة شؤون العاملين في ميادين العمل -ومن ذلك عمل المرأة الأمريكية وانعكاساته  على أسرتها وأطفالها-، ومما جاء في هذا التقرير المهم ما يلي: "حين ننظر في عمل المرأة في بيتها، نجد  أنه من السخافة أن يقتصر تعريف العمل على الذي يتقاضى صاحبه عنه أجراً، فالمرأة لا تعتبر عاملة طبقاً للتعريف المشار إليه، ولكن عملها في تربية الآخرين يعتبر عملاً، وإن أجورهن تسهم في زيادة الدخل القومي بآلاف الدولارات".
وجاء في هذا  التقرير: "والحقيقة الواضحة أن رعاية الأطفال يعتبر عملاً بكل ما يفيده مفهوم  العمل؛ لأن هذه الرعاية مهمة صعبة وذات أثر خطير على المجتمع الكبير، أكثر من أي  عمل آخر تدفع له الأجور.
إن المشكلة ليست في قبول الناس –في مجتمعنا الأمريكي– بهذه الحقيقة أو عدم قبولهم، وإنما المشكلة هي في معتقداتنا  وثقافتنا الخاصة. فنحن كمجتمع لم ندرك بعد هذه الحقيقة عن قيمنا وتقديراتنا عن  النافع وغير النافع، وسوف يتحقق هذا الإدراك حين نبدأ النظر إلى اللاتي يكرسن  أنفسهن للأمومة ورعاية البيت باعتبارهن عاملات منتجات، وندفع لهن أجوراً ورواتب، مقابل هذه الرعاية، وحين نعتبر عملهن في البيت إسهاماً جليلاً في زيادة الدخل  القومي".
كما جاء في هذا التقرير: "والمشكلة هنا  إذا اعتُبِرت الأم عاملة، وتؤدي عملاً جليلاً، فمن يا ترى صاحب العمل المكلف بأن  يدفع لها أجراً.
ربما قد يكون الجواب: إن الزوج هو المكلّف بالدفع؛ لأن عمل  زوجته في البيت يسهم في راحته، وزيادة إنتاجه خارج البيت، وإذا لم يكن لربة البيت  زوج، فكانت أماً لأيتام –مثلاً- فمن الذي يدفع لها، لقاء رعايتها أطفالها  وبيتها؟ الجواب: طالما أنّ عملهنّ يفيد المجتمع عامة فمن الواجب أن يُدفع لهن من دخل الأمة". 
وقد أكدت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة القيمة الاقتصادية لعمل المرأة في  البيت، ومن ذلك تقرير صدر عن الأمم المتحدة عام (1405هـ-1985م)، جاء فيه: "لو أن  نساء العالم تلقين أجوراً نظير القيام بالأعمال المنزلية، لبلغ ذلك نصف الدخل  القومي لكل بلد، ولو قامت الزوجات بالإضراب عن القيام بأعمال المنزل لعمت الفوضى  العالم، سيسير الأطفال في الشوارع، ويرقد الرضع في أَسِرّتهم جياعاً تحت وطأة البرد  القارس، وستتراكم جبال من الملابس القذرة دون غسيل، ولن يكون هناك طعام للأكل، ولا  ماء للشرب.
ولو حدث هذا الإضراب، فسيقدر العالم أجمع  القيمة الهائلة لعمل المرأة في البيت.
إن عمل المرأة المنزلي غير منظور لدى  الكثيرين، وإن المرأة لا تتلقى أجراً نظير القيام بهذا العمل، وإن هذا العمل حيوي،  وعلى جانب عظيم من الأهمية، غير أن هذه الساعات الطويلة من عناء المرأة في المنزل  لا يدركه الكثيرون؛ لأنه بدون أجر.
إن المرأة لو تقاضت أجراً لقاء القيام  بأعمالها المنزلية، لكان أجرها أكثر من 14500 دولاراً في السنة، وإن النساء الآن في  المجتمعات الصناعية يساهمن بأكثر من 25% إلى 40% من منتجات الدخل القومي، بأعمالهن  المنزلية".
بل إن عمل الأمهات في البيوت لا يقدر  بثمن، وقد قامت مؤسسة مالية في الولايات المتحدة بدراسة عمل الأم في المنزل  (كالتربية، والطبخ، والإدارة المالية، والعلاج النفسي للأسرة..إلخ)، ومحاولة تقديره  بحسابات مادية على الورق، فوجدت أن الأم تستحق أجراً سنوياً يصل إلى 508آلاف دولار– محسوباً على أساس الأجور السائدة في الولايات المتحدة-، وقال المحلل المالي لهذه المؤسسة: "حيث إن الأم تعمل 24 ساعة مستمرة يومياً، توصلنا إلى أنها تستحق  أجر وقت دائم سنوي، يساوي أجر 17وظيفة مهمة .
4-
لا يعني هذا كله أن النساء ستتخصص جميعا (من حيث العمل الإنتاجي) في أعمال الأسرة ولكنه يعني أن عمل المرأة خارج المنزل ليس هدفا في حد ذاته، فما هو هدف في حد ذاته هو أن تتحقق إنسانية المرأة وأن يعترف بدورها التنموي من أي موقع تراه حسب الظروف الاجتماعية وحسب ظروفها الخاصة وقدراتها.
وفيما يتعلق أيضا بعمل المرأة نود أن نذكر المتيمين بالغرب وبكل ما يأتي من الغرب، أن المرأة في مصر وفى البلاد العربية والإسلامية بل في العالم بأسره كانت تقيم وحدة إنتاجية عبقرية متكاملة في بيتها، تخبز الخبز بأفضل من كل الأفران الحديثة، وتصنع أنواع مختلفة من الجبن، والمربيات، والفطائر، ومختلف أنواع الحلوى، وتصنع المخللات بأفضل من صنع المصانع الحديثة، وتربى مختلف أنواع الدواجن، وتذبحها، وتعدها للطعام، وتنتج البيض، وتربى الماشية، وتخزّن أنواعا مختلفة من الطعام لوقت الحاجة حتى قبل اختراع المبردات الكهربائية. وكانت تحيك أنواع مختلفة من الملابس للأسرة أو للغير. وكان عمل المرأة ولا يزال نموذجا على عمل المرأة في بيتها وحوله في الغيط المجاور مع زوجها وأبنائها. وكانت في نفس الأثناء تتابع أولادها وتربيهم حيث يظلون دائما تحت نظرها. وهى تمارس كفلاحة كل أعمال الفلاحة وتربية النحل الخ.
وعندما يقول البعض أنّ هذا من حكايات الماضي نقول: ليس كل ما هو من الماضي متخلف، وعلينا أن نطور الايجابي فيه ونحافظ عليه. فالحفاظ على البيت كوحدة إنتاجية يؤدي إلى توفير مليارات من الأموال في بناء دور حضانة لمراعاة أطفال المرأة العاملة خارج منزلها، ويوفر بناء عشرات ومئات المصانع لتصنيع الجبن والمربيات وغيرها من الإنتاج المنزلي، وبالتالي يمكن توجيه الثروة القومية لاستثمارات أكثر تطورا مما لا يمكن إنتاجه في الوحدات المنزلية.
الاقتصاد العالمي المتطور -اليوم- يعود إلى الاقتصاد المنزلي:
بل نقول أكثر من ذلك، إنّ الاقتصاد العالمي المتطور في القرن الواحد والعشرين بدأ يعود بالفعل إلى الاقتصاد المنزلي، عن طريق تجزئة العملية الإنتاجية، وإنجاز أجزاء منها في المنازل، ونعني بذلك الصناعات الالكترونية الأكثر تطورا. وهذا من أهم أسباب النهوض الاقتصادي الآسيوي: في الصين واليابان وغيرهما. فالإنتاج في المنازل يوسع القاعدة الإنتاجية ويوفر تكاليف أشغال العامل في المصنع أو الفني على مكتب. ويوفر زمن المواصلات والانتقال للمصنع، ويعطى أجرا أقل للعامل، وهذا مما يساعد على رخص السلع الصينية. كذلك فان أعمال المتابعة الالكترونية لكثير من الأعمال يمكن أن تتم في البيوت بل في بلاد أخرى حيث المرتبات أقل، كذلك يتم توفير شراء كمبيوتر لكل موظف ومكتب وحيز في الشركة، وجهاز تلفون، وساعات ضائعة في الانتقال!!
ليس كل ما فعله الأجداد كان متخلفا، ولكن يمكن استبدال بلاص الجبن بجهاز كومبيوتر دون أن نقلل من أهمية صناعة الجبن المنزلي، ولكن أصبح الآن لدينا بدائل أكثر تنوعا. كذلك توصلت عديد من الشركات لتشغيل الناس في بيوتها للقيام بأعمال الترجمة، وكتابة الأبحاث والتقارير، وجمع الكتب والمطبوعات على الكومبيوتر بالمنزل الخ...
5 – وينقلنا ذلك إلى حديث عن دور المرأة في النخبة السياسية – الفكرية، هذه النخبة هي التي تقود المجتمع وجهده التنموي. والنخبة السياسية تحديدا هي المرشحة لصلاحية إصدار القرارات على المستوى القومي، وبالتالي فإنّ دور المرأة في العمل داخل المنزل أو خارجه يظل هامشيا، إذا هي انعزلت عن المشاركة في النخبة السياسية– الفكرية وباب اشتراك المرأة في هذه النخبة ينبغي أن يكون مفتوحا عن طريق الأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية والجمعيات الخيرية ومؤسسات الثقافة والإعلام والنشر... الخ، والمشاركة التي نتحدث عنها لا تعني تعيين بعض النساء في عدد من المناصب؛ فالمشاركة الحقيقية وليس المظهرية لا تتحقق بقرارات ولكنها تنتزع وسط صراعات ومنافسات جادة وتختلف قواعد لعبتها من قطر إلى آخر.
وعلى خلاف ما يتصوره البعض أن العمل السياسي من حق المرأة إذا رغبت وكانت مؤهلة له، فإنّه في الإسلام فريضة لكل النساء كما لكل الرجال «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة»، ولا يحق للرجل أن يمنع زوجته من هذه الفريضة، لأنها جزء لا يتجزأ من عبادة الله سبحانه وتعالى، وقرينة مباشرة على التوحيد الحق. وكما يقول الفقهاء باتفاق انه "إذا دخل الأعداء أرض الإسلام يصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة، تخرج المرأة له بدون إذن زوجها، والصبي بدون إذن والده، والعبد بدون إذن سيده". ولكن الأمر يتجاوز فرض الجهاد المسلح عندما يصبح فرض عين، فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فريضة دائمة لا تتوقف على مدار الساعة، وعلى مدار العمر في سن التكليف. وعندما يقرر القرآن الكريم أن خيرية هذه الأمة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فإنّ ذلك يجعله مفروضا على كل مسلم ومسلمة «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله»آل عمران
وقد أراد الله أن يعلمنا ذلك بأكثر من طريقة، فلم يكن من قبيل المصادفة العابرة، أن يكون أول من دخل الإسلام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام امرأة، [...] كذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يكون أول شهيد في الإسلام امرأة (سمية). ولم يكن من قبيل المصادفة أن من حمى الرسول (ص) وصد عنه العدوان في غزوة أحد: نسيبة بنت كعب. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تكون المرأة ضمن المهاجرين للحبشة في المرتين. وأن تكون أسماء بنت أبى بكر شريك أساسي في خطة هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. وأن تكون المرأة شريك أساسي في بيعة العقبة الثانية، وأن ينص القرآن على بيعة النساء. وكل ما نسميه اليوم بالعمل السياسي شاركت المرأة فيه في حياة الرسول (ص).
وفى العصر الحديث، لم تنجح حركة تحرر ولا ثورة بدون مشاركة أساسية للمرأة، والإسلام يضع الأسرة كلبنة أولى للمجتمع، أي الرجل والمرأة معا، ولذلك فإنّ من سنن التغيير أن يشاركا معا، وبدون مشاركة المرأة في التغيير تتمزق اللبنة الأولى للمجتمع (الأسرة) ولا ينجح التغيير، حيث لا تتعبأ قوى الأمة بصورة تامة.
ولأن الأمثلة لا تعد ولا تحصى نكتفي بنموذج المرأة الفلسطينية، التي شاركت في شتى أعمال الجهاد والمقاومة والانتفاضة وشتى أعمال المساندة لها. فأعدت أبناءها للجهاد وخرجت بنفسها للمظاهرات وقذفت قوات الاحتلال بالحجارة وشاركت في القتال، والعمليات الاستشهادية، ودخلت السجون وتعرضت للتعذيب، واقتحمت الانتخابات ومثلت في المجالس المحلية والبرلمان، وحافظت أثناء كل ذلك على ارتفاع معدل الإنجاب لمواجهة خطر الإبادة، وهو السلاح الديموغرافى الذي أعيا الصهاينة، حتى لقد أصبح عدد الفلسطينيين 51% في مواجهة 49% من اليهود في فلسطين ككل ولن نغفل الدور الذي قامت به نساء فلسطين منذ اغتصابها على يد المحتل الغاشم، وحتى يومنا هذا، حيث لم تكتف المرأة الفلسطينية بأن تكون أم الشهيد وأخت الجريح، وابنة الأسير فحسب، بل كانت هي الشهيدة والجريحة والأسيرة، عبر مسيرة الثورة الفلسطينية الممتدة، حيث شاركت في العمل العسكري والتدريب الميداني في قواعد حركات التحرير والمقاومة الفلسطينية، وشاركت في العمل الأدبي والسياسي، وفي العمل التنظيمي، وفي المؤسسات الخيرية والمجتمعية لتربية الأيتام ورعاية المسنين، وبجذوة فكرها استطاعت أن تتوهج وترسل ضوءها وشررها في مختلف الاتجاهات العقلية والوجدانية والإنسانية، قاتلت ولا تزال تقاتل بقلمها من أجل نصرة قضيتها المقدسة... وبصوتها وقرارها الآن في المجلس التشريعي الفلسطيني. قامت بدور جبار وشاق في تربية الأجيال وحثهم على الدفاع عن حقهم المغتصب واسترجاع وطنهم السليب، و عدم التهاون في تقديم الغالي والنفيس. نالت نصيبها من الإعاقة، والقتل، والإبعاد، والسجن، والشهادة. هربت الأموال لداخل فلسطين، هرّبت السلاح والذخيرة للمجاهدين والمقاومين. شاركت في الإغاثة والتمريض والتطبيب، حملت السلاح في وجه العدو، أمّنت الملجأ والمأكل والخدمات للكوادر، قاومت الحصار من خلال أعمالها الإنتاجية، نالت نصيبها من القصف، تدمير البيوت، إطلاق الرصاص المباشر عليها، الاغتيال، شظايا القصف أثناء عمليات الاحتلال والتدمير، نالت قسطها الوفير من سياسة الحواجز حيث اضطرت للولادة في العراء وأمام الملأ بسبب منعها أو العرقلة، أو التأخير في تقديم الخدمات مما أدى إلى موت العديد من الأجنة، تفاقمت حالات الإجهاض المقصودة بسبب الغازات المسيلة للدموع، الخوف، الضرب من قبل قوات الاحتلال، أو الولادة في البيوت.

نساء فلسطين رائدات في العمل الكفاحي والجهادي الفلسطيني، بصوره المختلفة. نجد الذاكرة الفلسطينية وقد حفظت وخلدت أسماء مثل اسم الشهيدة دلال المغربي، وأسماء أخريات شاركن في عمليات خطف الطائرات‏، ومنهن ليلى خالد، وريما بلعوشة، وزهيرة أندراوس، وفي انتفاضة الأقصى التي تفجرت في سبتمبر من العام 2000 انتقلت المرأة الفلسطينية، نقلة نوعية في تضحياتها وإقدامها، حيث كانت الظاهرة الأكثر بروزاً فيها وهي ظاهرة العمليات الاستشهادية، التي كان للمرأة فيها حضورها المتميز الوافر، فكان هناك بجانب الاستشهاديين، الاستشهاديات، وفاء إدريس، ودارين أبو عيشة، ونورا شلهوب، وآيات الأخرس، وسناء قديح، وهبة ضراغمة، وريم الرياشي، وهنادي جرادات، وميرفت مسعود. كما كان للمرأة الفلسطينية، في انتفاضة الأقصى نصيب كبير في تحمل معاناة الأسر عند السجان الصهيوني الظالم، وحتى الساعة ترزخ في الأغلال، المئات من الأسيرات الفلسطينيات، [...]
المرأة الفلسطينية، سنت سنة حسنة، في تقبيل وتوديع أولادها وهم ذاهبون إلي الشهادة (أم نضال فرحات) خنساء فلسطين، أم الشهداء القساميين الأبطال (نضال، ورواد، ومحمد) قبلت وودعت ابنها (محمد) قبل ذهابه على درب الشهادة للنيل من المحتل، ووقفت مؤازرة ومشجعة له، على ألا يعود إليها إلا وهو شهيد، وقد نال من الأعداء في مقتل ؛ واقتفت أثرها نساء مجاهدات أخريات، في تشجيع أولادهن على الشهادة والنيل من الأعداء، أمثال السيدة أم أحمد عابد التي كررت المشهد نفسه مع ابنها الشهيد محمود عابد، كذلك السيدة أم مصطفى صالح مع ابنها الشهيد محمود صالح. هذه هي المرأة الفلسطينية والتي استمرت في عطائها وبذلها، وتوجته بمعركة فدائيات الحصار في بيت حانون فجر يوم الجمعة 3/11/2006 وهو اليوم الذي سجّل فيه التاريخ ذلك الحضور الاستثنائي للمرأة الفلسطينية ولعظم تضحياتها.
كما قامت المرأة الفلسطينية بدور محوري في مقاومة الحصار الظالم الذي يتعرض له قطاع غزة منذ فوز حماس بالأغلبية منذ أكثر من عامين تقول امرأة من غزة المحاصرة: استثنينا الأولاد الكبار والبقية يتناوبون في استبدال الثياب في ما بينهم حسب الأعمار والطول، وفي أكثر الحالات وبعد الاستهلاك الكلي لها نستفيد منها كقطع لمسح البيت وأثاثه.
 إنّ المرأة الفلسطينية مثال نموذجي لدور المرأة الأساسي في كل حركات التحرر والتغيير والثورة. ودورها في العمل السياسي والدعوى والجهادي المسلح. ولكن واقعنا العربي والإسلامي يذخر بتجارب ثمينة أخرى لا يمكن أن تحيط بها هذه الورقة. ولكننا نشير بإكبار وتقدير خاص لدور المرأة السودانية واللبنانية والعراقية والكشميرية والإيرانية والباكستانية والتركية والمصرية والجزائرية والمغربية، لدورها النشط والمجاهد في إحداث الإصلاح والتغيير والتحرير في بلدانها. وهو كما ذكرنا من سنن التغيير فإذا نزلت المرأة بثقلها في المعترك العام فاعلم أن زمن التغيير قد اقترب، وإذا انكمش دورها فاعلم أنّ الحال سيظل على ما هو عليه حتى إشعار آخر، أي حتى تنزل المرأة بثقلها في الميدان. وهذا مفهوم جديد للمثل الفرنسي الشائع، الذي يقول عند وجود جريمة أو انحراف (ابحث عن المرأة Cherchez la famme).
ونحن نقول بل عندما يحدث تغيير إصلاحي أو ثورة أو تحرير: ابحث عن المرأة!



المصدر: موقع الاتحاد النسائي الإسلامي العالمي (ورقة مقدمة لندوة الاتحاد النسائي الإسلامي العالمي حول المرأة وتحديات العمل العام).
إعداد: د. نجلاء القليوبي (مسؤول الشرق الأوسط بالاتحاد النسائي الإسلامي العالمي)

[بتصرف]

التعليقات (0)

اترك تعليق